الشرطة الإسبانية أثناء القبض على عدد من المهاجرين المغاربة
 
 
اسمه عبدالصادق لكن أقرانه ينادونه بعبد الصديق. لم يتجاوز منتصف العقد الثاني. لكنه كان يستشعر الأعباء التي تراكمت عليه دفعة واحدة. كانت سيرته طيبة وسط أهله وأقرانه لكنه كلما تأمل وضعه انتابته موجة الكآبة, لأنه يعرف أنه واحد من أولائك الشباب المغاربة الذين وجدوا أنفسهم في غفلة من الزمن في وضعية استثنائية.

لم يجد لنفسه موقعا في عالم التحصيل والمعرفة, غادر كراسي الدراسة وهو يعتقد في قرارة نفسه أن سيجد موقعا آمنا في سوق العمل. لكن لاشيء من ذلك تحقق.

"
حينما بدأت الرحلة شملنا خوف لا يوصف, منا من شرع يتلو القرآن ومنا من خلد إلى الصمت من هول ما يرى، سكون يهز الكون ويرعب القلوب، أنا كنت خائف ومرتعش, ولكن لا مكان للخوف الآن والأعمار بيد الخالق
"
تفتحت أمامه فكرة الهجرة الى أوربا بشكل لم يتوقعه. كان يعي صعوبة تحقيق هذا الحلم الأوروبي لكنه بدأ يشعر أنه مقبل على أمر جلل.

هكذا بدأ شهادته قائلا "لم تكن إسبانيا تمثل بالنسبة لي حلما لحل معضلة البطالة التي أعيش شبحها منذ أكثر من عام فقط بل كانت حقيقة أراها منذ بدأت تراودني فكرة الهجرة. التجارب الناجحة لزملائي في الحي كانت تستفزني. الكثير منهم وصل إلى البر الغربي لأسبانيا, وشرع في العمل بل منهم من شرع في إرسال أموال وفيرة لأسرته.

تلكم كانت هواجسه الكبرى: أن يصل إلى البر الغربي ويشرع في العمل, لم يدر بخلده نوعية العمل والمهام التي سيقوم بها. كل ما كان يسعى إليه هو إيجاد المال بأي وسيلة. والعمل بجهد طوال العام حتى يتمكن من العودة في الصيف وقد حقق بعضا من أحلامه. لم يكن يقبل أن يحقق أقرانه ما أرادوا ويبقى هو على الهامش ولذا ظل يتحين الفرصة إلى أن جاءت في الوقت المناسب.

نداء المجهول
لم أعرف كيف تم التوسط بيني وبين المسؤول عن عمليات التهريب. لكن  في لحظة ما وجدت نفسي في الطريق إلى مدينة العيون الجنوبية هناك التقيت مع 13من الشباب الذين لم التق بهم في السابق. كانت تجمعنا فكرة واحدة هي الوصول إلى الديار الإسبانية, وبالضبط "جزيرة لانساروتي".

كان الجو كئيبا مشحونا بالتساؤلات والخوف من المجهول: متى ستكون الانطلاقة؟ وهل سنصل إلى بر الأمان؟ ومن هذا ومن ذاك؟.

قضينا اليوم الأول على الشاطئ في منطقة نائية بعيدة عن أعين الأمن. لم نتناول خلاله إلا بعضا من الماء والجبن حتى المساء. جاء أناس عرفت فيما بعد أنهم المسؤولون عن الرحلة: الريس وأعوانه.

حدد موعد الانطلاق في فجر الغد. تراجع بعض الشبان وعادوا أدراجهم الى العيون وبقينا ننتظر ساعة الحسم التي تأخرت كثيرا وفهمت فيما بعد أن الوجهة لم تعد "جزيرة لانساروتي" وإنما "جزيرة فوينتي بانتورا" لأنها أقرب الجزر والحراسة الإسبانية فيها تكون متساهلة وفرص العمل فيها قليلة.

في اليوم التالي عاد الريس وأعوانه على سيارة "لاندروفر" حاملا معه 12 فردا آخر. وجوه جديدة من كل أنحاء المغرب. وقيل لنا إن الرحلة الموعودة ستكون بعد العشاء مباشرة. كل يجمع أمتعته الشخصية. وبقينا ننتظر. لكن الريس وأعوانه كانوا يتدارسون الأمر لوحدهم. في الليلة الثالثة, وبعدما بدأ اليأس يتسرب إلينا. طلبوا منا فجأة أن نستعد للانطلاقة, وكانت الانطلاقة بعد منتصف الليل.

أدينا ثمن الرحلة 4500 درهم للفرد الواحد, لنجد أنفسنا فوق الماء على متن قارب صغير لا يسعنا جميعا, كنا مكدسين كالسردين المعلب. لكن من أجل الوصول إلى البر الآخر كنا مستعدين لهذا وأكثر.

بدأت معالم صعوبة الرحلة تتضح, خوف لا يوصف, منا من شرع يتلو القرآن ومنا من خلد إلى الصمت من هول ما يرى، سكون يهز الكون ويرعب القلوب. أنا كنت من الفئة الصامتة, لأني كنت أجهل كل شيء عن البحر. خائف ومرتعش, ولكن لا مكان للخوف الآن والأعمار بيد الخالق.

"
كنا ثلاثة شبان جمعتنا الأقدار ووحدة الهدف. مشينا سبعة كيلومترات على الأقدام وواصلنا المسير إلى أن اقتربنا من المدينة التي سنبحر منها، وقضينا الليل وكل واحد منا يتضور جوعا
"
القارب يشق طريقه بصعوبة وسط الأمواج المتلاطمة, التفت يمنة ويسرة, لم أجد غير الماء وصوت المياه التي تقذف بنا. بدت لي اليابسة بعيدة جدا, وبصعوبة فائقة المح بقايا ضوء من بعيد. ظل حالنا هكذا طوال الليل. والكل بدا يتقيأ من دوار البحر. والريس يصرخ فينا بغلظة ويأمرنا بأن نحافظ على التوازن الدائم للقارب. وأحيانا أخرى كان يأمرنا بأن نفرغ مياه البحر الموجودة في القارب.

لم أجد في هذه اللحظات غير الصمت وتنفيذ أوامر الريس. لحظات عصيبة, كنت أخال فيها أنني أقرب إلى الموت منه إلى الحياة, ثلاثون ساعة قضيناها على هذا الحال, وفي المرات القليلة التي يصفو فيها الجو نقتات ببعض الماء. خارت قوانا واستسلمنا لمصيرنا المحتوم وحنكة الريس. أشار أحدنا إلى وجود أشياء تلمع من بعيد. تبسم الريس وأخبرنا أنها بداية الوصول إلى الديار الإسبانية, حينها شرع الريس في رمي شباك الصيد للتمويه. رمى الشبكة وشرع يحركها يمينا وشمالا, بعدما اختار أحدنا ليساعده وأمر البقية بأن تختفي في عمق القارب حتى لا ترصدنا أجهزة خفر السواحل الإسبانية.

بقينا على هذا الحال ونحن ننتظر إشارة الريس حتى المساء. أحسسنا بالقارب يرتطم بشيء صلب رفعنا رؤوسنا وأيقنا أننا وصلنا اليابسة. تنفست الصعداء وحمدت الله على النجاة. واستعدت كامل حيويتي وقلت في نفسي "هي ذي البداية في الديار الإسبانية وكل يسير إلى ما قد قدر له".

في قبضة الشرطة الإسبانية
كل واحد من الفتية هرع حاملا أمتعته القليلة باتجاه البر، حينها تكلم الريس بعبارة لن أنساها ما حييت قال: المسامحة يا أولاد البلد, والله يكون في عونكم". كل واحد اختار وجهته وتفرقت بنا السبل.

كنا ثلاثة شبان جمعتنا الأقدار ووحدة الهدف. مشينا سبعة كيلومترات على الأقدام باتجاه منطقة هي عبارة عن بقايا مدينة قرأت اسمها على بقايا لوحة قديمة: Ortega. واصلنا المسير إلى أن اقتربنا من المدينة. وقضينا الليل وكل واحد منا يتضور جوعا. وفي الصباح تسلل أحدنا إلى أحد الأسواق ليأتينا بشيء نأكله. تذكرت أن آخر وجبة لي كانت ليلة أول أمس.

وبعد قليل جاءنا بأرغفة صغيرة بها لحم خنزير وكوب من اللبن. أتينا على الخبز واللبن ثم رمينا باللحم.

ازداد جوعنا خلال ما تبقى من النهار وحينها قررنا المغامرة والدخول إلى المدينة "فويبنتي بانتورا" من أجل أن نقتات بأي شيء ولو كان قليلا, وكان ذلك هو الخطأ الأكبر.

ترصدتنا أعين الشرطة الإسبانية وحاصروا مكان تواجدنا. حاولنا الفرار عبر زقاق طويل لكن الوقت كان قد فات.

Tranquillo كانت أول كلمة اسمعها بالإسبانية, سألنا عن جواز السفر وبطاقة الهوية. وكنا قد تخلصنا منها قبل امتطاء القارب. قبض علينا. وبعد التحقيق وأخذ المعطيات اللازمة قال المحقق وكان من أصل مغربي: حكومتكم لا تريدكم, وإسبانيا ليست في حاجة إلى خدماتكم" أخذونا إلى السجن, وكان عبارة عن مطار قديم, منحونا سريرا وحقيبة صغيرة بها منشفة ومشط ومعدات الحلاقة وفرشاة أسنان.

بدت أيام السجن الإسباني رتيبة, لكنها كانت أهون من قضاء اليوم في بيت الأهل بدون عمل. حاولت الفرار بكل الطرق لأنني كنت أرفض العودة فاشلا. كلمة الفشل كانت تعتصرني. لكن دون جدوى أو ربما هو قدري وعلي تحمله كما كتب لي.

"
ما كان يحز في نفسي أكثر هو أن الشرطة الإسبانية كانت تعامل المهاجرين من أصل أفريقي بطريقة خاصة. ومنحت الكثير منهم رخصة مؤقتة للعيش في الجزيرة عكس المغاربة الذين كانت تتعامل معهم بغلظة واحتقار

"
مع توالي الأيام  بدأت أتأقلم مع جو السجن. هناك تعرفت على الكثير من المهاجرين غير الشرعيين. مغاربة وأفارقة وكان المهاجرون من دولة غينيا ألطفهم. كل يوم كانت أفواج جديدة من المهاجرين غير الشرعيين تلتحق بنا. وأفواج أخرى تغادر.

ما كان يحز في نفسي أكثر هو أن الشرطة الإسبانية كانت تعامل المهاجرين من أصل أفريقي بطريقة خاصة. ومنحت الكثير منهم رخصة مؤقتة للعيش في الجزيرة عكس المغاربة الذين كانت تتعامل معهم بغلظة واحتقار. انتقلت إلى مرحلة جديدة نسجت فيها علاقات جديدة مع حراس السجن, واختاروني لكي أقوم بتوزيع الوجبات على بقية المهاجرين غير الشرعيين, مما خول لي أخذ حصة إضافية.

ولأن جو السجن قاتم وهواجس الترحيل تطاردني يوميا, فقد شرعت في عملية بيع وشراء السجائر ومقايضة البزيتا الإسبانية بالدرهم المغربي إلى أن جاء يوم أسود أخبرني فيه أحد الحراس بأنه تقرر أن يتم ترحيلي مع خمسة شباب آخرين إلى المغرب.

أخذونا على متن سيارة عسكرية وطوال المسير كنت أمنح لبصري فرصة مشاهدة الأرض والناس عبر النافدة, ولعلي كنت بصدد إلقاء النظرة الأخيرة على جزيرة وددت خالصا لو وجدت فيها بيتا آمنا وفرصة عمل حقيقية. وبعد رحلة جوية وجدت نفسي على الحدود الشمالية مع مدينة سبتة. عدت إلى أهلي بعدما قضيت في إسبانيا 40 يوما في ضيافة الشرطة وفي داخلي نداء آخر إلى معانقة تجربة جديدة.
____________
صحفي في مكتب الجزيرة بالمغرب