إعداد: سيدي أحمد ولد أحمد سالم

وجدت ليبيا نفسها خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي في عداء مستحكم مع الولايات المتحدة وفي خلاف أقل درجة مع أغلبية الدول الغربية. فقد ظلت سياسات العقيد معمر القذافي منذ أن أطاح بالملك إدريس الأول في فاتح سبتمبر/ أيلول 1969 غير مستساغة في الغرب، بل وُصِف النظام الليبي في الغرب بالدكتاتورية الشخصية ووُصِفت ليبيا تارة بالدولة الراديكالية وتارة بالدولة المارقة.

والملاحظ أن السياسة الليبية الخارجية تطورت من التنافر في نهاية القرن الماضي إلى الانسجام مع بدايات هذا القرن، ومن التخالف مع الدول الغربية إلى التآلف معها.
ويحاول هذا التقرير أن يرصد بعض مراحل التطور من الاختلاف إلى الائتلاف في السياسة الخارجية الليبية.

ليبيا المتهمة

ظلت الجماهيرية الليبية تعاني من التهم الموجهة إليها من طرف الدول العربية والدول الغربية خلال نهاية القرن الماضي.

- ففي الأوساط الشيعية -على الأقل- تتهم ليبيا بالوقوف وراء اختفاء الإمام موسى الصدر رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ومؤسس حركة المحرومين (أمل)، وقد اختفى معه رفيقاه إبان زيارة رسمية لليبيا عام 1978.

- وخلال عقد الثمانينيات اتهمت بدعم المنظمات الفلسطينية الراديكالية (تنظيم أبو نضال)، والجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA). وقد اتهمت بتفجير قنبلة في ملهى "لا بيل" في برلين في إبريل/ نيسان 1986، الذي يرتاده جنود مشاة البحرية الأميركية، وأسفر ذلك عن مقتل جنديين وامرأة أميركية، وإصابة أكثر من 230 آخرين.

- ويعتبر تاريخ 21 ديسمبر/ كانون الأول 1988 حاسما في مجال اتهام ليبيا إذ انفجرت طائرة "بان أميركان" رقم 103 فوق بلدة لوكربي بأسكتلندا بعد 38 دقيقة من إقلاعها من مطار هيثرو بلندن وكانت متجهة إلى نيويورك فمات ركابها البالغ عددهم 259 شخصا ومات معهم 11 شخصا من سكان لوكيربي. فوقفت أميركا وبريطانيا صفا وجندتا مجلس الأمن الدولي لعزل ليبيا وحصارها اقتصاديا.

- كما اتهمت فرنسا ليبيا بالضلوع في تحطم طائرة الدي سي 10 (UTA) الرحلة رقم 772 التي تحطمت في 19 سبتمبر/ أيلول 1989 فوق صحراء النيجر وأودى الحادث بحياة 179 شخصا.

- ويذكر أن مخابرات ليبيا متهمة في اختفاء المعارض الليبي وزير الخارجية الأسبق منصور الكيخيا الذي لم يعثر له على أثر منذ 10 ديسمبر/ كانون الأول 1993 بعد مشاركته في اجتماعات الجمعية العمومية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في القاهرة.

ليبيا.. تحسين الصورة

قامت الدبلوماسية الليبية منذ بداية التسعينات بمحاولة للتخفيف من صبغة تحدي النظام الدولي عموما والدول الغربية بشكل خاص. وقد مهدت لذلك بحل نزعاتها مع الدول الأفريقية ومحاولة الاندماج أكثر في القارة السمراء دون إهمال علاقاتها بالدول العربية.

على المستوى الأفريقي
- ففي 1994 اعترفت ليبيا بحق التشاد في شريط أوزو الحدودي الذي كان محط نزاع بين الدولتين كما تخلت الجماهيرية عن مساندة ثوار الطوارق في الصحراء الأفريقية.

- وفي عام 1998 اقترحت طرابلس إنشاء مجموعة دول الصحراء والساحل التي توجت بإنشاء البنك الأفريقي (75 % من رأس ماله تمويل ليبي). كما توسطت في حل أزمات بسراليون والصومال والسودان وبورندي والكونغو كنشاسا (زائير سابقا).

- واقترح العقيد الليبي إنشاء الاتحاد الأفريقي خلال قمة سرت 1999 عندما انعقد مؤتمر منظمة الوحدة الأفريقية الذي حضره أغلب الزعماء الأفارقة. وتهدف ليبيا من وراء تغيير هياكل هذه المنظمة إلى الوصول إلى تحقيق "الولايات المتحدة الأفريقية". وقام الزعيم الليبي خلال هذا المؤتمر بإعطاء وسام "الميدالة الأفريقية" لأبني كوامي نكروما وباتريس لوممبا اللذين حضرا المؤتمر وفي ذلك إعادة الاعتبار للموروث الأفريقي في مجال النضال والتحرر. وتمت المصادقة الرسمية على مشروع إنشاء الاتحاد الأفريقي في يوليو/ تموز 2000 في مؤتمر لومي.

- وقد ساهم الزعماء الأفارقة -عمليا- في كسر الحصار الجوي المفروض على ليبيا حين ظلوا يتوافدون على المطارات الليبية في العقد الماضي.

على المستوى العربي
- وقعت ليبيا مع تونس عدة اتفاقيات تجارية واقتصادية هامة وتعتبر تونس الشريك العربي الأول لليبيا في المجال الاقتصادي والتجاري رغم أن الواردات الليبية من تونس لا تتجاوز 2.6% من واردات ليبيا.

- كما وقعت ليبيا اتفاقيات عديدة مع مصر وخاصة الاتفاق الموقع بين الدولتين في 13 يونيو/ حزيران 1997 القاضي بإنشاء منطقة حرة بين البلدين. وتعتبر مصر الشريك العربي الثاني لليبيا بعد تونس.

- كما وقعت ليبيا اتفاقيات مع لبنان في إبريل/ نيسان 1998، والأردن في يونيو/ حزيران 1998 فضلا عن اتفاقيات أمنية تربطها بالجزائر (اتفاقية مارس/ آذار 1999 تقضي بتسليم المطلوبين).

على مستوى الدول الغربية
- دفعت ليبيا مبلغ 210 مليون فرنك فرنسي لضحايا طائرة دي سي 10 الفرنسية المتفجرة عام 1989.

- قامت طرابلس بعقد اتفاق مع روسيا تم التوقيع عليه في يوليو/ تموز 1995 تدفع ليبيا بموجبه 1.5 مليار دولار مقابل خدمات في المجال النفطي والكهربائي.
كما عقدت اتفاقات عديدة مع دول أوروبية منها:

  • اتفاق مع أسبانيا فبراير/ شباط 1998.
  • اتفاق مع ألمانيا في إبريل/ نيسان 1998.
  • تقارب مع إيطاليا منذ منتصف 1998 وإيطاليا هي مستعمِرة ليبيا سابقا، وقد توج التقارب الليبي الإيطالي بتوقيع اتفاقية روما في يوليو/ تموز 1998 وبموجبها قدمت إيطاليا اعتذارها عما قامت به خلال فترة استعمارها لليبيا، كما طالبت إيطاليا بعودة ليبيا إلى مكانها ضمن مجموعة دول الاتحاد الأوروبي وشمال أفريقيا المطلة على البحر الأبيض المتوسط، وشاركت ليبيا فعلا في مؤتمر مرسيليا سنة 2000 بوصفها مراقبا. كما أعادت طرابلس علاقتها الدبلوماسية مع الفاتيكان.
  • تكثفت زيارات الوفود الفرنسية لليبيا بين 1996 و 1998.
  • سلمت ليبيا لبريطانيا ما بين 1992 و 1995 معلومات متعددة حول الجيش الجمهوري الأيرلندي (IRA)، وقد أعادت الدولتان علاقتهما الدبلوماسية عام 1999.

- يشار إلى أن إيطاليا تستورد 40.6% من احتياجاتها النفطية من ليبيا. وتستورد ألمانيا 17.8% من احتياجاتها النفطية من ليبيا. أما إسبانيا فتستورد 11.7% من النفط الليبي. في حين تستورد بريطانيا 2.4% أما فرنسا فتصلها من ليبيا نسبة 2% من حاجياتها النفطية.

- وقد قامت طرابس بالمساعدة في إطلاق سراح الغربيين المحتجزين في جزيرة جولو في سبتمبر/ أيلول 2000.

- وتأتي تسوية قضية لوكربي منتصف أغسطس /آب 2003 بين ليبيا من جهة وأميركا وبريطانيا من جهة ثانية لتكرس الانسجام الليبي والتآلف مع الدول الغربية. وستدفع ليبيا بموجب هذه التسوية مبلغ 2.7 مليار دولار لضحايا تفجير لوكربي.

وإذا كانت ليبيا قد تقدم تعويضا لقتلى ملهى "لابيل" في برلين وتزيد في التعويضات المقدمة إلى فرنسا في حادث "طائرة الدي سي 10" وبالتالي تسوي جميع قضاياها مع الدول الغربية، فإن الولايات المتحدة ما زالت مصرة على إبقاء العقوبات الأميركية المفروضة على ليبيا فهل يعني هذا أن اللائحة الأميركية لا تزال في بدايتها.
_______________
* الجزيرة نت
المصادر:
1 - أرشيف الجزيرة نت
2 - Spectaculaire retour de la Libye