إعداد: شفيق شقير

لا شك أن القضية الفلسطينية تحظى بدعم الكثير من دول العالم من حيث الإجمال، ولكن هذه المواقف لا تساعد الفلسطينيين كثيرا لأنها لا تملك تأثير كبيرا، ويتجلى ذلك في الموقف الدولي من جدار الفصل الإسرائيلي، حيث تعرضت إسرائيل لانتقادات دولية لاذعة بسبب شروعها في إقامة الجدار، ولكن هذه الانتقادات لم تصل إلى حد إدانتها في مجلس الأمن، بعد أن صوتت الولايات المتحدة في أكتوبر/ تشرين الأول 2003 بحق النقض الفيتو ضد مشروع قرار يدين إسرائيل لبنائها الجدار ويدعوها إلى وقف "بنائه وإلغاء قرار البناء"، وذلك رغم أن مشروع القرار حظي بتأييد عشر من الدول الـ15 الأعضاء في مجلس الأمن، منها فرنسا وإسبانيا والصين وروسيا، بينما امتنعت الدول الأربع عن التصويت من بينها ألمانيا وبريطانيا.

الموقف الأميركي


الولايات المتحدة تطلب بصورة عاجلة من محكمة العدل الدولية تجنب اتخاذ أي قرار من شأنه التدخل أو جعل عملية التفاوض أكثر صعوبة مما هي عليه"
في بادئ الأمر أظهر الموقف الأميركي تصلبا نسبيا إزاء بناء إسرائيل للجدار العازل، وكانت السياسة الأميركية وقت ذاك لا تزال ترافق حكومة محمود عباس "بالتفاؤل" و"بخارطة الطريقة"، حيث إن الرئيس بوش أثناء لقاء جمعه بعباس في البيت الأبيض في يوليو/ تموز الماضي اعتبر الجدار "ثعبانا يتلوى في الضفة الغربية"، وقطع وعدا لعباس بإثارة موضوع الجدار مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، ولكن تدخل بوش لم ينفع، حيث إن شارون قال بعد لقائه بالرئيس بوش في واشنطن إن إسرائيل مستمرة في بناء الجدار، وذلك بعد أيام فقط من لقاء بوش عباس.

ولجأت الولايات المتحدة في إطار التزامها بخارطة الطريق للضغط على إسرائيل بسبب سياسة الاستيطان، وأعلنت عن عزمها خفض ضمانات القروض الأميركية لإسرائيل، وذلك بخصم مبلغ من هذه الضمانات بمقدار ما تنفقه إسرائيل على بناء المستوطنات سنويا، وربط أكثر من مسؤول أميركي بين هذا الإجراء وبناء الجدار أكثر من مرة، كما أن الإدارة هددت بفرض عقوبات مالية على إسرائيل على خلفية بناء الجدار وحده.

لكن بعد استقالة حكومة عباس ذهب بوش إلى أنه "من الصعب المضي قدما" في عملية السلام، ومنذ ذلك الحين أخذت الإدارة الأميركية تتباطأ في تنفيذ تهديداتها بخفض الضمانات أو ممارسة أي ضغط فعلي على إسرائيل، وذلك رغم استمرارها في إبداء القلق من سياسة الاستيطان ومن بناء جدار الفصل، حتى إنه ما إن طرح في منتصف أكتوبر/ تشرين الأول الماضي مشروع قرار يدين إسرائيل لبنائها جدار الفصل، حتى صوتت الولايات المتحدة بحق النقض الفيتو ضده، بل إنها صوتت ضد قرار آخر طرح لاحق في الجمعية العامة بداعي أنه غير متوازن، رغم أن القرار يدعو إسرائيل فقط إلى "وقف بناء الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة".

وعارضت كذلك الولايات المتحدة إحالة قضية الجدار من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى محكمة العدل الدولية للبت في إذا ما كانت إسرائيل ملزمة قانونا بهدم الجدار، واعتبرت أن القضية سياسية وليست قانونية، ورأت على لسان أحد مسؤوليها أن محكمة العدل الدولية ليست المنتدى المناسب لاتخاذ قرار بشأن مدى مشروعية الجدار، وأن هذه المسألة ليست من القضايا التي يتعين أن تفصل فيها المحكمة، وقدمت لمحكمة العدل الدولية مذكرة خطية قالت فيها إنها تعتقد "أن إصدار رأي في المسألة يهدد بتقويض عملية السلام وتسييس المحكمة" وأن "الولايات المتحدة تطلب بصورة عاجلة من المحكمة تجنب اتخاذ قرار من شأنه التدخل أو جعل عملية التفاوض أكثر صعوبة مما هي عليه". مع العلم بأن إسرائيل كانت قد طعنت بصلاحية محكمة العدل الدولية في البت في قضية الجدار. وهو ما اعتبره البعض أنه يأتي في سياق التأييد الأميركي المستمر لإسرائيل، وأنه يأتي في سياق ضغوط تمارسها واشنطن على المحكمة.

ورغم ذلك لا تزال الإدارة الأميركية حريصة على انتقاد الجدار، وحريصة على أن تعطي انطباعا بأنها لا تزال تضغط على إسرائيل لتغيير مسار الجدار، ويبدو أن السياسة الأميركية استقرت على ذلك، تغيير مسار الجدار لا وقف بنائه أو إزالته، وما تحاول إسرائيل أن تظهره إعلاميا أنها بصدد تغيير المسار وتقليص طول الجدار وعمقه، ولا يتوقع من أميركا أكثر من ذلك خاصة في ظل هيمنة الأجواء الانتخابية على مفاصل السياسة الأميركية في هذه الفترة، وما نقلته يديعوت أحرونوت في موقعها على الإنترنت مؤخرا عن المرشح الديمقراطي الصاعد جون كيري كان أول الغيث، حيث قال "إن تشييد جدار الفصل هو عمل قانوني هدفه الدفاع عن النفس".

موقف الاتحاد الأوروبي


الموقف الأوروبي أقرب لطموحات الفلسطينيين من الموقف الأميركي إلا أنه متهم بأنه يفتقر إلى المبادرة والفعالية وغالبا ما يتراجع أمام الضغط الإسرائيلي
انتقد الاتحاد الأوروبي الجدار الإسرائيلي في أكثر من مناسبة، ووافقت بعض دوله على إدانة إسرائيل على خلفية بنائها للجدار، حيث صوتت فرنسا وإسبانيا في مجلس الأمن لصالح القرار في حين امتنعت عن التصويت ألمانيا وبريطانيا.

وبعد سقوط مشروع القرار بالفيتو الأميركي طرح الاتحاد الأوروبي مشروعا بديلا على الجمعية العامة يقتصر على دعوة إسرائيل إلى وقف بناء الجدار وصوت الاتحاد لصالح القرار بطبيعة الحال، وحظي هذا القرار غير الملزم بموافقة 144 دولة وبامتناع 12 دولة عن التصويت، وعارضته أميركا وإسرائيل.

ولكن الاتحاد الأوروبي امتنع عن التصويت لصالح قرار يحيل مسألة الجدار إلى محكمة العدل الدولية، وكان قد صدر القرار في ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي بأغلبية 90 صوتا مقابل ثمانية مع امتناع 74 عن التصويت، وصوتت الولايات المتحدة وإسرائيل ضده.

ويرى الاتحاد الأوروبي رغم معارضته للجدار أنه من غير المناسب طرح القضية أمام محكمة العدل الدولية، وهو ما أكده أكثر من مسؤول أوروبي، حيث قال وزير الخارجية البريطاني جاك سترو إن "الجدار غير شرعي بحيث يبتعد كما هو الحال في عدة نقاط عن الحدود الدولية (الخط الأخضر) ويتوغل في الأراضي الفلسطينية"، ولكنه اعتبر أن من غير المناسب طرح هذا الملف أمام محكمة العدل الدولية بما أن الإسرائيليين يرفضون الاعتراف بهذه الهيئة". وإلى مثل هذا الرأي ذهب وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دو فيلبان الذي رأى أن الجدار لا يتطابق مع حدود 1967، ولكنه اعتبر أن طرح مسألة الجدار على محكمة العدل في غير محلها، وأكدت وزيرة الخارجية الإسبانية آنا بلاثيو أيضا معارضة الاتحاد الأوروبي للدعوى التي رفعت أمام محكمة العدل مع التنويه بإدانة بلادها للجدار.

ورغم أن الموقف الأوروبي أقرب لطموحات الفلسطينيين من الموقف الأميركي إلا أنه متهم بأنه يفتقر إلى المبادرة والفعالية، فهو دائما في ذيل التحرك الأميركي أو مكمل له في أحسن الأحوال، وغالبا ما يتراجع أمام الضغط الإسرائيلي ويأتي في هذا السياق إحجام الاتحاد الأوروبي عن تأييد الدعوى المرفوعة في المحكمة الدولية وعدم المشاركة فيها، وأن أوروبا لا ترغب بمواجهة الابتزاز الإسرائيلي، وليس بعيدا أمر التهم بالعداء للسامية المتتالية التي وجهتها إسرائيل لأوروبا عموما وفرنسا على وجه الخصوص، حتى إن سياسة الأخيرة أصبحت في المرحلة الراهنة أسيرة نفي التهمة عنها، كما أن جاك سترو وزير الخارجية البريطاني لم يخرج إلا مؤخرا من موجة الانتقادات الإسرائيلية التي جاءت في سياق احتجاج إسرائيلي عنيف لتصريحات أشار فيها إلى أن الغرب متهم بالنفاق بسبب اتخاذه إجراءات فعالة ضد العراق والتزام الصمت تجاه عدم تطبيق إسرائيل قرارات مجلس الأمن الدولي.

لكن يعتبر البعض الموقف الأوروبي ضروريا جدا لكسب معركة الرأي العام وتعاطفه على الأقل، ولإحداث توازن ولو طفيفا في المعادلة الدولية، وأن النشطاء الأوروبيين استطاعوا أن ينتزعوا من شعوبهم تفهما أكبر لصالح القضية الفلسطينية، وهو ما تجلى في الاستفتاءات الأخيرة التي اعتبرت إسرائيل تشكل تهديدا على الأمن الدولي، كما أن النائب الأوروبي أصبح أكثر دراية بالنزاع في الشرق الأوسط، ومن ذلك الزيارة الأخيرة للوفد البرلماني الأوروبي إلى الأراضي الفلسطينية "لتقويم انعكاسات" الجدار العازل من الناحية الإنسانية، الذي سيضاف إلى رصيد الفلسطينيين.

مواقف دول أخرى


حقق الفلسطينيون حضورا لدى الرأي العام الدولي من خلال محاكمة الجدار، ولكن ما يواجهونه أن مسألة الرأي العام أشبه بالبورصة قد تخسر في يوم كل ما ربحته في أيام
يعتبر الموقف الروسي والموقف الصيني من المواقف المتقدمة نسبيا في تأييد قضايا الفلسطينيين عموما، وللبلدين تاريخ عريق ومواقف معروفة من حقوق الفلسطينيين، وقد صوت البلدان لصالح الفلسطينيين ولصالح المجموعة العربية في كل ما يتصل بالجدار العازل، إلا أن روسيا تحفظت على إحالة المسألة إلى محكمة العدل الدولية، وصرح نائب وزير خارجيتها يوري فيدوتوف بأن موسكو ترى أن بناء الجدار يعطل جهود السلام في المنطقة لكنها ترى أيضا أن محكمة العدل الدولية لن تساعد في حل المشكلة.

في ما برز موقف جنوب أفريقيا الذي أظهر حماسا تجاوز بعض الدول العربية نفسها، حيث دعت جنوب أفريقيا محكمة العدل الدولية إلى الحكم بعدم مشروعية الجدار، مقارنة إياه بنظام الفصل العنصري السابق في كل من جنوب أفريقيا وناميبيا، واعتبرت الجدار -على لسان نائب وزير خارجيتها عزيز باهاد- "لعنة تحيق بعملية السلام كما رسمتها خريطة الطريق".

وقد قدمت عدة دول مرافعات في المحكمة الدولية منتقدة الجدار، منها كوبا وماليزيا وإندونيسيا، فضلا عن منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية والأردن الذي ألقى مرافعة أثارت حفيظة إسرائيل، وبرر موقفه بأنه المتضرر الثاني من الجدار، وأبدى رئيس وزرائه فيصل الفايز أكثر من مرة مخاوف بلاده من حصول موجات نزوح فلسطينية إلى المملكة الأردنية بسبب الجدار.

الجدار.. الإنساني والسياسي
ويذكر أن الأمم المتحدة انتقدت الجدار أكثر من مرة وفي أكثر من تقرير، كما انتقده الكثير من المنظمات والمؤسسات الدولية واعتبرته غير قانوني، مثل الصليب الأحمر الدولي والمنظمة الأميركية للدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية، كما أدانته مرجعيات مسيحية مثل بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني ورئيس أساقفة الكنيسة الإنجليكانية روان ويليامز، حتى إن مسؤول البنك الدولي في الضفة وغزة نيجل روبرتس انتقد الجدار معتبرا أنه يزيد من معاناة الفلسطينيين وسيؤثر على التجارة والعمل والخدمات الاجتماعية.

وعلى العموم فإن الانتقادات الدولية، سواء من دول أم من منظمات إنسانية تجد طريقها سهلا عندما تنتقد الآثار الإنسانية المترتبة على بناء الجدار وتستطيع الدفاع عن موقفها بسهولة إلى حد ما، ولكن الجانب السياسي الذي تملك مفاتحه بضع دول كبرى لا يزال بعيد المنال ما دامت الدول تلك تتحفظ على عرض مسألة الحائط على محكمة العدل الدولية، وما دامت تلك الدول تملك حسابات كبيرة تتجاوز الجدار والإنسان الفلسطيني والإسرائيلي أحيانا، لأن عرض قضية سياسية على محكمة العدل الدولية سابقة تخشى الكثير من الدول الكبرى أن تتكرر في قضايا تمسها، ويبدو أن الفلسطينيين يدركون هذه الأمور، لذا قد جعلوا هدفهم الأول من محاكمة الجدار هو تعزيز حضور قضيتهم لدى الرأي العام الدولي وإثبات خرق إسرائيل للقوانين الدولية، ويبدو أنهم قد حققوا إنجازا ما في هذه القضية، ولكن ما يواجه الفلسطيني أن مسألة الرأي العام أشبه بالبورصة قد تخسر في يوم كل ما ربحته في أيام، وأن هذه اللعبة يتقنها الإسرائيلي ويمارسها منذ عقود.
_______________
قسم البحوث والدراسات-الجزيرة نت