إميل لحود
جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية.. أصحاب الجلالة والفخامة والسمو.. أيها الإخوة..

بالأمس في القاهرة واليوم في عمان والموضوع الأهم هو نفسه في القمتين.. عدوان إسرائيل على العرب في فلسطين وخارج فلسطين.. عدوان بالاحتلال والقتل ضد بعضهم ماضيا وحاضرا.. وعدوان بالنية والتخطيط ضد بعضهم الآخر غدا والكل مستهدف دون استثناء.

نجتمع في كل مرة ونؤكد بأن السلام العادل والشامل هو خيارنا الاستراتيجي فيما إسرائيل مستمرة بجرائمها من سيئ الى أسوأ كما في اختيار قادتها من السيئ الى الأسوأ.. أما المدلول فواحد.. وهو أن إسرائيل كيان غير راغب بالسلام بل كيان ضد السلام.. هي كيان يقوم على الأمن ولا يطلب إلا الأمن حتى ولو كان هذا الأمن على حساب السلام.. وهو حتما على حساب السلام.

أيها الإخوة..
يوم انسحبت إسرائيل من بعض الجنوب اللبناني العام الماضي تحت وطأة المقاومة لم يكن ذلك الانسحاب إلا من زاوية الحاجة الإسرائيلية إلى الأمن جراء الخسائر.. يومها جاء من يقول لنا بأن هذا الانسحاب هو خطوة هامة على طريق السلام.. يومها جاء من يتهمنا بأن إسرائيل تريد تنفيذ القرار 425 ونحن نرفضه وأنها تريد الانسحاب ونحن نطلب العكس.. يومها جاء من يتهمنا بالتخلي عن واجباتنا في أمن الجنوب إذا لم نرسل الجيش اللبناني إليه..

وحين أرسلناه بالطريقة التي تخدم مصالحنا ولا تخدم مصالح الأمن الإسرائيلي شنت علينا ولاتزال حربا اقتصادية حرمتنا من مؤتمر الدول المانحة وحرمت الجنوب من المساعدات ومن مشاريع الإعمار والتنمية والبنية التحتية التي دمرها الاحتلال كما جندت ضدنا ولاتزال ألسنة وأقلام ومواقف تتهمنا بالتخلي عن سيادتنا اذا لم نرسل الجيش إلى الجنوب بالطريقة التي تريدها إسرائيل وبالمهمة التي تريدها إسرائيل.. أي تأمين الضمانات الأمنية الكاملة لمستوطناتها على حدودنا في الوقت الذي خلفت وراءها بعد الانسحاب جزءا محتلا من أرضنا في مزارع شبعا وأسرى لبنانيين مخطوفين في سجونها وشعبا فلسطينيا لاجئا في أرضنا في ظروف مأساوية ترفض إسرائيل عودته ونرفض توطينه وعشرات آلاف الألغام المزروعة في قرى الجنوب تقتل أطفالنا والشيوخ والنساء صباح كل يوم وترفض تسليم خرائطها إلى الأمم المتحدة، هذا عدا عن الخروقات المتكررة والتهديدات اليومية للبنان وسوريا بعد الانسحاب.

أيها الإخوة..
لذلك كله رفضنا تقديم تلك الضمانات ورفضنا حماية إسرائيل وقلنا يومها ولانزال.. إن الانسحاب الإسرائيلي ليس خطوة باتجاه السلام بل خطوة للهروب من السلام إلى الأمن.. وعلى حساب حقوقنا وعلى حساب متطلبات السلام العادل والشامل.

أيها الإخوة..
في منطقتنا اليوم مفترق طرق بين استراتيجيتين إحداها تبنيناها نحن العرب.. وتقول بالسلام العادل والشامل وبأن الأمن هو نتيجة لهذا السلام.. والاستراتيجية الثانية تبنتها إسرائيل.. وتقول بالأمن المستند إلى القوة.. قوة الاحتلال والقتل.

وكما في جنوب لبنان فإن ما نشهده حاليا على الساحة الفلسطينية في الضفة الغربية وفي غزة تجسيد واضح على أن إسرائيل يوم انحرفت عن مؤتمر مدريد إلى اتفاق أوسلو وما بعده لم تكن تخوض سلاما في مفاوضاتها المنفردة مع الفلسطينيين بل كانت تخوض خطة أمنية واضحة انفضحت معالمها اليوم في قيام إسرائيل بتقطيع أوصال الضفة الغربية إلى 43 جزءا وأوصال غزة إلى أربعة أجزء بحجة وقف الانتفاضة.

وكما في جنوب لبنان وفي الضفة الغربية وغزة كذلك في الجولان المحتل حيث ترفض إسرائيل الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران بحجة الأمن وعلى حساب قرارات الشرعية الدولية وعلى حساب السلام.

أيها الإخوة..
إن لغة التباكي والشكوى لا تصلح أمرا ولا تطعم خبزا.. وحدها مواجهة الواقع بموضوعية هي التي تعطي ثمارها اليوم.. نحن بحاجة إلى إعادة مراجعة شاملة لمسار ما يسمى بالعملية السلمية.. نحن بحاجة للإقرار بأن هذه العملية غير موجودة أصلا في الحسابات الإسرائيلية.. نعم أيها الإخوة لا توجد عملية سلام بل توجد خطة أمنية إسرائيلية برعاية دولية معروفة تتستر بشعار السلام فيما هدفها أمن إسرائيل فقط.. أمن إسرائيل بدءا من جنوب لبنان مرورا بالجولان وصولا إلى الضفة الغربية وغزة وكل ذلك على حساب الأرض العربية والشعب العربي والحقوق العربية في تلك المناطق.. نعم كل ذلك على حساب المفهوم الدولي المتعارف عليه للسلام العادل والشامل.

أيها الإخوة..
إن هذا الواقع يدعونا إلى ضرورة توحيد الرؤية العربية حيال عملية السلام ومفهومها وبالتالي إلى اتخاذ موقف عربي موحد وواضح من انحراف هذه العملية عن مسارها ومن انجرار القوى الدولية الراعية لهذه العملية وراء هذا الانحراف الذي تقوده إسرائيل والذي لن يؤدي بالمنطقة إلا إلى المزيد من الكوارث.

إن هذا الواقع يدعونا إلى ضرورة اعتماد استراتيجية عربية واضحة تجسد هذه الرؤية على المستويات الدبلوماسية والسياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية بحيث نستطيع مواكبة التطورات واستدراك المفاجآت وتحديد الخطوات وتدارك الاحتياطات والاحتياجات.

إن هذا الواقع يدعونا إلى ضرورة توفير الدعم المطلق لمتطلبات المقاومة والصمود للشعب الفلسطيني في الانتفاضة وللبنان وسوريا في مواجهة الاحتلال ونتائجه وهو دعم يقتضي أن يطال الواقع الاقتصادي والاجتماعي والإنمائي والإنساني في مواجهة الضغوط الدولية التي نتعرض لها اقتصاديا وسياسيا لاضعاف المناعة في مواجهة إسرائيل وفي هذا المجال أيضا ليست الضفة الغربية وغزة وحدهما تحت الحصار.. لبنان أيها الإخوة لايزال تحت القصاص والحصار.. بقساوة تفوق الاحتلال ما لم يلب خدمة الأمن الإسرائيلي.. وهنا أناشدكم باسم الكرامة العربية التي جسدتها مقاومة لبنان أن لا تتركوه فريسة اقتصادية لسياسة الحصار والقصاص.

إن هذا الواقع يرتب علينا مسؤوليات متبادلة كل من خلال موقعه في هذه المواجهة وكل من خلال قدراته في هذه المواجهة وكل من خلال كرامة الكل في هذه المواجهة وإلاصح فينا قول الآية الكريمة (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى).. فإن لم نكن كرزمة الحطب المتراصة فإنه سيسهل كسرنا عودا بعد عود.

أختم كلمتي بكلمة شكر لرعاية جلالة الملك عبد الله وللحفاوة في هذه القمة.. وأشكر الإخوة العرب على كل التفاتة تفضلوا بها حيال لبنان وشعبه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

__________________
المصدر:
الموقع الرسمي للقمة العربية في عمان