الإخوان المسلمون يتظاهرون ضد الفساد بالقاهرة (أرشيف-الفرنسية)

حامد عبد الماجد قويسي

هذا هو الجزء الثاني من المقالة ويذكر المحددات التفسيرية لطبيعة العلاقات واتجاهاتها بين الأنظمة العربية الحاكمة وجماعة الإخوان المسلمين.

والواقع أن هناك العديد من المحددات والعوامل يمكن تصنيف أهمها في إطار ثلاث مجموعات متفاعلة، وتقدم تفسيرا على درجة من المعقولية العلمية للقضية..

محددات ترجع إلى الأنظمة

"
بعد فوز حماس حاولت الأنظمة العربية والنظام الرسمي ككل الضغط عليها مع القوى الدولية المهيمنة لكي تندرج في إطار "الشرعية العربية/ الدولية/الأميركية" بكل ما للأمر من دلالات

"

وهي تمثل كمجموعة العامل "المستقل" و"الأساسي" الذي يتحكم في "الفعل" وصياغة أسس العلاقة غالبا، وأهم هذه المحددات الراجعة للأنظمة العربية:

  • الخبرة التاريخية المتعددة والمختلفة لأشكال وأنماط تعامل هذه الأنظمة العربية مع الإخوان المسلمين, إذ إن هناك "ذاكرة تاريخية" للعلاقة كثيرا ما يتم استدعاؤها لكي تؤثر في صياغة "الواقع" الحالي للعلاقة –وإلى درجة ما- مستقبلها السياسي, وهذه الخبرة قد تكون "صراعية" غالبا في بعض البلدان مثل: مصر وليبيا وتونس وسوريا.. وطبيعية وسلمية في البعض الآخر مثل دول الخليج العربي والأردن والمغرب.. وبالتالي تتعدد أنماط التعامل وتتأثر بهذا الميراث المختلف والمتعدد من الخبرة التاريخية الماضية.
  • طبيعة الأنظمة العربية الحاكمة التي تقلص مشروعها السياسي ليتركز في "الحكم" والحفاظ على وضعية الفئات المهيمنة والحاكمة، وبالتالي وفي ظل غياب الطابع السياسي وغلبة المنطق الأمني في بنية الأنظمة العربية، يتم النظر إلى جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها تمثل "خطرا وتهديدا أمنيا" ينبغي "حصره" وجعله "غير مشروع".
  • طبيعة علاقة الدولة بالمجتمع المدني أو الأهلي في المنطقة وهي ترتبط بالنقطة السابقة، فهذه العلاقة تحكمها معادلات "الشك والارتياب المتبادل" و"الضبط والتحكم" في الأوزان والممارسات السياسية على تفاوت بين الأنظمة العربية وبالتالي يمتد منطق تعاملها مع قوي المجتمع المدني لجماعة الاخوان بدرجة أكبر لوزنها السياسي ووضعيتها التنظيمية.

عوامل ترجع إلى الإخوان
وهي العامل الذي يتأثر غالبا بالعلاقة, وتأتي ممارساته كاتجاه عام بمثابة ردود الأفعال على ممارسات الأنظمة الحاكمة، وبالتالي فإن إسهامها في صياغة أنماط العلاقات واتجاهاتها محدود غالبا، ولكن يمكن إرجاعه إلى العوامل والمتغيرات التالية:

  • مدى امتلاك الجماعة وتقديمها مشروعا نهضويا للأمة ككل لإصلاح واقعها يفعل الجهود "الإصلاحية" التي تقدمها التنظيمات الإخوانية في الأقطار المختلفة لكي يكون بديلا مقبولا لوضعية التردي والتدهور الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية في الوقت الراهن..
  • مدى امتلاك الجماعة مشروعا سياسيا حقيقيا يتضمن رؤية مستقبلية يقوم على أساسها نوع من الاستشراف والتخطيط المستقبلي على أسس علمية حقيقية، فرغم حالة التسييس التي تعيشها "الجماعة" و"الدعوة" عبر "التنظيم" في فترات العمليات الإنتخابية الموسمية، لم تفلح الجماعة ككل –لاعتبارات وأسباب كثيرة- باستثناء بعض التنظيمات القطرية في تأطير نفسها كحركة سياسية جماهيرية ذات برنامج محدد بمرجعية حضارية إسلامية وبقاعدة اجتماعية حقيقية..
  • مدى قيام التنظيم الدولي للإخوان المسلمين بأدواره المفترضة في لائحته على الأقل في تحديد القضايا "الإستراتيجية" لعمل الجماعة وإيجاد حد أدنى من الإتفاق بصددها بحيث يتم التعامل بآليات التنظيم المعروفة مع من يتجاوزها أو يخترقها، وأيضا عدم قيامه بنوع من التنسيق الحقيقي من المواقف المتضاربة والمتناقضة، كما في حالة الحزب الإسلامي في العراق والإخوان السوريين والإخوان الأكراد.. التي سبق ذكرها في الجزء الأول من المقالة.

محددات ترجع إلى البيئة

"
هل يمكن أن نختزل كل القضايا الجوهرية للعلاقة بين الأنظمة العربية وأكبر جماعة إسلامية شعبية في المنطقة العربية تمثل التيار الإسلامي الوسطي في هذه الإشكالية الجزئية: المفارقة بين الشرعية السياسية والمشروعية القانونية؟

"

أي إلى البيئة الإقليمية والدولية التي تعد الإطار الذي تتحرك فيه قضية العلاقة بين الأنظمة العربية وجماعة الإخوان المسلمين. والمقصود بالبيئة الإقليمية تحديدا ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والمشروع الصهيوني والعلاقات العربية الإسرائيلية، أما البيئة الدولية فهي تحديدا المشروع والوجود الأميركي في المنطقة  وتجلياته في الاحتلال الأميركي للعراق ومدى اعتباره مشروع هيمنة يسعى لإعادة تشكيلها طبقا لأولوياته ومصالحه.

تلعب البيئة الدولية والإقليمية كلتهما دورا بالغ الأهمية، حيث تقتضي الرؤية الإستراتيجية القول بأن الرؤية التي تفرضها البيئة الدولية والإقليمية لها "الوزن  الأكبر" -سلبا أو إيجابا- في صياغة أنماط العلاقة بين الأنظمة العربية والجماعة.

خاصة في ظل "تعارض" وإن لم يكن "تناقض" رؤية الطرفين لهذه القضايا وإستراتيجيتها في التعامل معها، وأدوات التعامل وآلياته، والمثال الأبرز في هذا الصدد ما يتعلق بإسرائيل التي اعترفت بها "قانونيا" بعض الأنظمة العربية وأقامت اتصالات معها وارتفعت بها لعلاقات دبلوماسية واتفاقات رسمية متنوعة، واتصلت بها وتعاملت معها اقتصاديا وتجاريا وسياسيا "واقعيا" معظم الأنظمة العربية أو هي في الطريق لذلك.

فبعد فوز حماس حاولت الأنظمة العربية والنظام الرسمي ككل الضغط عليها -وما زال وبكافة السبل وبنوع من التنسيق- مع القوى الدولية المهيمنة لكي تندرج في إطار "الشرعية العربية/الدولية/الأميركية" بكل ما للأمر من دلالات.

كما أن بعض الأنظمة العربية الحاكمة استخدمت "الورقة الإخوانية" كـ"فزاعة" لتخويف الإدارة الأميركية من أي نتائج إجراء انتخابات حرة في المنطقة، ويبدوا أنها حققت على الأقل -في الوقت الراهن- هدفها، إذ توقفت الإدارة الأميركية على الأقل عن المطالبة بـ"الديمقراطية" وكذلك انتقاد "حلفائها" على ممارساتهم الديمقراطية المشهودة على نحو ما شهدته الانتخابات المصرية الأخيرة 2005.

كما أنه على الجانب الآخر فإن الإدارة الأميركية تحاول استخدام نفس الأداة كورقة سياسية لابتزاز الأنظمة العربية عبر السعي لفرض قضايا معينة يجب عليها الاستجابة لها دون مناقشة، ولكن الأنظمة العربية  بدورها لا تستطيع ممارسة هذه الاستجابة لاعتبارات تتعلق بمعادلات الحكم الداخلية وتوازناته، وإلا عرضت نفسها لاحتمالات الانهيار السريع.

ويذكر في هذا الصدد أن الإدارة الأميركية استخدمت ورقة التيار الإسلامي المعتدل والإخوان المسلمين تحديدا عبر التصريح مرات من قبل وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بأنها "لا تمانع" في وصولهم إلى الحكم عبر صناديق الانتخاب، وعبر الإيحاء مرات بأن هناك اتصالات وحوارات تجرى معهم في مناطق مختلفة من العالم.

المفارقة في الأمر أن كافة الأطراف والفرقاء يتعاملون مع الجماعة وتنظيماتها المختلفة باعتبارها "ورقة لعب سياسية" للمساومة والابتزاز والضغوط السياسية المتبادلة، في حين أن أصحاب القضية ولا نقول "الورقة" يظهرون مبدأيين حين يشددون على أنهم لن يحاوروا الأميركان والأوروبيين إلا بوجود رسمي يمثل "الدولة الوطنية" المصرية  أو غيرها، والتي للمفارقة حتي الآن لا تعترف بمشروعيتهم القانونية!!

ولكن هل يمكن أن نختزل كل القضايا الجوهرية للعلاقة بين الأنظمة العربية الحاكمة وأكبر جماعة إسلامية شعبية في المنطقة العربية تمثل التيار الإسلامي الوسطي المعتدل في هذه الإشكالية الجزئية:

المفارقة بين الشرعية السياسية والمشروعية القانونية؟ لا يجب ولا أعتقد ذلك، هذا والله تعالى أعلم..

اقرأ الجزء الأول:
النموذج الإخواني.. واقع العلاقة بين الإخوان والأنظمة

___________________
أكاديمي متخصص في الشؤون الإسلامية