محمد بن المختار الشنقيطي

من العسير الحديث عن الرؤية الأميركية لإقامة الدولة الفلسطينية بشكل منعزل عن الرؤية الإسرائيلية، فالرؤية الأميركية تتلون بلون المزاج السياسي السائد في تل أبيب، وقد اعتاد الأميركيون على تعديل رؤيتهم وتهذيبها وتشذيبها تبعا للتصورات الإسرائيلية.

وليس سبب ذلك أن أميركا ليست لديها مصالح مستقلة عن مصالح إسرائيل، وإنما لأن أميركا ليس لديها خيارات مستقلة عن خيارات إسرائيل.

كما أن الرؤية الأميركية محكومة برؤية دينية متصلبة ليس من السهل الفكاك منها.

عودة المسيح وعودة الشعب المختار
الدولة الفلسطينية في العرف الأميركي  
أتباع مذهبيْ شارون القديم والجديد 
المسلمات الضمنية في الطرح الأميركي

عودة المسيح وعودة الشعب المختار

"
أوضحت مجلة "المسيحية اليوم" Christianity Today الأميركية في استبيان لها بتاريخ  6/11/2003 أن دافع 59% من الإنجيليين المسيحيين إلى مساندة إسرائيل هو "وعد الرب بمباركة إسرائيل"، أو أن "لإسرائيل مكانة خاصة في قلب الرب"
"

تسود في الثقافة الدينية الأميركية نظريات كثيرة حول "آخر الزمان" و"نهاية العالم"، وأهم هذه النظريات تلك القائلة إن شرط عودة المسيح الثانية هو "رجوع الشعب المختار إلى الأرض المقدسة"، وهي نظرية يؤمن بها اليوم أغلب المسيحيين البروتستانت في الولايات المتحدة.

وقد أورد "ميتشل بارْد" في كتابه "العلاقات الأميركية الإسرائيلية على مشارف العام 2000"(1) جردا تاريخيا لمواقف الرؤساء الأميركيين وتصريحاتهم وخطبهم حول إسرائيل، يُظهر النفَس الديني المسيطر على اهتمامهم بهذا الشأن.

وأغرب ما يكشف عنه الكتاب أن بعض الرؤساء الأميركيين آمنوا بإسرائيل قبل أن تخرج إسرائيل إلى الوجود. ومن هؤلاء الرئيس جون كوينسي آدمز (1825-1829) فقد أعلن عن إيمانه بضرورة "إعادة بناء يهودا دولة مستقلة"، والرئيس آبراهام لنكولن (1861-1865) الذي صرح بأن إقامة وطن لليهود في فلسطين "حلم نبيل يحمله العديد من الأميركيين".

وظل هذا النفَس الديني حاضرا في أحاديث الرؤساء الأميركيين حول الدولة اليهودية بعد ميلاد فكرتها، ومن بعد تأسيسها، فهذا الرئيس "وارين هاردينغ (1921-1923) يرد على وعد بلفور قائلا "من المستحيل على من درس تاريخ العبرانيين أن يتفادى الإيمان بأنهم سيستردون يوما ما وطنهم التاريخي".

وأصرح منه قول الرئيس هنري ترومان (1945-1953) "لقد آمنت بإسرائيل قبل تأسيسها، وأنا أومن بها اليوم". أما الرئيس جونسون (1963-1969) فقد خاطب سفير إسرائيل في أميركا يومها قائلا "إن مجتمعنا يستمد من النبع الروحي للأنبياء العبرانيين... فعقيدتي المسيحية نابعة من عقيدتكم".

ويتبنى الأصوليون المسيحيون –وهم قوة سياسية ضاربة في الولايات المتحدة- هذه الرؤية بحماس منقطع النظير. وقد أوضحت مجلة "المسيحية اليوم" Christianity Today الأميركية في استبيان لها بتاريخ 6/11/2003 أن دافع 59% من الإنجيليين المسيحيين إلى مساندة إسرائيل هو "وعد الرب بمباركة إسرائيل"، أو أن "لإسرائيل مكانة خاصة في قلب الرب".

وعبَّر قرار صادر عام 2002 عن "المجمع المعمداني الجنوبي" Southern Baptist Convention عن هذه الرؤية، فنص على أن "العهد القديم [التوراة] والجديد [الإنجيل] كليهما يؤكدان على الاهتمام والعناية الإلهية الخاصة التي اختص بها الرب الشعب اليهودي". كما نص على أن "الشعب اليهودي تربطه صلات تاريخية بأرض إسرائيل، وهي صلات تستمد جذورها من وعود الرب نفسه".

ويعتبر "المجمع المعمداني الجنوبي" أوسع المنظمات الدينية السياسية نفوذا في الولايات المتحدة وأوفرها أتباعا، وهو أهم مكونات الحزب الجمهوري الحاكم، وأشد الداعمين للرئيس بوش.

فإذا قلنا بعد كل هذا إن الدولة اليهودية تحارب المسلمين بمشاعر مسيحية



كان هذا القول دقيقا تماما، وهذه ظاهرة عجيبة في تاريخ الأديان جديرة بالتأمل والدراسة.

الدولة الفلسطينية في العرف الأميركي

"
الانتحار أهون علي من فعل أي شيء يضر بإسرائيل

جيمي كارتر
"

وفي الجانب الآخر فإن التأمل في الرؤية الأميركية للدولة الفلسطينية عبر الزمن يدل على أن الأميركيين لم يقصدوا بعبارة "الدولة الفلسطينية" قط دولة ذات سيادة، وإنما قصدوا بها –ولا يزالون- حكما ذاتيا للمناطق التي تتركز فيها كثافة سكانية فلسطينية، يحرر إسرائيل من الكلفة المادية والعبء الأمني لإدارتها، مع إحاطة إسرائيل بها جغرافيا، وتحكم الإسرائيليين في منافذها الجوية والبرية والبحرية، وفي مسارها السياسي، وحتى في ثقافتها وقيمها الاجتماعية.

فاستقراء كل المبادرات والأطروحات الأميركية حول هذا الموضوع في العقود الثلاثة الماضية، من كامب ديفد إلى خريطة الطريق، يدل على أن سقف الطرح الأميركي كان دائما محصورا بحدود الحكم الذاتي، وكل ما وراء ذلك أمانٍ ووعود.

وقد صرح أكثر من رئيس أميركي بأنه ضد الدولة الفلسطينية. وفي هذا السياق ينسب ميتشل بارد للرئيس كارتر قوله متحدثا عن الدولة الفلسطينية في مؤتمر الحزب الديمقراطي عام 1976 "الانتحار أهون علي من فعل أي شيء يضر بإسرائيل".

وقد عارض كارتر الفكرة في خطاب ألقاه يوم 23 مارس/ آذار 1980 في الذكرى الأولى لاتفاقية كامب ديفد.

كما عارضها خلفه الرئيس ريغان وكان أصرح الرؤساء الأميركيين، إذ قال "إن عَرض مساحة إسرائيل ما قبل حرب 1967 لم يكن يتجاوز -في مواضع ضيقهِ- العشرة أميال إلا بقليل، وكان أغلب سكان إسرائيل يقعون في مرمى مدفعية الجيوش العربية المعادية، ولست بالذي يطالب إسرائيل بالعيش في تلك الوضعية مرة أخرى".

ورغم ما اتسم به طرح الرئيس بوش الأب والرئيس كلينتون من توسع نظري، لم يخرجا عن هذا السياق قط.

وقد ظهرت ظواهر في العقد الأخير جعلت الأميركيين يهتمون بموضوع الدولة الفلسطينية بجدية نظرية أكبر، من هذه الظواهر:

  • النمو الديمغرافي الذي يسير بخطى حثيثة لصالح الفلسطينيين، بعد نفاد آخر روافد الهجرة اليهودية من روسيا، وهذا ما يؤرق اليهود الأميركيين ويجعلهم يخافون على هوية الدولة اليهودية.
  • استهداف الأميركيين داخل أرضهم وخارجها، الذي دشنته بطريقة دراماتيكية صاعقة 11 سبتمبر/ أيلول 2001، وقد كان من دوافع تلك الهجمات وغيرها ما يحدث من إذلال للفلسطينيين.
  • التحولات السياسية العميقة التي بدأت بوادرها في الدول العربية المحيطة بإسرائيل، ما يعني أن تترس إسرائيل بحكام مستبدين


    موالين للولايات المتحدة لن يفيدها في المدى البعيد، وسيتعين عليها مواجهة الشعوب وجها لوجه في النهاية.

أتباع مذهبيْ شارون القديم والجديد

"
غاية ما يرضى به الرئيس بوش للفلسطينيين هو حكم ذاتي بصلاحيات أشبه بصلاحيات بلدية إسرائيلية سكانها غير اليهود
"

ولو أردنا وصف الموقف الأميركي من الدولة الفلسطينية في الوقت الحاضر لتعين علينا الرجوع إلى المرجعية الإسرائيلية من جديد.

فالأميركيون اليوم ينقسمون بهذا الاعتبار إلى قسمين، أتباع شارون في "مذهبه القديم" الذي شرحه بإسهاب في مذكراته الصادرة في الثمانينيات.. وأتباع شارون في "مذهبه الجديد" الذي عبر عنه في بعض خطاباته الباهتة في الأعوام الأخيرة.

أما مذهب شارون القديم فخلاصته أن الأردن هو الدولة الفلسطينية، ويجب طرد البقية الباقية من الفلسطينيين إليها، وإكراههم على الرضا بها موطنا بديلا.

أما مذهب شارون الجديد فيتلخص في فرض حكم ذاتي على الفلسطينيين على مساحة قدرها 13% من فلسطين، ثم تسمية ذلك "دولة فلسطينية"، رغم أنها لن تمتلك من السيادة إلا اسمها، حيث ستسيطر إسرائيل على منافذها ومعابرها، وتفتح حدودها وتغلقها متى شاءت.

وهذا المذهب هو الذي يلح عليه شارون في الأعوام الأخيرة، وقد وجد له أتباعا كثرا من الساسة الأميركيين، ومنهم الرئيس بوش "الموله بشارون" حسب تعبير أحد مستشاري الأمن القومي الأميركي السابقين.

وخلاصة مذهب الرئيس الأميركي الحالي أن الرجوع إلى حدود 1967 غير وارد، وتفكيك أهم المستوطنات -أو "التجمعات السكانية الإسرائيلية" -كما يدعوها- "غير واقعي"، وسيادة الفلسطينيين على حدودهم خطر على إسرائيل لا يمكن تحمله.

وهو مع ذلك يحمل همَّ بقاء إسرائيل "دولة يهودية"، بمعنى الحفاظ على المعادلة الديمغرافية لصالح اليهود ضد العرب.

فغاية ما يرضى به الرئيس بوش للفلسطينيين هو حكم ذاتي بصلاحيات أشبه بصلاحيات بلدية إسرائيلية سكانها غير يهود، تخضع في سيادتها واقتصادها وحماية حدودها وحتى في شبكات مائها وكهربائها لإسرائيل.



ولا مانع عنده بعد ذلك من تسميتها "دولة فلسطينية" واستقبال قائدها استقبال الملوك، إذ لا مشاحة في الاصطلاح.   

المسلمات الضمنية في الطرح الأميركي

"
"لقد ماتت الثورة الصهيونية" كما كتب بحق "أفراهام بورغ". فليس من الحكمة أن ينقذ القادة الفلسطينيون الصهيونية من الموت، من خلال القبول بحلول ظرفية لا تحق حقا ولا تبطل باطلا
"

إن مشكلة الطرح الأميركي حول الدولة الفلسطينية هو ما ينطوي عليه من مسلمات ضمنية مبنية على الرؤية الإسرائيلية. ولعل آخر ما تفتق عنه الذهن السياسي الأميركي حول الدولة الفلسطينية دراستان صادرتان عن مؤسسة "راند" للدراسات الإستراتيجية في كاليفورنيا مؤخرا،

  1. إحداهما بعنوان: "بناء دولة فلسطينية ناجحة" Building a Successful Palestinian State
  2. والثانية بعنوان: "القوس: الشكل الهيكلي للدولة الفلسطينية" The Arc: A Formal Structure for a Palestinian State.

وتمتاز الدراستان بالكثير من روح التسويق والقليل من الصرامة المنهجية التي تتسم بها دراسات "راند" في الغالب، وقد شابت الدراستين شوائب عدة، منها:

  • جنوح الدراستين إلى الطرح الافتراضي، ولذلك كثرت فيهما الجمل الشرطية، مثل "لو قامت الدولة الفلسطينية" "إذا حدث أن حصل الفسطينيون على دولة"..إلخ فليست الدراستان تنفيذا لسياسة متبعة، بل تسويقا لخيارات نظرية.
  • سكوت الدراستين عن الانسحاب الإسرائيلي وعن تفكيك المستوطنات، وكأنهما تتواطآن مع الرؤية الرسمية الأميركية القائلة –بالفعل قبل القول- إن لإسرائيل أن تأخذ من الأرض ما تشاء وتذر ما تشاء، بناء على أهوائها الخاصة، وبغض النظر عن الوجود الفلسطيني.
  • إلحاح الدراستين على سد المنافذ أمام عودة العديد من اللاجئين الفلسطينيين، بدعوى أن ذلك قد يشوش على التطور الاقتصادي والاجتماعي في الدولة الفلسطينية المفترضة، ما يدل على أن مؤلفِيهما مهمومون بالهاجس الديمغرافي الذي يؤرق إسرائيل. 

وتبدو دراسة "القوس" على وجه التخصيص أقرب إلى الخيال الشعري، الذي همه التسويق لا التطبيق، فهي خطة جميلة مدعومة بخرائط ملونة زاهية حول إعمار الجزء الذي قد تجود به إسرائيل من الضفة والقطاع، بما يحوله إلى "هونغ كونغ" أو طوكيو" عربية.

وقد أوشك المشرف على الدراسة -وهو مهندس يهودي من كاليفورنيا- على التصريح بطبيعتها التسويقية، حينما أوضح في مقدمتها أن هدف الدراسة هو إقناع "حماس" وغيرها بثمرات السلام.

وقد كان الكاتب الصحفي "جيمس بنيت" دقيقا في تقييم الدراسة المعنونة "القوس" حينما كتب عنها في صحيفة نيويورك تايمز قائلا "هذه أول مرة تعتمد فيها مؤسسة راند على السذاجة، وهي المعروفة بتحليلاتها العقلانية البعيدة عن الرومانسية".

ومع ذلك وجد مؤلف "القوس"، المهندس "سويسمان"، من يشتري منه تلك السذاجة، فقد ذكر "بنّيت" أن سويسمان حينما قدم تصوره إلى بعض القادة الفلسطينيين رد جهاد الوزير –نائب وزير المالية الفلسطيني-  قائلا "لقد اغرورقت عيناي بالدموع تأثرا وإعجابا وأنا أستمع إلى هذا العرض"!!

وقد كان بوسع الوزير الفلسطيني أن يقتصد في ذرف الدموع ويمد عينيه في الزمان والمكان، ليرى أن ثمن إسرائيل في تصاعد، وأن المحيط الإقليمي يتبدل بسرعة لصالح قضيته وقضية شعبه.

"لقد ماتت الثورة الصهيونية" كما كتب بحق "أفراهام بورغ" الرئيس الأسبق لكل من الكنيست الإسرائيلي والوكالة اليهودية العالمية، فليس من



الحكمة أن ينقذ القادة الفلسطينيون الصهيونية من الموت، من خلال القبول بحلول ظرفية، لا تحق حقا ولا تبطل باطلا.
_______________
كاتب موريتاني مقيم في أميركا
الهوامش:
(1) Mitchell G. Bard. U.S.-Israel Relations: looking to the Year 2000