*إعداد: شفيق شقير

يمتاز النظام التركي بتحفزه واستعداده الدائم لمواجهة أعداء العلمانية، مع الحرص على توكيد الروح القومية التركية بوصفه مكونا أساسيا ينسخ المعاني الدينية التي جاءت بها السلطنة العثمانية، فشحنت مواده بروح عدائية لكل ما يمت لتلك الحقبة بصلة، مما أوقع تركيا في أزمة هوية ما زالت مثار جدل لدى الأتراك وغيرهم.

الدستور في العهد العثماني


"قانون أساس" أول دستور عثماني في عهد السلطان عبد الحميد الثاني ونص على إنشاء مجلسين للنواب والشيوخ

كان النظام العثماني يقوم على أساس السلطنة، وكانت صلاحيات السلطان العثماني مطلقة ولكنها في الوقت نفسه منضبطة بأحكام الإسلام بشكل عام إذ إن الدولة يومذاك كانت تستمد شرعية وجودها وقوة سلطانها على الشعوب التي تحكمها من دين الإسلام. وفي بعض مراحل ضعف السلطنة وأمام تعاظم الدور الأوروبي السياسي والحضاري كانت تنطلق محاولات للتحديث يرجع مؤرخون أتراك بدايتها إلى السلطان سليم الثالث (1789-1807) وتمتد مراحلها إلى عهد السلطان محمود الثاني (1808-1839)، ولكنها لم تلامس جوهر النظام.

وبقي هاجس الإصلاح السياسي والقانوني ولا سيما الدستوري منها ملازماً للدولة العثمانية، ولعل محاولة وزير خارجية الدولة العثمانية رشيد باشا في عام 1839 إدخال أحكام دستورية في نظام الدولة في عهد السلطان عبد المجيد الأول (1839-1861) هي أول محاولة جادة في هذا الاتجاه، ولكن لم تلق طريقها للنجاح.
وفي عهد السلطان عبد العزيز (1861-1876) قام مدحت باشا -وكان وزيراً للعدل- باقتراح دستور على السلطان، فما كان من الأخير إلا أن أمر بعزله فوراً من الوزارة.

وتولى مدحت باشا الصدارة العظمى (رئاسة الوزراء) في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909)، فعهد إليه السلطان تأليف لجنة لإعداد دستور للبلاد، فكان أن أعدته اللجنة ونشرته تحت اسم "قانون أساس" في 23 ديسمبر/ كانون الأول 1876، وضم الدستور الجديد الذي تأثر واضعوه بالدستور البلجيكي والروسي 12 قسماً و119 مادة، وأصبح دستوراً رسمياً للدولة ونص على أن الإسلام دين الدولة وعلى إنشاء مجلسين للنواب والشيوخ وأناط وضع الميزانية بمجلس النواب وأقام الحكم في الولايات على أساس اللامركزية. وبعد 11 شهراً من الحياة النيابية أوقف عبد الحميد العمل بالدستور، واستمر هذا التوقيف 30 عاماً إلى أن أصدر السلطان عبد الحميد الثاني مجدداً قراراً في 23 يوليو/تموز 1908 بإعادة العمل به.

وبعد سقوط الخلافة العثمانية اختارت تركيا دستوراً مدنيا مستوحى من الدستور السويسري بدلاً من الدستور العثماني، وذلك في نوفمبر/ تشرين الثاني 1922، وبعد إعلان الجمهورية في 29 أكتوبر/ تشرين الأول 1923 وانتخاب مصطفى كمال أتاتورك رئيساً لهذه الجمهورية الناشئة وإعلان إلغاء نظام الخلافة وفصل الدين عن الدولة في 3 مارس/آذار 1924 بدأ تحول جذري في الحياة السياسية التركية وفي الدستور التركي لتأخذ تركيا العلمانية موقعها الجديد في العالم.

دستور الجمهورية التركية


مقدمة الدستور تنعت مصطفى كمال أتاتورك بالبطل الخالد تأكيداً لاتجاه تركيا العلماني

إن كل التعديلات الدستورية التي تلت قيام الجمهورية التركية كانت تهدف إلى الانعتاق من مؤثرات المرحلة العثمانية وتكريس النظام العلماني، وذلك ابتداء من دستور 1924 الذي كرس حكم الحزب الواحد لمدة عقدين من الزمن حكم فيها حزب أتاتورك "حزب الشعب الجمهوري" إلى أن تأسس الحزب الديمقراطي وحكم مرات متتالية، ثم انتهى أمره بانقلاب عسكري في 27 مايو/أيار 1961 حكم فيه على رئيس الجمهورية جلال بايار ورئيس الحكومة عدنان مندرس ورئيس المجلس النيابي رفيق كولتان بالإعدام بعد أن اتهموا بأسلمة الدولة وتهديد مبادئ أتاتورك ونظامه اللاديني.

ورغم أن دستور 1982 -وهو النافذ حتى الآن- قد فتح الباب أمام التعددية الحزبية وأطلق حرية التعبير، فإن الاتهامات القائمة على أساس الإساءة للمبادئ الكمالية والنظام العلماني لا تزال قائمة ولها سند في الدستور التركي أي دستور عام 1982 والذي تجدر الإشارة إلى أنه وضع إبان حكم عسكري جاء به انقلاب سبتمبر/ أيلول 1980.

فمقدمة الدستور تنعت مصطفى كمال أتاتورك بالبطل الخالد تأكيداً للاتجاه العلماني الذي خطه للبلاد واعترافاً بدوره الأساسي في إخراج تركيا من نظام الخلافة إلى نظام الجمهورية، وتقرر المادة الثانية من الجزء الأول من الدستور بوضوح أن تركيا جمهورية علمانية تدين بالولاء للقومية الأتاتوركية. وعلى هذا الأساس تم حل حزب الرفاه وحُظر العمل السياسي على رئيسه نجم الدين أربكان مدة خمس سنوات، ومن بعده حزب الفضيلة الذي حل بدوره لينتهي به الأمر مقسماً إلى حزبين حزب السعادة، وحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الطيب أردوغان والذي حوكم أيضاً على خطاب ألقاه في تجمع سياسي.

وفي شق آخر وإمعاناً في سياسة التتريك يذهب الدستور إلى وحدة الأمة التركية وأن التركية لغة البلاد ويتجاهل اللغات والمجموعات الأخرى التي تتمتع بالعراقة والقدم في البلاد ولا سيما الكردية، ويحظر الدستور أي استخدام رسمي للغات المحظورة في إشارة إلى اللغة الكردية، لكن البرلمان التركي وفي محاولة للاقتراب من المعايير الأوروبية أقر في أغسطس/آب 2002 مشروعاً يسمح ببث البرامج بمختلف اللغات واللهجات التي يتداولها المواطنون الأتراك في حياتهم اليومية، كما أقر في تصويت أولي مشروع قانون عن التعليم باللغة الكردية في المدارس الخاصة.

المؤسسات الدستورية
ينص الدستور التركي على مجموعة من الأجهزة التي تسير النظام التركي، وتتوزع على السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية وملحقاتها.

الجمعية الوطنية


يمنع من الترشح للبرلمان كل من حكم عليه بالسجن بما مجموعه سنة واحدة

وتتمثل السلطة التشريعية بالجمعية الوطنية، ويبلغ عدد أعضائها 550 عضواً ينتخبون كل خمس سنوات باقتراع نسبي، ويحق للنائب الترشح لأكثر من دورة، وتنعقد الانتخابات قبل موعدها وفي غضون ثلاثة أشهر إذا شغر 5% من مقاعد البرلمان، وكذلك إذا فشل البرلمان في تشكيل حكومة في غضون 45 يوماً فيدعو رئيس الجمهورية بالتشاور مع رئيس البرلمان لانتخابات مبكرة.

وقد يتأخر إجراء الانتخابات إلى ما بعد الموعد المقرر بسبب الحرب على أن لا يتجاوز السنة، وتؤجل أكثر من مرة إذا لم تزل الأسباب الموجبة للتأجيل أو التأخير. والمفترض في كل حزب يدخل البرلمان أن يحصل على 10% على الأقل من أصوات الناخبين، ويشترط في المرشح أن يبلغ الثلاثين من عمره، ويمنع من الترشح للانتخابات كل من لم يحز الشهادة الابتدائية أو جُرّد من أهليته القانونية أو لم يؤد الخدمة العسكرية أو جُرّد من حقوقه المدنية أو حكم عليه بالسجن بما يعادل سنة واحدة مع استثناء المسجون لفعل غير متعمد، ويمنع أيضا كل من سجن لأسباب مشينة مثل الاختلاس والفساد والرشوة.. وكل من تورط في نشاطات فوضوية وأيدولوجية أو حث عليها ولو حصل على عفو. ويمنع من الترشح أيضا أصحاب بعض الوظائف الرسمية وكل من يعمل في القوات المسلحة.

رئاسة الجمهورية
يُنتخب رئيس الجمهورية كل سبع سنوات بأغلبية الثلثين من الجمعية الوطنية ومن بين أعضائها، ويشترط أن يكون فوق الأربعين من عمره، وحاصلا على شهادة جامعية، وإذا كان من خارج أعضاء الجمعية الوطنية فإضافة إلى الشروط السابقة يجب أن يتصف بمؤهلات الترشح للجمعية الوطنية على أن يقدم اقتراح ترشيحه خُمس أعضاء البرلمان.

ويمنع الدستور رئيس الجمهورية من الترشح مرة ثانية، ويوجب على الرئيس المنتخب أثناء ولايته أن يقطع علاقته مع حزبه إذا كان عضواً في حزب، وأن يوقف عضويته في البرلمان. وأعطاه الدستور حق دعوة الجمعية الوطنية للاجتماع إذا دعت الحاجة، وكذلك له أن يدعو الحكومة للاجتماع وأن يرأس جلساتها، ودعوة مجلس الأمن القومي للاجتماع وأن يرأس جلساته، ومن صلاحياته تعيين رئيس الأركان، وهو أيضاً المرجع لإعلان القوانين والمراسيم أو فرض القوانين العسكرية أو قانون الطوارئ. وله حق إعادة القوانين للبرلمان كي يعيد النظر فيها، وإذا أعادها البرلمان مجدداً فإن الرئيس ملزم بها ولو لم يغير البرلمان فيها شيئا.

رئاسة الوزراء
ورئيس الوزراء يعينه رئيس الجمهورية من بين الفائزين في الانتخابات التشريعية، ويختار رئيس الحكومة حكومته بالتشاور مع رئيس الجمهورية وبتصديق الجمعية الوطنية على أعضائها، ويقال الوزراء من قبل رئيس الجمهورية باقتراح من رئيس الحكومة إذا وجد ضرورة لذلك.

المحكمة الدستورية
وتحظى بأهمية خاصة ولأحكامها تأثير بالغ في الحياة السياسية، فهي التي أقصت حزب الرفاه ومن بعده الفضيلة بتهمة تهديد النظام العلماني للبلاد بناء على القوانين التركية الصارمة والتي لم يتورع القاضي سامي سلجوق أن يدعو لتعديلها، بل دعا لإلغاء دستور عام 1982 ووصفه بأنه لا يعدو أن يكون تقريراً مكتوباً من قبل الشرطة لتعذيب المواطنين.

والمحكمة الدستورية هي الهيئة القضائية الأعلى في البلاد، ومكلفة حماية الدستور والدفاع عنه. وظهرت هذه المحكمة في عام 1961 للتأكد من عدم مخالفة القوانين التي تسنها الحكومة لمواد الدستور، وأعيد تشكيلها في عام 1982.
وبحسب دستور 1982 تتألف المحكمة من 11 عضوا منتظماً وأربعة أعضاء غير منتظمين يختارهم رئيس الجمهورية من الجهاز القضائي المدني والعسكري التركي، وتعتبر أحكامها نهائية.

مجلس الأمن القومي


الحفاظ على العلمانية وإثارة الخوف من يقظة التاريخ الإسلامي التركي للإمبراطورية العثمانية تشكل أهم المبررات لتدخل الجيش في السياسة

وأكثر النقاط المثيرة للجدل في الدستور التركي هو موقع المؤسسة العسكرية التي نصبت نفسها للدفاع عن المبادئ العلمانية منذ عهد الرئيس أتاتورك وحتى اليوم، والتي لم تتورع عن التدخل بشكل غير مباشر في ممارسة الضغوط على المؤسسات المدنية أو بشكل مباشر عبر الانقلابات العسكرية إذا دعا الأمر، وحفظت لنفسها دوراً رقابياً وتنفيذياً في الحياة السياسية عبر مجلس الأمن القومي التركي.

وقد أنشئ مجلس الأمن القومي التركي ليوفر للجيش قناة قانونية تعطيه صلاحية التدخل في الشأن السياسي، ويتألف هذا المجلس من رئيس الأركان والقادة الأربعة: الجيش والبحرية والجوية وقائد الجندرما إلى جانب رئيس الوزراء ووزير الدفاع والخارجية والداخلية. وينعقد المجلس برئاسة رئيس الجمهورية الذي يعد برنامج الاجتماع ويأخذ بعين الاعتبار اقتراحات رئيس الوزراء ورئيس الأركان. وأجاز الدستور دعوة الوزراء أو غيرهم إلى الاجتماع لسماع آرائهم إذا دعت الحاجة. ووظيفة المجلس أن يقدم قراراته لمجلس الوزراء الذي يعطي بدوره هذه القرارات الأولوية والتي من المفترض أنها تتعلق بأمن ووحدة تركيا وسلامة أراضيها.

ويمارس هذا المجلس نفوذاً واسعا في الحياة السياسية أشبه بحكومة ظل، وهو ما لا ينكره أحد من الأطراف السياسية وإن اختلفوا في توصيفه، ويدرك الساسة الأتراك تماما أن المجلس بصيغته الحالية التي تعطي للجيش فرصة التدخل في الحياة السياسية يشكل عائقاً أمام دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما قاله الاتحاد الأوروبي عام 2000 صراحة حتى إن الجيش التركي أصبح متهماً من بعض الأطراف الخارجية والداخلية بأنه لا يريد لتركيا أن تلتحق بالاتحاد الأوروبي كي لا يخسر نفوذه السياسي وهو ما نفاه الجيش بشكل قاطع وربط دوره بأمن تركيا ورفاهيتها.

والواقع أن الحفاظ على العلمانية وإثارة الخوف من يقظة التاريخ الإسلامي التركي للإمبراطورية العثمانية تشكل أهم المبررات التي تتذرع بها المؤسسة العسكرية لإبقاء الوضع على ما هو عليه، وهذا ما دفع مسعود يلماظ الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء وكان مسؤولاً عن الملف التركي في الاتحاد الأوروبي إلى أن يقول "إن وضع الجيش التركي مختلف إلى حد بعيد عن الجيوش في الدول الأوروبية، وإن عملية تغيير وضع ودور الجيش التركي في الحياة السياسية سيستغرق وقتًا إذ لا يمكن أن تتم بين عشية وضحاها".
ـــــــــــــــــ
* قسم البحوث والدراسات-الجزيرة نت
أهم المصادر:
1- الدستور التركي
2- الدولة العثمانية، علي محمد الصلابي، دار البيارق، الطبعة الأولى 1999.