* بقلم/ داود سليمان داود

بدأت الساحة الفلسطينية تشهد واقعا جديدا منذ بداية الانتفاضة أضحت تبعاته تؤثر بشكل كبير في المشهد السياسي الفلسطيني والحياة الاجتماعية الفلسطينية، ولم يقتصر هذا التأثير على الساحة الفلسطينية بل تعداها إلى كافة الأطراف في المنطقة، وكان لتنامي المقاومة الفلسطينية الفضل في استمرار الانتفاضة واكتسابها هذا الزخم الذي تتمتع به. ومع الإفراط الإسرائيلي في العنف الموجه للشعب الفلسطيني بدأت المقاومة تأخذ مكانا بارزا في إدارة الصراع مع العدو الإسرائيلي.

- المقاومة.. التطور النوعي
- تأثير المقاومة في الداخل الفلسطيني
- معوقات تطور الانتفاضة إلى مقاومة شعبية
- العمليات الاستشهادية.. الجدل المستمر

المقاومة.. التطور النوعي

لم يكن بمقدور المقاومة الفلسطينية أن تستمر ويكون لها هذا التأثير القوي لو أنها اقتصرت على أساليب المقاومة التقليدية ولم تطورها وتبتكر أساليب جديدة لتكون ندا للقوة الحربية الإسرائيلية. ولم تحز المقاومة الفلسطينية منذ انطلاقها في الستينيات من القرن الماضي زخما كما اكتسبته المقاومة الحالية، فعلى الرغم من توفر كافة الظروف الميدانية والسياسية الملائمة للعمل المقاوم فإنها لم تكن تشكل كبير خطر على الدولة العبرية ولم تؤثر في القوة الإسرائيلية كما أثرت المقاومة الحالية.

ولعل من أبرز الأسباب التي أكسبتها الوضع الحالي يكمن في استخدام أساليب جديدة في الصراع لم تكن معهودة من قبل، وقد عرضت تلك الأساليب نظرية الأمن الإسرائيلي للخطر.

العمليات الاستشهادية.. القنبلة الذكية
بغض النظر ممن اقتبس الفلسطينيون أسلوب العمليات الاستشهادية سواء من اللبنانيين أو من نمور التاميل في سريلانكا أو من غيرهم، فإنهم طوروا هذا الأسلوب فأصبحت العمليات الاستشهادية في الأشهر الأخيرة من الانتفاضة السلاح الأبرز في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية.

ونظرا لاعتماد القوى الفلسطينية بشكل كبير وأساسي في مقاومتهم على العمليات الاستشهادية فقد اعتبر العديد من المراقبين أن هذه العمليات بدأت تؤسس لمرحلة مهمة من النضال الفلسطيني وتعتبر في الوقت ذاته تغييرا في البنية الإستراتيجية للقوى الفلسطينية لتتماشى مع ما هو متاح من أساليب المقاومة. وتكمن أهمية هذا النوع من العمليات في أنها تستطيع التحكم بوقت ومكان الانفجار إذ يصفها الدكتور نعومي بدهستور الذي أعد دراسة مفصلة عن العمليات الاستشهادية بأنها "القنبلة الذكية" التي تستطيع أن تختار التوقيت الملائم للانفجار الأمر الذي يجعلها سلاحا نموذجيا تلجأ إليه قوى المقاومة الفلسطينية.


في العام الثاني للانتفاضة انضمت التنظيمات العلمانية إلى الإسلامية في تبني أسلوب العلميات الاستشهادية
وعلى الرغم من أن التنظيمات الإسلامية الفلسطينية هي أول من بدأ أسلوب العمليات الاستشهادية في المقاومة فإن تنظيمات فلسطينية أخرى استخدمت هذا الأسلوب. ويمكن القول إن انضمام القوى العلمانية الفلسطينية يعد التطور الأبرز في المقاومة الفلسطينية في العام الثاني من عمر الانتفاضة، فحتى نهاية عام 2001 كانت حركتا الجهاد الإسلامي وحماس تقومان بالعمليات الاستشهادية (61% من منفذي العمليات الاستشهادية كانوا من أعضاء حماس والجهاد الإسلامي)، وقد انضمت إليهما في عام 2002 حركتا فتح بجناحها العسكري "كتائب شهداء الأقصى" والجبهة الشعبية للإسهام في تلك العمليات، حيت قامت "كتائب شهداء الأقصى" بعمليتين استشهاديتين وقامت الجبهة الشعبية بعمليه استشهادية واحدة.

ولم يقتصر تنفيذ العمليات الاستشهادية على فئة معينة من الشباب الفلسطيني إذ أسهم في تنفيذ تلك العلميات شباب من فئات مختلفة، وتشير دراسة بدهستور إلى أن من بين من نفذوا تلك العلميات 153 استشهاديا من الضفة الغربية و54 من غزة وستة من القدس الشرقية، واثنين من الأردن وواحد من فلسطينيي 48. وعن المستوى التعليمي لمنفذي العمليات توضح الدراسة أن 53 من منفذيها يحملون مؤهلا علميا عاليا و58 يحملون مؤهلا جامعيا و42 لم يلتحقوا بالتعليم الجامعي، في حين تفاوتت أعمار منفذي العمليات الاستشهادية فمنهم 103 شهداء من الفئة العمرية 17-23 سنة وثلاثة من الفئة العمرية من 30- 48 سنة.

كما لم تنحصر العمليات الاستشهادية على إسهام الذكور، ففي تطور جديد اتبعته القوى الفلسطينية قامت ثلاث فتيات فلسطينيات بتنفيذ عمليات عسكرية في العام الثاني للانتفاضة.

وتأتي العمليات الاستشهادية في المرتبة الأولى من بين كافة أشكال المقاومة من حيث إيقاعها بأكبر عدد من القتلى الإسرائيليين، ففي شهادة رئيس قسم العمليات بالجيش الإسرائيلي الجنرال إيلي أميتاي أمام لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست ذكر أنه على الرغم من أن عدد العمليات الاستشهادية آخذ في التقلص مقارنة مع العمليات الفدائية الأخرى فإنها أكثر وسيلة تودي بحياة الإسرائيليين من حيث العدد، فحسب الإحصاءات الإسرائيلية فإن العمليات الاستشهادية تشكل 6% من مجمل العمليات الفدائية، ومن أصل 630 قتيلا إسرائيليا سقطوا منذ بداية الانتفاضة الفلسطينية فإن 455 (75%) قتلوا من جراء العمليات الاستشهادية، كما أن 84% من الجرحى الإسرائيليين أصيبوا في تلك العمليات.


أكثر من 75% من القتلى الإسرائيليين منذ اندلاع انتفاضة الأقصى قتلوا من جراء العمليات الاستشهادية
على الرغم من الحملة الضارية التي شنها الجيش الإسرائيلي ضد المقاومة الفلسطينية بكافة قواها فإنها تمكنت من ضرب العمق الإسرائيلي بعمليات نوعية ناجحة. فالعمليات الاستشهادية كانت أكثر عددا في العام الثاني من عمر الانتفاضة رغم حالة الحصار التي ضربت على الأراضي الفلسطينية في أعقاب حملة السور الواقي مما أدى إلى إصابة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بالصدمة إذ اعتقدت بعد عملية "السور الواقي" واعتقالها عددا من القيادات الفلسطينية واغتيال عدد آخر أنها قد تمكنت من وقف العمليات الاستشهادية لأشهر طويلة قبل استئنافها من جديد، لكن ذلك لم يحدث، فقد تمكنت القوى الفلسطينية من ترميم بناها العسكرية بسرعة واستعادة عافيتها لتنفيذ المزيد من العمليات.

وزاد الأمور تعقيدا في وجه الإسرائيليين أن المقاومة وبعد كل الضربات الموجعة التي وجهت لها تمكنت من تطوير قدراتها العسكرية والانتقال إلى أهداف إسرائيلية جديدة لم يعتقد في يوم من الأيام أنها ستكون هدفا سهلا للقوى الفلسطينية.

عمليات المقاومة والنقلة النوعية
اختراق أماكن حساسة

في عملية هي الأولى من نوعها تمكنت المقاومة الفلسطينية في شهر مايو/أيار الماضي من تفجير إحدى شاحنات الغاز في أكبر مجمع للغاز في مدينة تل أبيب، لكن العملية لم تنجح إذ انفجرت الشاحنة عند مكاتب الإدارة. ورغم عدم نجاح العملية فإنها أثارت الرعب في الأوساط الأمنية الإسرائيلية بعد تمكن المقاومة من تفجير شاحنة كهذه في مكان يتمتع بحراسة مشددة. وحسب بعض التقارير فإن النجاح بتفجير مخازن الغاز كان سيتسبب في مقتل خمسة آلاف إسرائيلي على الأقل.

تطوير نوعي لسلاح المقاومة
كما شهد العام الثاني من عمر الانتفاضة الفلسطينية تمكن حركة حماس من تطوير صواريخ "القسام 2" ليصبح مداها عشرة كيلومترات وتصل إلى قلب الأراضي المحتلة عام 1948، وهي المرة الأولى التي تتمكن فيها المقاومة الفلسطينية وبسهولة من إلحاق الضرر بالمجال الحيوي الإسرائيلي وتهديد هذا المجال بهجمات موجعة ومؤثرة.

اقتحام المستوطنات
ولم يقتصر الأمر على إطلاق الصواريخ تجاه التجمعات الإسرائيلية، فقد أصبحت عمليات اقتحام المستوطنات الإسرائيلية أمرا عاديا لدى قوى المقاومة وتمكنت في عمليات الاقتحام التي نفذتها من إيقاع عدد لا باس به من القتلى وهو ما بات يهدد المستوطنين الإسرائيليين ليس فقط على الطرق المؤدية إلى المستوطنات بل في داخلها.

تقلص الخسائر الفلسطينية
وليس أدل على التطور النوعي الذي وصلت إليه المقاومة الفلسطينية من مقارنة أعداد الشهداء الفلسطينيين مع أعداد القتلى من الجانب الإسرائيلي، ففي الأشهر الستة الأولى من عمر الانتفاضة كانت معدل القتلى الفلسطينيين 5.1 مقابل قتيل إسرائيلي واحد، في حين بلغت تلك النسبة 7.1 في الجانب الفلسطيني مقابل قتيلين إسرائيليين وهو معدل لم تصل إليه تلك النسبة حتى في الحروب العربية الإسرائيلية

الميركافا.. التطور الأبرز
في إطار تطور علميات المقاومة في العام الثاني للانتفاضة، تمكنت المقاومة الفلسطينية من التقدم إلى الأمام بخطى واسعة في مواجهة الجيش الإسرائيلي، فقد تمكن الفدائيون الفلسطينيون من توجيه ضربة قوية إلى الآلة العسكرية الإسرائيلية بعد تمكنهم من تفجير عدد من دبابات الميركافا التي يصفها جيش الاحتلال بأنها "الأم التي لا تقهر".

ويعد تدمير دبابة الميركافا من أكثر عمليات المقاومة تأثيرا في الجيش الإسرائيلي بعد أن تأكد لجيش الاحتلال الإسرائيلي أن أول عملية تدمير للميركافا (وقعت في فبراير/ شباط 2002) لم يكن حدثا استثنائيا إذ تبعت عملية التدمير تلك ثلاث عمليات أخرى، الأمر الذي يؤكد حسب المراقبين أن قيادات المقاومة طورت كثيرا من أساليب قتالها خصوصا النوعي عن طريق دراسة نقاط الضعف والقوة وضرب العدو في أضعف نقاطه وأقواها في آن.

كما استفادت المقاومة الفلسطينية من أسلوب حزب الله اللبناني باعتمادها على الحرب النفسية فعمدت إلى تصوير عمليات تفجير دبابات الميركافا وقوافل الجيش الإسرائيلي وقصف المستعمرات، وهو ما أعاد إلى أذهان هيئة الأركان العسكرية الإسرائيلية أسلوب الحزب في هجماته ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي وأثرها النفسي السيئ في جنود الاحتلال والجمهور الإسرائيلي.

تأثير المقاومة في الداخل الفلسطيني

لم يقتصر تأثير المقاومة الفلسطينية على الجانب الإسرائيلي وحده إذ امتد ليشمل الجانب الفلسطيني أيضا، وكان لتنامي قوة المقاومة تأثير سلبي في السلطة الفلسطينية.

السلطة الفلسطينية
اعتقدت السلطة في بداية الانتفاضة أنها قادرة على استثمار الانتفاضة لتحقيق بعض المكاسب في مفاوضاتها مع الجانب الإسرائيلي، كما أنها رأت فيها فرصة لتحسين رصيدها في الشارع الفلسطيني بعد المشاركة الفعالة لحركة فتح العمود الفقري للسلطة في فعاليات الانتفاضة.

غير أن رياح التغيير التي أثارتها المقاومة لم تأت كما تشتهي السلطة، إذ لم تعد قادرة على ممارسة لعبة الازدواج في تعاملها مع الانتفاضة، فتارة تحاور الإسرائيليين وتنسق معهم أمنيا وتارة أخرى تمتشق البندقية لتصبح أكثر ثورية من التنظيمات الفلسطينية. فقد وجدت نفسها مطالبة من جانب الإسرائيليين والأميركيين في الوقت ذاته باستنكار العمليات الاستشهادية والمقاومة بشكل عام وهو ما تم مما أفقدها التفاف الشارع الفلسطيني الذي تمكنت من اكتسابه في بداية الانتفاضة وحصار رئيسها ياسر عرفات في رام الله.

وأدى تنامي المقاومة إلى تولد قناعة لدى الإسرائيليين والأميركيين بأن السلطة لم تعد قادرة على القيام بدورها في السيطرة على الشارع الفلسطيني، وبالتالي وجوب تغيير نهج التعامل معها، وهو ما دفع الجانبين الإسرائيلي والأميركي إلى المطالبة باستبدال ياسر عرفات وإحلال قيادة بديلة مكانه.


دفع تنامي شعبية الانتفاضة السلطة لتعديلات وزارية في محاولة للحفاظ على شرعيتها في الشارع الفلسطيني
ومع وقوع السلطة الفلسطينية بين ضغط المقاومة وتعنت الحكومة الإسرائيلية، أقدمت -في محاولة منها للحفاظ على مكاسبها التي حققتها منذ دخولها مناطق الحكم الذاتي في العام 1994- على إحداث تغييرات في بنيتها علها تتمكن من الخروج من عنق الزجاجة التي أدخلتها فيها المقاومة، فأحدثت تغييرا وزاريا شمل الأجهزة الأمنية، لكن تلك التغييرات لم تلق القبول من جانب الإسرائيليين وكذلك من الشعب الفلسطيني. وقد شكلت استقالة الحكومة الفلسطينية في شهر سبتمبر/ أيلول بعد المعارضة التي واجهتها في المجلس التشريعي دليلا قويا على ضعف السلطة وقيادتها وانخفاض أسهمها وسط الشارع الفلسطيني.

ولا تزال السلطة تقاوم محاولات تهميشها بعد عدم تمكنها من امتطاء أمواج الانتفاضة، ولا يعتقد أن الانتخابات القادمة في شهر يناير/ كانون الثاني ستمكن السلطة من الإبقاء على مكاسبها، فتجربة السلطة تشير إلى أنها ترضخ في النهاية لما تفرضه عليها ضرورات الواقع ومتطلبات المرحلة، وهو ما سيجعل ياسر عرفات يقدم على تعيين رئيسا للوزراء الأمر الذي سيؤدي إلى تقليص صلاحيات الرئيس بشكل واضح.

القوى الفلسطينية
امتد تأثير المقاومة ليشمل القوى الفلسطينية المحرك الأساسي للمقاومة، إذ إن العدوان الإسرائيلي وشراسته وانحياز الشعب الفلسطيني للمقاومة جعل كافة القوى الفلسطينية على مختلف توجهاتها الأيدولوجية والسياسية تدرك أن لا خيار أمامها سوى المقاومة وتفعيل العمل المقاوم.

كما أسهم انحياز الشعب الفلسطيني للمقاومة في تعزيز انحياز القوى الفلسطينية لخيار المقاومة، فآخر استطلاعات للرأي تظهر أن 48% من الشعب الفلسطيني مع المقاومة و68% مع العمليات الاستشهادية.

إضافة إلى ذلك أسهمت المقاومة في إحداث خلافات داخل بعض القوى الفلسطينية وأصبحت تهدد بإحداث انشقاق فيها، وتعد حركة فتح التي تعتبر العمود الفقري للسلطة وتنظيمها في الشارع الفلسطيني من أبرز الأدلة على ذلك. فبعد تنفيذ كتائب شهداء الأقصى عددا من العمليات الاستشهادية وشعور السلطة بالحرج من تنفيذ تنظيمها الذي يرأسه عرفات لتك العمليات صرح نبيل شعث وزير التخطيط والتعاون الدولي في السلطة وعضو اللجنة المركزية في الحركة أن كتائب شهداء الأقصى التي تقوم بهذه العمليات لا تمثل حركة فتح.

الشعب الفلسطيني
أسهم اشتداد حدة المقاومة للعدوان الإسرائيلي بالتأثير في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للشعب الفلسطيني الذي تعرض منذ بدء الانتفاضة قبل عامين لخسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات، ففي أحدث تقرير للأمم المتحدة ذكر التقرير أن قبضة إسرائيل الخانقة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ بداية الانتفاضة تسببت في إفلاس السلطة الفلسطينية وزادت من تهاوي الفلسطينيين في هوة الفقر.

وأشار التقرير الصادر عن منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) إلى أنه في الفترة من أكتوبر/ تشرين الأول 2000 إلى مارس/ آذار 2002 تكبد الاقتصاد الفلسطيني 40% من إنتاجه عام 1999 والذي يقدر بنحو 5.5 مليارات دولار.

ويعيش حوالي نصف الفلسطينيين دون خط الفقر (وهو دولاران للفرد يوميا) في حين قفزت معدلات البطالة من 10% من القوى العاملة في سبتمبر/ أيلول 2000 إلى حوالي 30% في يوليو/ تموز 2002.

كما تشير الإحصاءات إلى أن سلطات الاحتلال قامت بالضفة الغربية في الفترة من 29 سبتمبر/ أيلول 2000 إلى 13 أغسطس/ آب 2002 بتجريف 15 ألف دونم زراعي منها حوالي 11782 دونما أراض زراعية تشكل ما نسبته 84% من الأراضي الزراعية، ونحو 2218 دونما من الأراضي الحرجية، كما هدمت في الفترة ذاتها 680 منزلا منها 579 منزلا هدمت بشكل كامل.

أما في قطاع غزة فقد تم في الفترة ذاتها تجريف حوالي 15152 دونما منها 2218 أراض حرجية ورملية في حين تشكل الأراضي الزراعية التي تم تجريفها ما نسبته 1.9%، كما بلغ عدد المنازل التي تدم تدميرها 700 منزل منها 585 منزلا هدمت بشكل كامل.

معوقات تطور الانتفاضة إلى مقاومة شعبية


أدت مجموعة عوامل سياسية واقتصادية وإعلامية ونفسية إلى منع تحول الانتفاضة إلى مقاومة شعبية
رغم انخراط الشعب الفلسطيني بكافة فئاته العمرية في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ومعاناة كافة أفراده من الإجراءات الإسرائيلية ونسب التأييد المرتفعة في أوساطه للمقاومة، فإن الشعب الفلسطيني لم يتمكن من خلق مجتمع مقاوم يتبنى المقاومة أسلوبا وحيدا لمواجهة الكيان الإسرائيلي واعتبار المقاومة المسلحة الأسلوب الأمثل للمواجهة والتخلص من الاحتلال عوضا عن اعتبارها نوعا من رد الفعل تجاه ما يتعرض له من قتل وتنكيل في الانتفاضة، ويرجع ذلك إلى عدد من العوامل:

  • إبراز السلطة الفلسطينية للعمليات العسكرية على أنها من أهم أسباب العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، وأنه لولا المقاومة وعملياتها العسكرية المختلفة لتم التوصل إلى حل سياسي يوقف شلال الدم الفلسطيني.
  • تصوير العمليات الاستشهادية على أنها السبب في إضعاف التعاطف الدولي مع الانتفاضة الفلسطينية الذي حققته في انطلاقتها وحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.
  • التأثير الكبير لمواقف القوى الفلسطينية في توجه الشارع الفلسطيني، فعلى الرغم من توجه الفصائل الفلسطينية إلى العمل العسكري فإن تلك الفصائل لم تتمكن من توحيد موقفها تجاه المدى الزمني الذي ستستمر فيه في انتهاج أسلوب العمل المقاوم.
  • صعوبة الظروف المعيشية التي يمر بها الشعب الفلسطيني والخسائر الفادحة في الأرواح والممتلكات، الأمر الذي يدفع الشعب الفلسطيني إلى التفكير مليا في تقديم مزيد من التنازلات التي لن تؤتي ثمارها بشكل سريع وواضح.
  • عدم وجود اقتصاد فلسطيني مقاوم ينطلق من الاعتماد على الذات ولا يعتمد على الاقتصاد الإسرائيلي، فالصراع مع الكيان الإسرائيلي صراع طويل ولا يمكن التخلص من الاحتلال في فترة وجيزة، وهو ما يتطلب من الشعب الفلسطيني إحداث تغيير في بنيته الاقتصادية يخفف من حدة الأزمات الاقتصادية الخانقة التي قد يمر بها الشعب الفلسطيني مثلما هو سائد الآن.
  • شعور الشعب الفلسطيني بأنه يقف وحيدا في المواجهة مع الكيان الإسرائيلي وأن المحاولات العربية للتدخل في وقف ما يتعرض له الشعب الفلسطيني إنما ترمي إلى الالتفاف على ما يحققه من مكاسب.

العمليات الاستشهادية.. الجدل المستمر

منذ اعتماد العمليات الاستشهادية من قبل حركات المقاومة الإسلامية للرد على السياسة الأمنية الإسرائيلية بقتل المدنيين الفلسطينيين واغتيال قادة تلك التنظيمات بدأ الجدل إزاء هذه العمليات يتزايد خصوصا بعد التنديد الدولي بتلك العمليات وعقد مؤتمر دولي في شرم الشيخ في عام 1996 لبحث السبل القاضية بوقف تلك العمليات التي أصبحت السلاح الأبرز لقوى المقاومة الفلسطينية.

ومن أبرز ما يطرحه معارضو تلك العلميات أنها تُخسر القضية الفلسطينية التعاطف الدولي معها وتدفع جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى توسيع عدوانه على الشعب الفلسطيني والتنكيل به، كما يرون أن هذا الشكل من العمل النضالي لا يخدم الأهداف الوطنية الفلسطينية في المرحلة الراهنة، إضافة إلى ذلك فإنهم يرون أن قضية عادلة مثل القضية الفلسطينية يجب أن لا تستهدف المدنيين بصورة مباشرة وأن على الشعب الفلسطيني أن يتفوق في الصراع مع الكيان الإسرائيلي بنبل الأساليب المتبعة.

على الجانب الآخر يرى مؤيدو العمليات الاستشهادية أن ما يجري في فلسطين ليس حربا بين أشخاص هنا وأشخاص هناك وإنما حرب بين نظرية الأمن الفلسطيني الذي يريد الكيان الإسرائيلي أن يسقطه حتى لا يبقى للفلسطيني أي أمن في أي موقع من مواقعه وبين نظرية الأمن الإسرائيلي الذي يشكل حجر الزاوية في السياسة الإسرائيلية، وعليه فإن الفلسطينيين الذين لا يملكون السلاح الكافي لمواجهة آلة الحرب الإسرائيلية لا يملكون إلا العمليات الاستشهادية لإصابة الأمن الإسرائيلي في مقتل.
ويرون أن العمليات الاستشهادية حققت حالة من توازن الفاعلية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بحيث امتلك الشعب الفلسطيني وللمرة الأولى القدرة على التأثير في العمق الإسرائيلي بما يوازي قدرة إسرائيل على التأثير في الشعب الفلسطيني.

كما أنه لا يوجد فرق بين الجندي الذي يذهب إلى المعركة ليقاتل وهو يعرف أنه قد يموت بيد العدو وبين من يقوم بتحويل نفسه لقنبلة ذكية، وهو ما يزيل الفرق بين الجندي الذي يقاتل بالطريقة العادية وبين الاستشهادي لأن كليهما ينطلق عبر محاولة تحقيق الهدف الذي يؤمن به.

إضافة إلى ذلك فهم يرون أن الجانب الإسرائيلي لا يتجاوب مع مبادرات القوى الفلسطينية ويتمادى في قتل المدنيين الفلسطينيين، فعلى الرغم من أن فصائل المقاومة قد أبدت استعدادها في شهر يونيو/حزيران الماضي إلى وقف العمليات الاستشهادية إذا وضع الكيان الإسرائيلي حدا لجميع الإجراءات التي اتخذها أثناء الانتفاضة ووقف قتل المدنيين الفلسطينيين، كان الرد الإسرائيلي على ذلك العرض القيام بمذبحة غزة التي راح ضحيتها 15 فلسطينيا من بينهم قائد الجناح العسكري لحركة حماس صلاح شحادة.

مهما يكن الجدل المثار حول المقاومة الفلسطينية والجدوى منها فإنه لا يحق لأي كان أن يطلب من الشعب الفلسطيني تناسي التجربة الإنسانية العميقة التي عاشها ولا يزال خلال عامين من عمر الانتفاضة الفلسطينية.
_______________
كاتب فلسطيني