*بقلم/ د. عبد الرحمن الصالحي

رغم بعض الإنجازات فإن واقع العمل العربي الأفريقي سواء كان في إطار الحوار أو العلاقات أو التعاون يبدو وقد علته قتامة وأحاطت به غمامة، فلا هو بالناصع ولا بالواضح ولا بالمتحرك، وإن كانت الآمال في وضوحه وسطوعه يمكن أن تتحقق إلى حد كبير وأن تتبدل الصورة إلى الأفضل عبر مستقبل أرحب، وذلك ما سنعرض له.

بين التعاون الثنائي والإقليمي
عوامل تحريك التعاون العربي الأفريقي

وبداية أستميح من سيقرأ عذراً أن نتفق على تحديد المفاهيم أولاً: هل هي علاقات دولية عربية أفريقية، أم حوار عربي أفريقي في أطر مؤسسية حكومية لكل طرف، أم عبر منظمات غير حكومية، أم أنه تعاون عربي أفريقي في إطار أسس يفترض أنها مازالت قائمة وإن انفضت قمتها الأولى والأخيرة في 1977 ولم تجتمع ثانية، أم أنه تعاون جديد بين منظمتين إحداهما عربية وهي جامعة الدول العربية والأخرى أفريقية سواء أكانت منظمة الوحدة الإفريقية أم الاتحاد الأفريقي، أم أنه تعاون عربي ثنائي بين دول بذاتها عربية وأخرى بعينها أفريقية؟.. وإن كان ترجيح أي صورة من الصور لا يعني بالضرورة إغفال باقي الصور الأخرى.

بين التعاون الثنائي والإقليمي


وجود عشر دول أفروعربية تجمع بين عضوية المنظمتين العربية والأفريقية يمكن أن يمثل دافعاً قوياً لمسيرة التعاون، خاصة وأن هذه الدول العشر منها دول رائدة ولها ثقلها العربي ولها وزنها الأفريقي

التعاون الثنائي هو السبيل الوحيد للتعاون العربي الأفريقي، مع التسليم بإمكانية وجود تباينات في مستوى التعاون من حالة لأخرى.

ومن الأمثلة المطروحة هنا أن حجم التعاون على سبيل المثال بين جيبوتي وجنوب أفريقيا لن يكون مماثلاً ولا مشابهاً لحجم التعاون والتبادل الاقتصادي بين السعودية وجنوب أفريقيا.

إن هناك تأييداً لتلك المجالات التي تتم في إطار ثنائي، وإن ذلك لا يلغي التعامل في إطار جماعي عربي أفريقي مؤسسي من خلال المنظمتين أو بشكل آخر، ورغم أن هناك مؤيدين لكل فكر فإن هناك أيضاً شبه اتفاق على ترجيح الإطار الثنائي، ولم يأت ذلك من فراغ ولكن الواقع يدل عليه.

وأول مظاهر الواقع أن نتائج التعاون الجماعي كانت واهنة عاجزة لم تف بمتطلبات كل طرف خاصة الطرف الأفريقي، وأبسط عامل سلبي في إطار التعاون الجماعي هو غياب التنسيق بين عناصر الجماعة سواء عند جمع المنح وتقديمها أو عند توزيعها، فذلك كله مرتبط بالدرجة الأولى بعوامل خاصة بكل دولة على حدة، ومن ثم فصلب الجماعة غير قائم.. والشكل الثنائي هو البديل المتاح، ذلك أن الدول العربية فرادى لها علاقات متنوعة بالعديد من الدول الأفريقية، ووزن هذه العلاقات ينعكس على مجالات التعاون في إطار مصالح هذه الدول.

ولعلنا لا نكون مبالغين بالقول إن هناك ضرورة لإبراز دافع هذا التعامل أو التعاون الثنائي العربي الأفريقي، فمن الأمثلة الواضحة ذلك النشاط التجاري والاستثماري الذي تتولاه المملكة العربية السعودية في منطقة القرن الأفريقي، وكذلك في بعض مناطق الجنوب الأفريقي، وكذلك النشاط الليبي في دول الصحراء الأفريقية وفي دول غرب أفريقيا، وكذلك نشاط تونس والمغرب في عديد من الدول سواء في الغرب الأفريقي أو الجنوب الأفريقي.

ولعل من أبرز الأمثلة أيضاً الدور المصري في إطار منظمة الكوميسا "شرق وجنوب أفريقيا" والنشاط الاقتصادي مع دول المنظمة.


كما أنه على الجانب الآخر هناك نشاط اقتصادي تجاري أفريقي في أسواق دول عربية كنشاط جنوب أفريقيا داخل شمال أفريقيا ودول الخليج وكذلك مثل أنشطة كينيا ونيجيريا والسنغال.

كذلك فإن دخول اتفاقية "أبوجا" حيز التنفيذ عام 1994 مستهدفة قيام سوق أفريقية مشتركة تعد أيضاً أداة يمكن أن تكون فعالة متى تحركت خاصة وأنها تضم الدول الأفروعربية جميعها.


مهما كانت المداخل وأيا كانت التعاملات في مجالات التعاون العربي الأفريقي، فإن هناك حاجة ضرورية لتنشيطه عبر عدة محددات مشتركة سواء في إطار العلاقات الثنائية أو في إطار التنظيمات الإقليمية أو في أي إطار من الأطر غير الحكومية وما شابهه

ومن ثم فإنه عند الحركة والنشاط يمكن أن تعكس نتائج علاقات اقتصادية تجارية جيدة بين الطرفين، وإن كان ذلك لا يعني إطلاقاً غض الطرف عن تفعيل وتنشيط وتنمية محددات وركائز التعاون الإقليمي بين الطرفين.

ويمكن هنا القول إن وجود عشر دول أفروعربية تجمع بين عضوية المنظمتين العربية والأفريقية يمكن أن يمثل دافعاً قوياً لمسيرة التعاون، خاصة وأن هذه الدول العشر منها دول رائدة ولها ثقلها العربي ولها وزنها الأفريقي.

كما أنه تجدر الإشارة هنا أيضاً إلى أن نجاح أي تفعيل أو حتى اتصال يتوقف على القدرة على الاستفادة من عوامل النجاح المتاحة، وبلا شك ليست المسألة مظلمة تماماً أو خافتة ساكنة بلا حراك.

ورغم تباين الرؤى.. أيهما أفضل لتفعيل التعاون العربي الأفريقي، فإنه كما ذكرنا من قبل هناك آليات مازالت قائمة وإن توقف عملها تقريباً، ويمكن لها أن تعمل.. وعندئذ نضع تصوراً لعملها ولتأكيد نقاط الفاعلية والالتقاء للتركيز عليها وتنميتها، وللنأي عن نقاط الاختلاف والضعف واستبعادها.

ولعل جامعة الدول العربية في قمتها العادية بعمان في مارس/ آذار 2001 دعت في بيانها الختامي القادة لتدارس مختلف جوانب التعاون العربي الأفريقي، وأكدت مواصلة الجهود لتعزيز هذا التعاون وإزالة عوائقه التي تعترض اجتماعات أجهزته وتعوق تنفيذ برامجه المشتركة. وقد كلفت القمة العربية أمين عام الجامعة أن يجري اتصالات مع نظيره في منظمة الوحدة الأفريقية (سابقا) في هذا الشأن.

وبصفة عامة يمكن القول إنه مهما كانت المداخل وأيا كانت التعاملات في مجالات التعاون العربي الأفريقي، فإن هناك حاجة ضرورية لتنشيطه عبر عدة محددات مشتركة سواء في إطار العلاقات الثنائية أو في إطار التنظيمات الإقليمية أو في أي إطار من الأطر غير الحكومية وما شابهه.

ولعل مدى نجاح هذا التنشيط أو التفعيل يمكن إدراكه عن طريق استشراف المستقبل بعين فاحصة تضع أمامها أيضاً خبرات السنوات الطوال الخالية وما بها من عثرات وكبوات لاستبعادها وتجنبها، وأيضا عوامل نجاح لجذبها وتنميتها، وذلك أمر طبيعي، فاستشراف المستقبل لا يمكن أن يكون رجماً بالغيب أو في إطار أحلام وردية، ولكنه تطلع ورؤى مستقبلية مرتبطة بالواقع، فليس المستقبل منبت الصلة بالحاضر، ويأتي في مقدمات هذا الحاضر تلك المتغيرات الدولية سواء على المستوى العالمي أو الإقليمي.

وأحسب أن ذلك يؤدي إلى قراءة المستقبل بصورة أقرب واقعية وأبعد عن آمال الخيال، وحتى نربط بين القول والفعل وبين الآمال المجردة وإمكانيات التنفيذ المتاحة وبين العقبات الكؤود وإمكانية تذليلها أو بعضها وأدوات التذليل أو الإزالة.

عوامل تحريك التعاون العربي الأفريقي

ولعلي لا أجنح كثيراً في الحلم المرتكز أيضاً على عوامل التحقيق إن جاز التعبير، ولكن هناك نقاط يجب التأكيد عليها لعلها تكون أدوات صادقة في تحريك التعاون العربي الأفريقي.


لا تعاون ناجحا ولا آثار جيدة ولا نتائج يمكن النظر إليها دون أن يأخذ كل طرف بعوامل تقوية ذاته، فليس هناك تعاون بين عجز وضعف

وقبل أن أستطرد في تلك التصورات ولما ستكون أو نأمل أن تكون عليه صورة هذا التعاون فإننا نؤكد أنه لا تعاون ناجحا ولا آثار جيدة ولا نتائج يمكن النظر إليها دون أن يأخذ كل طرف بعوامل تقوية ذاته، فليس هناك تعاون بين عجز وضعف ولعل من أهم هذه التصورات أن دواعي التعاون مازالت قائمة بل أكثر حاجة عن ذي قبل، وبخاصة في إطار المتغيرات الدولية المتعاظمة وعلى رأسها العولمة، ودون الولوج في تفاصيل فإنه يجب استرجاع تلك الدواعي ووضعها على رأس أي قائمة عمل مشترك ونوجزها في التالي:

  • مواجهة ظاهرة العولمة والتعاون معها ومع آثارها بشكل مجمع.
  • مواجهة التخلف الذي يعصف بأكثر من مليار نسمة في العالم النامي، منهم الملايين في أفريقيا، وبخاصة تجاه الجنوب، وليس الفقر وحده هو محدد التخلف، فهناك سمات متعددة للتخلف تتسم بها هذه الدول، والعرب والأفارقة ليسوا بخارجين عن هذه السمات رغم وجود تفاوت نسبي بين هاتين المجموعتين في أمور متعددة.
    وليس بخاف أن ثلثي البلدان الأقل نمواً في العالم من الأفارقة، وأن أكثر من سدس هؤلاء الأفارقة ينتمي للمجموعة العربية، كما أن نسبة الأمية تقدر بـ80% في العديد من الدول العربية والأفريقية، علاوة على أن الموارد المخصصة للبحث العلمي تكاد تكون من الضآلة بحيث لا تفي بالحد الأدنى من أهداف البحث العلمي، ناهيك عن باقي مصادر الثقافة الأخرى، فهي محدودة مقارنة بالتحديث والتطور العالمي.
    ودون أن نعدد مآسي أفريقيا وتدهور حالها وعجزها وفقرها وبنيتها المتهالكة وحتى لا نتهم دائماً بأن جل عملنا هو أن نعدد مآسي القارة، فإننا نكتفي بالقول بأن هناك دواعي اقتصادية وحضارية وثقافية وسياسية ودواعي متعلقة بأمن أفريقيا والعرب تستلزم بالضرورة التعاون الجاد والتدخل في بعض التفاصيل.
  • أن الجانب العربي مطلوب منه في المجال الاقتصادي –على سبيل المثال- أن يجمع عناصر القوة ويعزز من تنظيماته، وهذا التعزيز يمكن أن يأتي في إطار تفعيل السوق العربية المشتركة وخروجها لحيز التنفيذ، فستكون دعامة اقتصادية قوية تتعامل كجماعة، وحتى لو تعامل أعضاؤها فرادى فسوف تتوافر لهم عناصر القدرة الاقتصادية. ذلك أمر حيوي ليس للعرب فقط ولكن للأفارقة أيضاً.

ولعل التجمعات الإقليمية الأفريقية الحالية يمكن أن تحقق شيئاً مما ذهبت إليه، ومن بينها تجمع دول الساحل والصحراء، وعلى سبيل المثال فإن مصر تتمتع بأكبر وزن نسبي في تكوين الناتج المحلي الإجمالي للتجمع (33.5%) وهو من أحدث التجمعات الاقتصادية، ويضم 16 دولة أفريقية منها ست دول أفروعربية.


المصادر المالية للعون العربي لأفريقيا مهددة بالتوقف إن لم تكن تلك حالتها فعلاً، ومن ثم لا بد بداية من تقدير آثار انحسار العون المادي لأفريقيا وتحديد البدائل

كذلك من بين هذه التجمعات السوق المشتركة للشرق والجنوب الأفريقي "كوميسا COMESA" والذي يضم في عضويته 20 دولة من بينها خمس دول أفروعربية تمثل مصر مركز ثقل بمساهمتها بحوالي 50% في تكوين الناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عن تجمع دول غرب أفريقيا "إيكواس ECOWAS"، ويضم أيضاً ثلاث دول أفروعربية، والهيئة الحكومية لتنمية شرق أفريقيا "إيغاد IGAD"، والاتحاد الاقتصادي لأفريقيا الوسطى "ECCAS".. وغيرها من التجمعات.

ولعل الدخول بقوة اقتصادية في إطار التعاون سواء كان الفاعلون دول بمفردها أو في إطار تنظيمي فإن ذلك سوف يعكس قوة المدخلات وتحقيق الأهداف.


وعلى سبيل التفصيل فإنه يمكن التعرف على إمكانيات الاستثمار الصالحة للطرفين مع وضع مسائل النقد والصرف موضع بحث ودراسة للتغلب على مشاكلها.

وهناك مسألة غاية في الأهمية وهي الإدراك الجيد إلى أن المصادر المالية للعون العربي لأفريقيا مهددة بالتوقف إن لم تكن تلك حالتها فعلاً، ومن ثم لا بد بداية من تقدير آثار انحسار العون المادي لأفريقيا وتحديد البدائل.. وهل توجد؟ وفي أي صورة؟. ويرتبط بذلك الأمر ضرورة وضع تصور إستراتيجي يتسم بالثبات كلما أمكن ذلك لتمويل التنمية الأفريقية، ذلك أن الإسهام الذي تم ويمكن أن يتم إنما يأتي في إطار غيبة هذه الإستراتيجية. ولقد كانت المعونات تعطى استجابة لأوضاع خاصة إقليمية وعالمية، ولم تكن نتيجة لتطور طبيعي أو تخطيط.

وكما أشرنا آنفاً فإن هناك أموالا عربية تصب في شركات متعددة الجنسيات، وتفرز صناعات وخدمات تتوجه إلى أفريقيا، وكان يمكن أن يكون التصنيع والتوجيه إلى أفريقيا عربياً أفريقياً مشتركاً بعيداً عن العنصر الأجنبي، وذلك في إطار زيادة حجم الاعتمادات المتبادلة بين الطرفين.

ودون الدخول في توصيات متعددة فإننا نركز على ضرورة الاهتمام بإعمال مبدأ التوزيع العادل لمزايا التعاون، بمعنى اختيار حزمة من مشروعات التعاون في المجالات المختلفة يكون فيها لكل دولة عربية وأفريقية نصيب مع الاستفادة من الثروات والموارد والمزايا النسبية، والخدمات الإنتاجية لكل طرف من أطراف التعاون في خلق تيارات جديدة للتبادل، على أساس من التخصص الأفقي والرأسي في وقت واحد قدر المستطاع.


هناك حاجة لاختيار حزمة من مشروعات التعاون في المجالات المختلفة يكون فيها لكل دولة عربية وأفريقية نصيب مع الاستفادة من الثروات والموارد والمزايا النسبية والخدمات الإنتاجية

كما يمتد مجال التعاون إلى المسح المنظم للموارد الطبيعية بغية تطوير استخدامها وترشيد استغلالها، مع تكثيف التصنيع باستغلال وتسويق ونقل المواد التعدينية والأولية، وتشجيع مشروعات الاستثمار في تلك الميادين.

تفعيل الإطار الحكومي الرسمي
اعتمد التعاون في المرحلة السابقة على الإطار التنظيمي الحكومي الرسمي، وكان يمكن أن يكون أكثر نشاطاً وشباباً لو أنه اعتمد أيضاً وبدرجة معقولة على المنظمات الشعبية غير الحكومية واستفاد من الخبرات الأكاديمية في إطار الجامعات وغيرها، ومن المؤسسات الاقتصادية والتجارية، وذلك دون شك يضفي البعد الشعبي على التعاون وهو بعد مهم ومطلوب بصفة عامة في جميع مجالات التعاون.


وبصفة عامة فإن النظرة المتأنية لمستقبل التفاعل أو العلاقات أو التعاون الاقتصادي العربي الأفريقي لا بد أن تأخذ في الاعتبار ما وصلت إليه الأوضاع الاقتصادية لكل طرف، وأن أي تحسين أو تفعيل على الجانب العربي والأفريقي إنما يتطلب تغيرات ضخمة في الهياكل الاقتصادية والأطر المؤسسية في اتجاه خلق درجة من التكامل بين اقتصاد الطرفين، بما يحقق صوراً للمصالح المتبادلة.

ولعل هذا ما يذهب إليه البعض من المفكرين وأصحاب الرأي للقول بأنه في إطار تلك التوجهات والإصلاحات فإن الفرصة تكون سانحة لإقامة سوق عربية أفريقية تغذيها فرص التكامل بين الثروات الأفريقية ورؤوس الأموال العربية وأحسب مرة أخرى أن تلك آمال وإن كانت ليست بعيدة للغاية.

الاهتمام بالبنية الأساسية
افتقرت مجالات التعاون لبعض المشروعات ذات البنية الأساسية والمهمة في الهياكل الاقتصادية بصفة عامة، مثل المواصلات والنقل بكافة أنماطه، ولا شك أن العمل على إزالة عوائق الاتصال إنما ينمي ويعزز الروابط ويسهم إسهاماً حيوياً في تنمية الهيكل الاقتصادي وتنشيطه، ويعكس الشروط الأساسية لنجاح التعاون سواء في المجال الاقتصادي أو غيره من المجالات الأخرى.


هناك قناعة أفريقية وعربية بتواضع ما حققه التعاون مقارنةً بالأهداف الطموحة

ملاءمة المتغيرات الدولية
وفي المجال السياسي فإن هناك بعض النقاط يستلزم الأمر الاهتمام بها، ومنها وضع تصور إستراتيجي لبناء علاقة خاصة ومتميزة بين الجانبين مع وضع أولويات واضحة وأهداف متجددة لتتلاءم طبيعة المتغيرات التي تزامنت مع فترة ميلاد وتأسيس التعاون، ذلك أن هذا التصور الإستراتيجي المطلوب غاب في الواقع عن خريطة العلاقات العربية الأفريقية، كما أن أجهزة التنفيذ والمتابعة ضعيفة واهنة إن لم تكن قد اختفت تدريجياً.

ويمكن في هذه الخصوصية تعديل ميثاق القاهرة بحيث يتلاءم مع الممكن تحقيقه بوضوح، وكذلك يتماشى مع المتغيرات، وبحيث تكون هذه الأهداف والغايات متجددة وليست نظرية ثابتة.

النأي عن الخلافات الإقليمية
يجب أن تنأى أطراف التعاون بمسيرة التعاون وديناميكيته عن تلك المشكلات والخلافات الإقليمية الدائرة في إطار الجامعة العربية أو في إطار منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي) وبصفة خاصة تلك المنازعات العربية الأفريقية التي لا تجد إلا الساحة الأفريقية لتفرض نفسها عليها، الأمر الذي أثار ضيق الأفارقة.

كما يجب أن يتخلص طرفا التعاون من الحساسيات المفرطة والادعاءات الذاتية بأن كل طرف أو بعض الدول داخل الطرف هي التي تملك ما يؤهلها لرعاية التعاون.

الخروج من الإطار الحكومي إلى الشعبي
يجب ألا يزيد التشاؤم من وجود علاقات ثنائية في إطار التعاون تفرض ذاتها أكثر من العلاقات الجماعية، فتلك سمة العلاقات السائدة في العالم كله تقريباً. وليس في أفريقيا فحسب، وإن كان من المفضل بذل الجهود حتى يتحقق مزيد من التعاون على المستوى الجماعي، وحبذا لو لم يقصر نفسه فقط داخل الإطار الحكومي وخرج إلى الإطار الشعبي بالمفهوم الواسع والمتخصص، أي عبر النقابات والهيئات والغرف التجارية ومؤسسات الإعلام والتعليم، حيث يتوافر قدر من الحرية قد لا يتوافر لبعض النظم والحكومات.

فضلاً عن أن هذه التجربة حققت بعض النجاحات كحالة المعرض التجاري العربي الأفريقي الذي يعقد دورة كل ثلاث سنوات مرة في عاصمة أفريقية ومرة أخرى في عاصمة عربية.

وإن كنت أعتقد أن هذا التشجيع لمؤسسات العمل والنشاط المدني يجب ألا يكون على إطلاقه أو على عواهنه خاصة إن كانت تمول تمويلاً أجنبياً، وأيضاً مع إدراك أن هذه المؤسسات مازالت ضعيفة وتحتاج تعضيدا وصمودا.

الاهتمام بالتعاون الأمني القومي
وتجدر الإشارة إلى ضرورة إعطاء أهمية بالغة للبعد الأمني القومي للتعاون، فالمصالح الأمنية بين الطرفين مشتركة بصورة واضحة وإن غابت تماماً -رغم ذلك- أي إستراتيجية سواء أكانت واضحة أو باهتة حتى داخل كل طرف.

ومهما قيل عن أن التدخل الأجنبي الذي قد يهدد هذا الأمن موجود ومفروض على هذه الدول، فإن وضع اتفاق محدد في إطار إستراتيجية واضحة وأهداف متجددة تتلاءم مع المتغيرات الدولية يمكن أن يحد على الأقل من تزايده إن لم يضعفه، وقد يأتي ذلك عن طريق تنظيمات أمنية يرتبط بها الطرفان.

تنشيط التبادل الثقافي
وفي المجال الثقافي والإعلامي تأتي بعض التصورات المرتبطة بإمكانية استغلال قدرات بعض الدول العربية سواء على مستوى جماعي أو على المستوى الثنائي في تدعيم التعاون الثقافي تحت إطار قاعدة مدروسة وخطة واضحة، خاصة وأن المعونة العربية الوحيدة التي لها هوية قومية هي الثقافة العربية، مع الوضع في الاعتبار أيضاً أن هناك مصادر أجنبية تمول المد الثقافي الخاص بها داخل دول أفريقيا، وقد تحقق إنجازات كبيرة إن لم يكن هناك تصد عربي مدروس بحيث يعكس أبعاد قوته لا وهنه وعجزه.

نشر اللغة العربية
تجدر الإشارة أيضاً إلى ضرورة التركيز على نشر اللغة العربية في الدول الأفريقية خاصة وأنها حملت في فترة من الفترات إلى أفريقيا، وعن طريق الإسلام الذي يعد دعماً للعلاقات العربية الأفريقية، شريطة أن يكون القائمون من العرب على شؤونه في الدول الأفريقية من العالمين بظروف أفريقيا والدارسين لأحوالها والعارفين بطبيعة شعوبها.

ويمكن في هذا المجال أن يستفاد من خطط المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الهادفة إلى إقامة تعاون ثقافي متبادل في كلا الاتجاهين في إطار أمين وصادق.

كما يجب التنبيه إلى أن مجال نشر الثقافة العربية ليس قاصراً على اللغة العربية فحسب، فإنه يمكن بصفة سريعة ترجمة الأعمال العربية إلى لغات تجيدها أفريقيا كالإنجليزية والفرنسية وأن تكون هذه كمرحلة وليست بديلاً عن العربية.

التعاون الإعلامي
كذلك التركيز على إبراز الخبرات الفنية والإعلامية لدى طرفي التعاون، والعمل على تهيئة المناخ لها لممارسة أنشطتها لإمكان التعرف على عملها والاستفادة منه في تعضيد المجال الفني والإعلامي. ويمكن في هذا الإطار دعم الإنتاج المشترك في مجال السينما والتلفزيون. وفي إطار مشروعات وبرامج تدعم المآثر والقيم المشتركة.
وتنشيط التبادل الثقافي في مجال إدخال مقررات دراسية عربية في الجامعات الأفريقية، والعكس في الجامعات العربية، وذلك في مجال الدراسات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية مع تبادل البحوث والمطبوعات وتبادل الزيارات وأعضاء هيئات التدريس مع فتح قنوات علمية مع الجامعات والكليات المناظرة على الجانبين.

وفي مجال الإعلام أيضاً يمكن تنمية التبادل الإعلامي بين وكالات الأنباء العربية والأفريقية، مع مساعدة الدولة الأفريقية على تكوين وكالات أنباء وصحف محلية يمكن أن تصدر بلغات أفريقية وأيضاً عربية، مع بحث إمكانية زيادة أعداد المكاتب الإعلامية والثقافية العربية في القارة الأفريقية.

وليس من نافلة القول تأكيد أهمية المحور الثقافي، ولكن من ضرورات الاهتمام وضرورات القول أن يعطى البعد الثقافي أهمية بالغة، ولعلنا لا نكون مبالغين في جلد الذات عندما نعترف نحن العرب بأننا مقصرون في التعاون الثقافي والإعلامي مع أفريقيا. وكما يشير الدكتور أحمد يوسف القرعي أن وزراء الإعلام الأفارقة اجتمعوا في القاهرة عام 1990 للاتفاق على نظام للتعاون الإعلامي بين الدول الأفريقية وحتى الآن لم تتخذ خطوات في هذا المجال تحقق ما هدفوا إليه، والجميع يدركون جيداً أهمية البعد الثقافي والإعلامي.

وإن كانت هذه التصورات أو حتى التوصيات قد كشفت في طياتها عن كثير من جوانب العجز في مسيرة التعاون العربي الأفريقي، فإن ذلك ليس بمستغرب، فهناك قناعة أفريقية وعربية بتواضع ما حققه التعاون مقارنة بالأهداف الطموحة، غير أن هناك آمالاً كبيرة في أن تحقق مجالات التعاون إنجازات أكبر، فلدى الأطراف إمكانيات ومقومات وركائز تعين هذا التعاون وتؤيده.

المهم هو التوازن بين الكلمة والفعل، وبين القول والتنفيذ والتعامل في إطار ضوابط حضارية كاملة لا يفتقر إليها الأصل العربي والأفريقي كثيراً المهم هو أن نبدأ بالفعل حيث إنه أصدق إنباء من القول كما عبر أستاذنا الدكتور عبد الملك عودة آخذاً عن الشاعر العربي أبي تمام الطائي السيف أصدق إنباء من الكتب.

_______________
أستاذ العلوم السياسية، جامعة الزقازيق.
المصادر:
1- د. عبد الملك عودة، "نظرة إستراتيجية مستقبلية للعلاقات العربية الأفريقية"، مجلة شؤون عربية، عدد 103، سبتمبر 2000، ص ص 84 – 86.
2- د. أحمد يوسف القرعي، "مصر ومسؤولية الدعوة للقمة العربية الأفريقية"، مجلة السياسة الدولية، عدد 144، أبريل 2001، ص 130.
3- د. فرج عبد الفتاح، "إمكانات التعجيل بتنفيذ الجماعة الاقتصادية الأفريقية في ظل الاتحاد الأفريقي"، في: د. محمود أبو العينين (محرر)، الاتحاد الأفريقي ومستقبل القارة الأفريقية، القاهرة: معهد البحوث والدراسات الأفريقية، مركز البحوث الأفريقية، 2001، ص ص 284- 287.
4- د. عبد الملك عودة، د. أحمد الرشيدي، تجمع دول الساحل والصحراء، سلسلة دراسات مصرية أفريقية رقم1، القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، برنامج الدراسات المصرية الأفريقية، أغسطس 2001، ص 10.
5- د. إبراهيم شحاتة، "مستقبل المعونات العربية"، مجلة المستقبل العربي، عدد 16، ص 67 – 82.
6- د. مصطفى عبد العزيز، التصويت والقوى السياسية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بيروت: مركز الأبحاث، 1968، ص 205 - 227.
7- عبد العزيز المنصور، "العلاقات الاقتصادية العربية الأفريقية"، مجلة معلومات دولية، عدد 61 صيف 1999، ص 84.
8- د. عبد الله الأشعل، "نحو إطار جديد للتعاون العربي الأفريقي على مشارف القرن الجديد" في ندوة العلاقات العربية الأفريقية، جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، 1998، ص 402 – 403.
9- د. عبد الملك عودة، تقويم تجربة التعاون العربي الأفريقي"، مجلة المستقبل العربي، عدد 53 يوليو 1983، ص 82.
10- على أبو سن، في تعقيبه على البحث السابق مباشرة، ص 81.
11- د. إبراهيم صقر، في تعقيبه على بحث أحمد يوسف القرعي، "حيز الاهتمام العربي السياسي الفعلي بأفريقيا" في: العرب وأفريقيا، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1984 ، ص 311.
12- د. محمد عمارة، في مداخلته لبحث د. عبد الله الأشعل، مرجع سابق، ص 412.
13- د. أحمد يوسف القرعي، "مصر ومسؤولية الدعوة للقمة العربية الأفريقية"، مجلة السياسة الدولية، عدد 144، أبريل 2001، ص 132.
14- د. طه حسن النور، "العلاقات الثقافية بين العرب والأفارقة" مجلة شؤون عربية، عدد 12 ، فبراير 1982، ص 161.
15- مجدى حماد، "مؤتمر القمة الأفريقية العربي الأول"، في: د. محمود خيري عيسى (محرر)، العلاقات العربية الأفريقية، 1978، ص 429 –433.
16- يحيى عبد المبدئ، "العلاقات الثقافية العربية الأفريقية" مجلة معلومات دولية، مرجع سابق، ص 49.