بعض عناصر البشمركة الكردية أثناء تدريب عسكري
على يد قوات الاحتلال الأميركي

وليد الزبيدي

مع أن دوافع تشكيل المليشيات المسلحة في العراق تختلف تبعاً للأهداف التي تشكلت من أجلها، فإن هذه المليشيات وأبرزها قوات البشمركة التابعة للحزبين الكرديين الرئيسيين، وقوات بدر التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وجيش المهدي الذي أسسه مقتدى الصدر، تحاول عبر تصريحات كبار مسؤوليها أن تسهم في ضبط الأمن الذي يشهد انفلاتاً كبيراً منذ احتلال العراق قبل عام تقريباً.

قوات البشمركة
تعد قوات البشمركة الأقدم بين المليشيات في العراق، ويمتد عمرها لعشرات السنين، وكانت في بداياتها تخضع لسلطة القبائل في المناطق الشمالية. واشتركت هذه القوات في معارك مسلحة مع أنظمة الحكم المتعاقبة في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية مطلع عشرينات القرن الماضي، كما تمتلك خبرة واسعة في حرب العصابات، مستفيدة من الطبيعة الجبلية في مناطق شمال العراق.


مستقبل البشمركة مازال غير واضح في حال تشكيل الدولة العراقية الجديدة، إلا أن ما رشح من معلومات يشير إلى أن هذه المليشيات ستنضم إلى الجيش العراقي
ومع أن هذه المليشيات ظل تواجدها محصوراً في المدن الشمالية فإنها ظهرت بكثافة في العاصمة العراقية منذ الأيام الأولى للاحتلال، وشوهدت مجموعات كبيرة من البشمركة وسط بغداد وبالتحديد قرب بعض الفنادق التي اتخذها المسؤولون الكبار في القيادات الكردية مقرات تواجد لهم، وكانوا يظهرون بزيهم العسكري المميز ويحملون الأسلحة الخفيفة.

لكن سرعان ما اختفت مثل تلك المظاهر وبقيت مسؤولية البشمركة محصورة في حفظ الأمن والنظام في المناطق الشمالية التي حافظت على هدوئها قياساً بحالة الفوضى والانفلات الأمني التي تعيشها بقية المدن العراقية، إلا أن الاحترازات الأمنية العالية لم تمنع وقوع تفجيرات عدة كان أوسعها الذي حصل أول أيام عيد الأضحى الماضي، حيث تعرض مقر الأمن في أربيل لهجوم بسيارة مفخخة وتسبب بمقتل العشرات من قيادات الحزبين الكرديين الرئيسيين .

وتشدد البشمركة من إجراءاتها الأمنية عند مداخل المدن وعلى طول الطرقات المؤدية إليها من مناطق الموصل وكركوك، ويقول المسؤولون في هذه المليشيات إنهم يحرصون على تأمين الحدود مع الدول المجاورة في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

ومع أن مستقبل المليشيات الكردية مازال غير واضح المعالم في حال تشكيل الدولة العراقية الجديدة ذات السيادة الكاملة، فإن ما رشح من معلومات يشير إلى أن هذه المليشيات سوف تنضم إلى الجيش العراقي الذي قالت قوات الاحتلال إنه سيتم تأسيسه قريباً.

وكانت مليشيات البشمركة قد دخلت في معارك وصدامات مسلحة فيما بينها خلال عقد التسعينات، بسبب الخلافات التي كانت قائمة بين الحزبين الكرديين الرئيسين بزعامة كل من مسعود البرزاني وجلال طالباني، إلا أن المراقبين يرون أن مثل تلك الخلافات لن تعود إلى الواجهة خاصة بعد الاتفاق الذي حصل بين قيادات هذين الحزبين، وحرص الزعماء الأكراد على الحصول على الفدرالية في ظل المتغيرات الجديدة، واستثمار التحولات في العراق لتحقيق مطالبهم السياسية.

جدير بالذكر أن البشمركة استلمت الأمن في المناطق الشمالية منذ عام 1991 بعدما انسحبت القوات الخاضعة للحكومة المركزية من تلك المدن في أبريل/ نيسان من ذلك العام. واشتركت هذه المليشيات في مطاردة بعض رموز النظام السابق وتمكنت من اعتقال نائب الرئيس العراقي السابق طه ياسين رمضان في مدينة الموصل مطلع أغسطس/ آب الماضي، كما قبضت على عدد من المسؤولين في حزب البعث وسلمتهم إلى القوات الأميركية.

وتمتلك قوات البشمركة مختلف أنواع الأسلحة، وهي قوات مدربة وتتوزع على اختصاصات عديدة ومختلفة.

جيش المهدي
يطالب الشيخ حسن الزركاني المتحدث الرسمي باسم مقتدى الصدر، أن توكل مسؤولية حفظ الأمن في المراكز الدينية والجوامع والحسينيات إلى جيش المهدي، وقال إن الصدر أعلن تكفله بحماية رجال الدين والعلماء، واشترط أن يتم ذلك بطلب من الجهات المعنية. ويقول الزركاني إن أعداد جيش المهدي تتزايد باستمرار، وإنه ليس هناك عدد معين، ويؤكد حرص هذا الجيش على عدم تدخله في الملف الأمني.

ويُعد جيش المهدي الأحدث من بين المليشيات الأخرى، وتم تأسيسه بعد عدة أشهر من الاحتلال، ويقول مسؤولوه إنه ليس جيشاً بالمعنى الكامل، إلا أن المنخرطين في صفوفه يشتركون في الاستعراضات وغالبيتهم من الشباب المدربين على مختلف فنون القتال وأنواع الأسلحة لأنهم خدموا سنوات طوال في الجيش العراقي خلال الفترة الماضية.


يطالب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بأن يكون لقوات بدر دور بارز في الملف الأمني، وينطلقون في ذلك من أن العراقيين أعرف بأوضاع بلادهم من قوات الاحتلال

قوات بدر
أما قوات بدر التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية فإنها تشكلت في بداية الثمانينات من القرن الماضي، وأعلنت عن برنامجها الهادف إلى تغيير النظام الذي كان يرأسه صدام حسين. وحصلت هذه القوات على دعم كبير من إيران التي كانت دخلت في حرب طويلة وعنيفة مع العراق استمرت منذ سبتمبر/ أيلول 1980 حتى أغسطس/ آب 1988. وأصدرت هذه القوات العديد من البيانات العسكرية عن نشاطاتها خلال أكثر من عقدين منذ تأسيسها.

وما أن انهار النظام السابق يوم التاسع من أبريل/ نيسان 2003 حتى تواجدت قوات بدر في مناطق كثيرة من العراق، ويطالب كبار المسؤولين في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي يرأسه عبد العزيز الحكيم بأن يكون لقوات بدر دور بارز في الملف الأمني، وينطلقون في ذلك من معرفة العراقيين بأوضاع بلادهم أفضل من قوات الاحتلال. ووجه مسؤولون في المجلس الأعلى انتقادات عنيفة لقوات الاحتلال بسبب عدم قدرتها على ضبط الأمن، وخاصة فشلها في منع التفجيرات التي تستهدف رجال الدين، وكان من أوسعها ما تعرض له المرجع الديني محمد باقر الحكيم في أغسطس/ آب الماضي، والتفجيرات التي حصلت في مدينتي كربلاء والكاظمية في عاشوراء.

ويُحمل المسؤولون في المجلس الأعلى قوات الاحتلال المسؤولية الكاملة من جراء حصول مثل هذه الانفجارات التي يذهب ضحيتها المئات من العراقيين، ولم تتمكن قوات الاحتلال الأميركي والقوات المتحالفة معها من الوصول إلى منفذي تلك الهجمات، ولا يعلم العراقيون كثيراً عن ملف التحقيقات التي تجريها القوات الأميركية بهذا الشأن.

الأمن ومستقبل الميليشيات
ورغم الإعلان عن زيادة أعداد الشرطة العراقية وقوات الدفاع المدني فإن الأوضاع الأمنية في العراق مازالت تعيش تدهوراً خطيراً، واعترف عضو مجلس اللجنة الرئاسية في مجلس الحكم الدكتور إياد علاوي بأن التفجيرات ستزداد، وقال في تصريحات له إنها ستستهدف الشرطة والسياسيين وأماكن العبادة لإثارة الحرب الطائفية.

هذا التدهور في الملف الأمني يزداد مع اقتراب الموعد الذي حددته قوات الاحتلال لتسليم السلطة للعراقيين يوم 30 يونيو/ حزيران المقبل، ولا أحد يرى الصورة واضحة فيما يتعلق بمستقبل المليشيات العسكرية التي ينحصر دورها حاليا في محاولة حفظ الأمن، أما في المستقبل فإن ظروف وآلية تشكيل الدولة كفيلة بمعرفة الطريق الذي ستسلكه هذه المليشيات.
_______________
كاتب عراقي