بقلم/ أحمد السيد النجار

إن آثار انتتفاضة الأقصى على الاقتصاد الإسرائيلي كبيرة بارزة، حيث أدخلته بالفعل في أزمة اقتصادية خانقة هي الأثقل وطأة منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948 وحتى الآن.

وظهر ذلك جليا على المؤشرات المعبرة عن أداء هذا الاقتصاد منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية وحتى الآن، وهو ما أثار أيضا التساؤلات بشأن قدرة إسرائيل على تجاوز خسائرها الاقتصادية.

دور المساعدات الخارجية
بداية تمتلك إسرائيل واحدا من أكبر اقتصادات المنطقة في الوقت الراهن من زاوية الحجم، فضلا عن أنه الأكثر تقدما في المنطقة. وقد أقامت هذا الاقتصاد من خلال المساعدات الخارجية الهائلة التي تلقتها من الولايات المتحدة ومن يهود العالم ومن التعويضات الألمانية التي بلغ مجموعها حتى العام 2003، وقبل حصول إسرائيل على القروض المضمونة من الحكومة الأميركية بقيمة تسعة مليارات دولار، نحو 187 مليارا.

ويشمل هذا الرقم 97.6 مليار دولار مساعدات حكومية أميركية، ونحو 66 مليارا تعويضات ألمانية، والباقي عبارة عن تبرعات من يهود العالم ومن بعض الشركات التي يملكها المعنيون باستمرار إسرائيل وتفوقها حتى ولو كانوا من غير اليهود.

وهذه المساعدات ترتفع بالطبع إلى 196 مليار دولار باحتساب القروض المضمونة من الحكومة الأميركية التي تمت الموافقة على تقديمها لإسرائيل مؤخرا، كما ترتفع قيمة المساعدات الحكومية الأميركية التي قدمت إليها إلى 106.6 مليارات.

لكن إسرائيل، وأيا كانت مواردها المالية، أصبحت في النهاية تملك اقتصادا صناعيا متقدما، لا تملك أي دولة عربية نظيرا له في الوقت الراهن.

وتشير أحدث البيانات المعدلة لصندوق النقد الدولي والصادرة في أبريل/ نيسان 2003 (IMF, World Economic Outlook, April 2003) إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي قد تمكن من تحقيق معدل نمو حقيقي للناتج المحلي الإجمالي، بلغ 7.4% عام 2000.

بداية التراجع
كان ذلك النمو المرتفع قد تحقق في الأشهر التسعة الأولى من العام المذكور قبل انفجار الانتفاضة الفلسطينية التي أدخلت الاقتصاد الإسرائيلي في نفق مظلم بالفعل، خاصة وأن اندلاعها جاء في وقت كان الاقتصاد الأميركي، وهو الراعي والشريك الاقتصادي التجاري والاستثماري البالغ الأهمية للدولة الصهيونية، قد بدأ في التباطؤ.

وتفاقم هذا التباطؤ بشدة منذ وصول الرئيس الأميركي اليميني جورج دبليو بوش للسلطة، وذلك قبل أن تؤدي أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 إلى إدخال الاقتصاد الأميركي في نفق الركود في الربع الثالث من العام 2001.

وقد انهار النمو الاقتصادي في إسرائيل، ودخل اقتصادها في نفق الركود بالفعل، وذلك لأن الانتفاضة الفلسطينية قامت من أجل الحرية والاستقلال، ومحاولات القمع الإسرائيلية أوجدت مناخا من الاضطراب الأمني والسياسي.

مناطق الإصابة
في مثل هذا المناخ يصاب قطاع السياحة والفنادق والمطاعم بالركود، كما أن الاستثمارات الجديدة المحلية والأجنبية القادرة على حفز النمو الاقتصادي والتشغيل تصاب بدورها بالركود، لأنها ببساطة تقوم على حسابات مستقبلية لا يمكن القيام بها بكفاءة في مناخ من الاضطراب الأمني والسياسي.

هذا فضلا عن أن قطاعات الزراعة والبناء التي كانت تعتمد على العمالة الفلسطينية قد تعرضت للركود في ظل الحصار الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية وتكرار منع الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام 1967 من دخول فلسطين المحتلة عام 1948.

كما أن تزايد المقاطعة الفلسطينية للسلع الإسرائيلية في ظل تصاعد المواجهات، يحرم الاقتصاد الإسرائيلي من جانب مهم من فرص تسويق صادراته في الأسواق الفلسطينية التي كانت تعد ثاني أهم سوق مستهلكة للسلع الإسرائيلية بعد الولايات المتحدة الأميركية وقبل أي دولة أوروبية. وكل ذلك أدى إلى تعميق عوامل الركود في الاقتصاد الإسرائيلي منذ انفجار الانتفاضة الفلسطينية.

تراجع معدل النمو


انهار معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي من 7.4% عام 2000 إلى 0.9% عام 2001، وبلغ 0.3% في الاثني عشر شهرا المنتهية في آخر يونيو/ حزيران 2003
وقد انهار معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي من 7.4% عام 2000، إلى 0.9% عام 2001. ومع تصاعد المواجهة الإسرائيلية الفلسطينية منذ مارس/ آذار 2002 بسبب اجتياح جيش الاحتلال لمناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، تعرض الاقتصاد الإسرائيلي لتدهور أشد تحت وطأة اضطراب الأمن بصورة غير مسبوقة، واستمر في التخبط بصورة أشد في نفق الركود، حيث بلغ معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي نحو 1% عام 2002. وتشير بيانات "الإيكونومست" إلى أن هذا المعدل بلغ 0.3% في الاثني عشر شهرا المنتهية في آخر يونيو/ حزيران 2003، أي أن الاقتصاد الإسرائيلي ما زال يعاني حالة من الركود العميق.

ووفقا لحسابات مبنية على بيانات صندوق النقد الدولي (IMF, International Financial Statistics Yearbook 2003, p.351-353)، فإن قيمة الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي تراجعت من 113.9 مليار دولار عام 2000، إلى 111.8 مليارا عام 2001، ثم تدهورت بصورة أشد لتبلغ 102.7 مليار عام 2002.

ورغم أن جانبا من تراجع قيمة الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي مقدرا بالدولار يعود إلى تراجع سعر صرف العملة الإسرائيلية مقابل الدولار، إلا أن آثار الانتفاضة تظل هي الأكثر أهمية من كل ما عداها.

بل إن تدهور العملة الإسرائيلية نفسه من 4.077 شيكلات لكل دولار عام 2000 إلى 4.206 شيكلات لكل دولار عام 2001 وإلى 4.737 شيكلات لكل دولار عام 2002 يعود بصورة أساسية إلى تأثيرات الانتفاضة على الموازين الخارجية الإسرائيلية بشكل سلبي.

زيادة البطالة
أما معدل البطالة الوثيق الصلة بمعدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي فقد ارتفع في إسرائيل وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي من 8.80% عام 2000 إلى 9.4% عام 2001، ثم واصل ارتفاعه ليبلغ 10.3% عام 2002. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أنه سيبلغ نحو 10.7% في العام الحالي 2003.

لكن من الضروري ملاحظة أن ضخامة تعداد الجيش في إسرائيل التي هي بالأساس مؤسسة عسكرية وليست دولة طبيعية تساعدها على إظهار معدل منخفض للبطالة، حيث يستوعب الجيش أعدادا كبيرة ممن كان من الممكن أن يكونوا في عداد العاطلين.

وقد بلغت نسبة الجيش الإسرائيلي العامل نحو 3.1% من عدد السكان، ويمكن أن ترتفع النسبة لأكثر من ذلك كثيرا إذا استبعدنا أبناء الشعب الفلسطيني في أراضي عام 1948. وفي حالة التعبئة يشكل تعداد الجيش الإسرائيلي نحو 10.8% من العدد الإجمالي للسكان. وللعلم فإن تعداد الجيش العامل في دولة طبيعية مثل مصر لا يزيد على 0.7% من عدد السكان، ترتفع في حالة التعبئة إلى 1.2% من عدد السكان.

تراجع السياحة
أما بالنسبة للتدفق السياحي إلى إسرائيل فقد تراجع من 2.4 مليون سائح عام 2000 إلى 1.2 مليون عام 2001. وتراجعت الإيرادات السياحية الإسرائيلية من نحو 3.1 مليارات دولار عام 2000 إلى 2.17 مليار عام 2001.

وبالمقابل زاد الإنفاق السياحي الإسرائيلي في الخارج من 2.6 مليار دولار عام 2000 إلى 2.9 مليار عام 2001، نتيجة تزايد سفر الإسرائيليين للخارج هربا من الوضع الأمني المضطرب بعنف بسبب الانتفاضة الفلسطينية والقمع الإسرائيلي لها والتداعيات المختلفة لذلك، وذلك على عكس الاتجاه العالمي لتراجع السياحة عام 2001.

ارتفاع نسبة التضخم
أما بالنسبة لمعدل التغير في أسعار المستهلكين في إسرائيل، أي مؤشر معدل التضخم، فإنه وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي المعدلة بلغ 1.10% عام 2000، وثبت عند هذا المستوى عام 2001.

لكن استمرار التدهور في الإنتاج المحلي الإسرائيلي من السلع والخدمات الذي تجسد في النمو السلبي للناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي الذي أوردناه آنفا، أدى إلى وجود فجوة بين عرض السلع والخدمات والطلب عليهما، ما قفز بمعدل التضخم في إسرائيل إلى 5.7% عام 2002. لكن هذا المعدل من المتوقع وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، أن يتراجع في العام الحالي إلى نصف مستواه المتحقق عام 2002.

عجز ميزان الحساب الجاري
بلغ العجز في ميزان إسرائيل التجاري 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2000، وارتفع إلى 2% عام 2001، ثم ارتفع إلى 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي عام 2002. ومن المتوقع أن يبلغ نحو 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي عام 2003، حسب تقديرات صندوق النقد الدولي.

ويعتبر العجز ملمحا دائما لميزان الحساب الجاري ولأهم مكوناته، أي الميزان التجاري في إسرائيل منذ إنشاء الدولة وحتى الآن، بشكل يعكس اعتماد هذه الدولة على الدول التي تقدم لها الدعم المالي وبالذات الولايات المتحدة لأنها (أي إسرائيل) تواجه هذا العجز في النهاية من خلال المساعدات الخارجية.

البورصة الإسرائيلية
تراجع المؤشر المعبر عن حركة أسعار الأسهم فيها من 555 نقطة قبل الانتفاضة الفلسطينية إلى 314 نقطة يوم 22 يناير/ كانون الثاني 2003، أي بنسبة 43% منذ بداية انتفاضة الأقصى.

وهذا يعني أن القيمة السوقية للأسهم المدرجة في البورصة الإسرائيلية قد فقدت 43% من قيمتها خلال هذه الفترة. لكن الغزو الأميركي للعراق واحتلاله في ربيع العام الجاري، أنهى التهديد العراقي لإسرائيل، وأدى إلى انتعاش البورصة الإسرائيلية التي عاودت الصعود وسجل مؤشرها نحو 416.7 نقطة في سبتمبر/ أيلول 2003.

ووفقا لبيانات البنك الدولي (World Bank, World Development Indicators)، فإن القيمة السوقية للأسهم الإسرائيلية أو رسملة السوق بلغت 64.1 مليار دولار عام 2000 بما شكل نحو 56.3% من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي في العام نفسه.

وقد تراجعت هذه القيمة السوقية للأسهم الإسرائيلية إلى نحو 56 مليار دولار عام 2001، توازي نحو 50.1% من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي في العام نفسه، ثم تراجعت إلى 45.4 مليارا عام 2002، بما يوازي 44.2% من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي في العام نفسه.

ورغم أن تراجع أسعار الأسهم في أي بورصة هو في النهاية خسائر دفترية يمكن تعويضها عندما ترتفع الأسعار مرة أخرى، فإن التراجع في البورصة يتحول لخسائر حقيقية في الاقتصاد العيني عندما يؤدي إلى انهيار بعض الوحدات الاقتصادية، وهو ما حدث بإسرائيل في قطاع السياحة بصفة خاصة. وقد انخفض عدد الشركات المدرجة في بورصة تل أبيب من 654 عام 2000إلى 636 عام 2001، قبل أن ينخفض مجددا إلى 615 شركة عام 2002.


تراجعت الاستثمارات الأجنبية على نحو درامي من 4988 مليون دولار عام 2000 إلى 3520 مليونا عام 2001بنسبة تراجع قدرها 29.4%، ثم تراجعت إلى 1648 مليونا عام 2002، بنسبة تراجع قدرها 53.2%

تراجع الاستثمارات الأجنبية
أما بالنسبة لتدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى إسرائيل، فإنها تراجعت على نحو درامي من 4988 مليون دولار عام 2000 إلى 3520 مليونا عام 2001، بنسبة تراجع قدرها 29.4%، ثم تراجعت إلى 1648 مليونا عام 2002 بنسبة تراجع قدرها 53.2%.

ورغم أن جانبا من هذا التراجع يعود إلى التراجع العالمي لتدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة بعد تباطؤ الاقتصادات الصناعية المتقدمة منذ العام 2001، إلا أن الانتفاضة الفلسطينية ومحاولات القمع الإسرائيلي لها وما نتج عن ذلك من مضاعفة مستوى الاضطراب الأمني وتدهور المؤشرات الاقتصادية، هو السبب الرئيسي في تراجع تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى إسرائيل.

ويمكن القول إجمالا إن أداء الاقتصاد الإسرائيلي قد تدهور بشدة في الأعوام الثلاثة الأخيرة وتعرض لأزمة طاحنة بسبب الانتفاضة وعمليات القمع الإسرائيلي لها.

لكن مثل هذه الأزمة الكفيلة بإحداث اضطراب سياسي اجتماعي في أي بلد طبيعي، لا تحدث مثل هذا الأثر في إسرائيل التي تعودت على الاعتماد على المساعدات الخارجية في مواجهة الأزمات الاقتصادية التي تواجهها.

ولذلك فإن الحكومة الإسرائيلية الراهنة طلبت ضمانات حكومية أميركية لقروض تريد إسرائيل الحصول عليها بقيمة 14 مليار دولار، وذلك لمواجهة الآثار السلبية التي تعرض لها اقتصادها بسبب الانتفاضة الفلسطينية. وقد استجابت الإدارة الأميركية للطلب الإسرائيلي ولكنها عدلت الرقم ليصبح تسعة مليارات دولار.

المؤشرات الرئيسية المعبرة عن أداء الاقتصاد الإسرائيلي

السنة

معدل النمو للناتج المحلي الإجمالي

معدل البطالة

معدل التضخم

الحساب الجاري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي

1994

8.6%

7.8%

12.3%

-

1995

6.8%

6.8%

10%

-5.6%

1996

4.7%

6.6%

11.3%

-5.6%

1997

3.3%

7.6%

9%

-3.6%

1998

3%

8.5%

5.4%

-0.9%

1999

2.6%

8.9%

5.2%

-1.9%

2000

7.4%

8.8%

1.1%

-1.7%

2001

-0.9%

9.3%

1.1%

-2%

2002

-1%

10.3%

5.7%

-2.1%

2003

0.5%

10.7%

2.8%

-2.3%

المصدر: IMF, World Economic Outlook, Several Issues.

_______________
رئيس تحرير التقرير السنوي "الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية" الصادر عن مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام