أهالي دارفور ضحايا المصالح السياسية (رويترز-أرشيف)

بقلم: د. طارق الشيخ

التجمع والأزمة
المؤتمر الشعبي والأزمة
حزب الأمة ودارفور

تعيد الأحداث الجارية في إقليم دارفور طرح الأزمة السياسية الشاملة في السودان وبصورة أكثر حدة وفي وقت يتابع فيه كل المجتمع الدولي عن كثب ما يجري هناك. فالصراع في دارفور عنوان واحد لأحد أوجه أزمة مترابطة. ولخطورة الوضع في دارفور وما قد يتمخض عنه من عواقب تمس أمن كل السودان، فقد أظهرت القوى السياسية السودانية -على اختلافها- اهتماما كبيرا بما يدور هناك.

ومن المؤكد أن القضية التي كانت تطرح نفسها على خلفية الصراع القبلي التقليدية على الماء والمرعى، أصبحت مع تراكم الأخطاء في شكل التعاطي معها من جانب حكومة الخرطوم وفي ظل جاذبية مغرية أفرزتها اتفاقية السلام بينها وبين الحركة الشعبية لتحرير السودان.. أصبحت تطرح كقضية سياسية إثنية معقدة.

فالقضية أصبحت مطروحة في جانب منها كقضية صدام عرقي وقبلي مسلح. وتحت وطأة التدخل السياسي والعسكري من جانب الدولة اتخذت شكلا من أشكال العنف ومن ثم الاستقطاب الحاد بين العناصر الإثنية المكونة للإقليم مما بات يهدد بتفجر الموقف في كل دارفور. الاستقطاب الحاد والعمل المسلح من جانب الدولة قاد إلى بروز كيانات سياسية مسلحة ممثلة في تنظيمين رئيسيين هما حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة.

وكمحصلة أولية لما يجري هناك تحولت القضية من عرقية إثنية إلى حركة سياسية مطلبية، ومن قضية داخلية سودانية إلى قضية إقليمية ودولية. وسوف أحصر تناولي للقضية عند مواقف القوى السياسية الرئيسية في السودان والتي أبدت قلقا وانزعاجا كبيرا من أحداث دارفور، انعكس في الحيز الذي شغلته الأحداث هناك في أدبياتها وفي مؤتمراتها عند التجمع الوطني الذي يجمع كل الطيف السياسي وحزب الأمة بقيادة الصادق المهدي والمؤتمر الشعبي الذي يقوده د. حسن الترابي.

التجمع والأزمة


مطالب التجمع: وقف إطلاق النار وتصفية الجنجويد ومحاكمة قادتها والتحقيق في جرائم الحرب وإعادة تأهيل القرى المدمرة وتنظيم حملة واسعة لاستقطاب الدعم الإنساني لإغاثة المتضررين

في أجندة الاجتماع الأخير لهيئة القيادة العليا للتجمع الوطني الديمقراطي الذي يضم القوى المعارضة للحكومة السودانية، احتلت قضية دارفور المرتبة الثالثة ضمن أربع نقاط بحثها الاجتماع الذي عقد في أسمرا (14-22 يوليو/ تموز الماضي).

في هذا الاجتماع شاركت حركة تحرير السودان من دارفور لأول مرة في اجتماعات التجمع. وعند عرضه لبروتوكولات نيفاشا وهي النقطة الأولى المدرجة في أعمال الاجتماع، توقف قائد الحركة الشعبية جون قرنق معبرا عن أسفه للأوضاع المتردية في دارفور وداعيا إلى "تسوية سياسية عادلة وعاجلة للأزمة".

وأشار قرنق في ذات الوقت إلى أن اتفاق نيفاشا قد نجح في تحديد المعالم الرئيسية لأهداف التجمع والمتمثلة في إنهاء الحرب وإحداث التحول الديمقراطي وخلق نظام لامركزي ينقل السلطة من المركز إلى الولايات بصورة تنتهي معها ظاهرة التهميش الذي يعد سببا مباشرا يذكي نار الحرب.

ويمضي قرنق في شرح رؤيته "إن تقليص هيمنة المركز تمثل عاملا مهما لوقف الحرب في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق.. ويمكن توسيع ذلك ليشمل بقية القطر". وأهمية هذا الحديث أنه يتناول الوضع في المناطق المهمشة التي يكثر الحديث عنها في السودان بما في ذلك دارفور.

وخرج الاجتماع بعدة مطالب أهمها احترام وقف إطلاق النار بين الحكومة وحركة تحرير السودان وتصفية مليشيات الجنجويد وتجريدها من السلاح فورا وتقديم قادتها للمحاكمة -على أن يتم ذلك بإشراف دولي- والتحقيق في جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وتحديد المسؤولين عنها وتقديمهم للمحاكمة، وإعادة تأهيل القرى التي دمرت وإعادة سكانها إليها وتعويض المتضررين، ثم تنظيم حملة تعبئة واسعة إقليمية ودولية لاستقطاب الدعم الإنساني لإغاثة المتضررين وخاصة من المحيط العربي والإسلامي.

المؤتمر الشعبي والأزمة


يوجه المؤتمر الشعبي نقدا شديدا لشركاء الأمس في السلطة، فالسياسة القمعية التي سلكتها الحكومة في علاج القضية -حسب حزب الترابي- هي التي أدت إلى هذا الواقع المأساوي

لا يختلف موقف التجمع في مجمله عن الوجهة التي ذهبت إليها الأحزاب والتجمعات السياسية الأخرى، إذ يرى المؤتمر الشعبي بزعامة الترابي أن الحكومة تبنت خطة تنقل بموجبها الآلة العسكرية من الجنوب بعد توقيع اتفاق السلام إلى دارفور ومناطق الصراع الأخرى "المناطق المهمشة" في غرب السودان وشرقه، وترى من ذلك "لامبالاة وعدم جدية".

ويوجه المؤتمر الشعبي نقدا شديدا لشركاء الأمس في السلطة ويقول في بيانه حول الأزمة إن السياسة القمعية التي سلكتها الحكومة في علاج القضية هي التي أدت إلى هذا الواقع المأساوي. وتكاد تتطابق مطالبه لحل الأزمة مع بقية الأحزاب في التجمع وحتى حزب الأمة، وذلك من زاوية المطالبة بالحريات السياسية وإشراك القوى السياسية الأخرى في حل القضية والإصلاح والتعويض للمتضررين.. إلخ.

مسلحون من حركة العدل والمساواة

ويقول في هذا الصدد د. خليل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة التي تعد من روافد المؤتمر الشعبي بحسب تصنيف القوى السياسية السودانية، إنهم "حركة ضد التهميش وهيمنة مجموعات بعينها على السلطة والثروة في البلد"، وإنهم كحركة يقفون مع وحدة السودان.

ويمضي إبراهيم إلى أكثر من ذلك بقوله "نحن ضد مبدأ تقرير المصير" الذي يعتبره خطرا على وحدة السودان. ولذلك نجد أن البيان المشترك الذي صدر عقب اللقاء النادر بين العدل والمساواة ومسؤولي الحزب الشيوعي السوداني، حرص على تناول الأزمة السياسية في السودان عامة دون التركيز على خصوصية الوضع في دارفور باعتباره انعكاسا لحالة عامة "الاتفاق على برنامج للإجماع الوطني يعيد بناء السودان على أسس جديدة تراعي تحقيق اللامركزية الواسعة وتضمن الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمشاركة العادلة في السلطة المركزية".

حزب الأمة ودارفور


حزب الأمة يدعو إلى الاعتراف بالأخطاء السياسية كالخلل في التوازن التنموي وتسييس الجهاز الإداري الأهلي وتحويلهما إلى ذراع حزبي وأمني

ولا يكاد حزب الأمة يختلف عن بقية الأحزاب والقوى السياسية من حيث إدانته للوضع المتردي ورفضه أسلوب العنف والتصعيد العسكري وتأييد الإصلاح الجذري.

ويجمل حزب الأمة المطلوب عمله لمواجهة الوضع بدارفور في عدة نقاط أبرزها دعوته للاعتراف بالأخطاء السياسية من الخلل في التوازن التنموي وتسييس الجهاز الإداري الأهلي وتحويلهما إلى ذراع حزبي وأمني، وكذلك التفريط في مسألة التسليح والتدريب مما أدى إلى الانفلات الأمني، وعدم التصدي للفساد كظاهرة.

ويدعو حزب الأمة إلى التسليم بحقائق موضوعية مثل الحقوق المشروعة للمزارعين والرعاة مع ضرورة الحياد وكفاءة الإدارة المدنية والأهلية، ويذهب لحد الدعوة إلى إعفاء حكام الولايات الحاليين وتعيين ولاة جدد من ذوي الكفاءة، والدعوة إلى مؤتمر جامع يمثل كل القوى السياسية التي كانت ممثلة في الجمعية التأسيسية المنتخبة عام 1986 وكذلك القوى التي أفرزتها المقاومة المسلحة للنظر في قسمة السلطة المركزية كأساس للتوازن لكل السودان.

عبد الرسول النور
هذا إلى جانب كيفية إزالة آثار ثقافة العنف ومشروع نزع السلاح وإعادة الانضباط، ووضع خارطة استثمارية تعالج صراع الموارد.

ويرى السيد عبد الرسول النور القيادي في حزب الأمة إن الحل السوداني لمشكلة دارفور هو الأنسب الذي يمكن بلوغ هدفه عبر وسطاء "مثل دخول العقيد معمر القذافي بثقله الأفريقي.. ومعرفته بأطراف النزاع وتأثيره على بعضهم". بينما يرى عدم وجود جدوى للتدخل الأجنبي لحل الصراع الخامس على مستوى العالم.

وبصورة عامة تكاد تتفق الأحزاب السياسية في السودان في إلقاء تبعة الأزمة على الحكومة السودانية، ونجدها تتفق على أن مشكلة دارفور قضية سياسية تتطلب حلا سياسيا يصبح ممكنا عبر مؤتمر قومي جامع يضم كل القوى السياسية وأهل دارفور، والاستفادة من مبادرات سكان الإقليم التي تجسدت في 25 مبادرة متنوعة.

كما أن هناك اتفاقا على تكوين لجنة لتقصي الحقائق حول كل الجرائم التي ارتكبت في دارفور وتقديم الجناة للمحاكمة، وأن يضع المؤتمر العام خطة لتدارك الوضع في دارفور تلتزم الحكومة بتنفيذها وبالسرعة المطلوبة، وإعادة النازحين من داخل وخارج السودان إلى ديارهم مع توفير الحماية لهم، ونزع سلاح الجنجويد وكافة المليشيات، وإعادة إعمار البنى التحتية بالإقليم والتي دمرتها الحرب، وتعويض المتضررين عن الممتلكات وما لحق بهم من أضرار.

مجمل القول إن أزمة دارفور قد عكست جوانب الأزمة السياسية في السودان بكل مكوناتها الأساسية والمتمثلة في السلام والوحدة والديمقراطية والهوية ونظام الحكم واقتسام الثروة.
_________
كاتب سوداني