*بقلم/ عبد العزيز الخميس

بدأت العلاقة بين التيار السلفي وأتباع المذهب الشيعي بالتوتر بعد مؤتمر الأرطاوية الذي عقد عام 1926 الذي اجتمعت فيه قبائل الإخوان السلفية كبداية حركتها ضد الإمام (الملك فيما بعد) عبد العزيز، منكرين عليه تصرفات عديدة منها تنصيب نفسه ملكا، لأن الإسلام يحرم الملكية، ومنها استخدامه السيارات والتلغراف والتلفون لأنها من أعمال السحر، ومنها أيضاً سكوته على شيعة الأحساء والقطيف وتقاعسه عن فرض الإسلام "الصحيح" عليهم (البند العاشر).

الفتوى بشأن الشيعة

عبد العزيز الخميس
وأحال الملك عبد العزيز بعد ذلك بحوالي سنة في مؤتمر الرياض في يناير/ كانون الثاني 1927 مطالب الإخوان إلى العلماء طالبا الإفتاء في شأنها، فأفتوا فيما يتعلق بالشيعة على عبد العزيز أن يلزمهم البيعة على الإسلام "الصحيح"، وهو ما شرحه كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويمنعهم من "إظهار شعائر دينهم الباطل"، ويمنعهم من جملة أمور أخرى منها زيارة المشاهد (كربلاء والنجف). وكذلك تهدم أماكنهم "المبنية لإقامة البدع في المساجد وغيرها، ومن أبى قبول ما ذكر ينفى من بلاد المسلمين".

لم ينفذ الملك عبد العزيز من بنود الفتوى إلا منع الشيعة من ممارسة العزاء الحسيني علانية، وقام بهدم ما نصب على القبور في مقبرة البقيع بالمدينة المنورة وغيرها من المقابر التي يراها الشيعة مقدسة. أما إجبار الشيعة على التسنن فقد اصطدم بظروف المملكة الوليدة وعلاقاتها الدولية، خاصة وأن البريطانيين كانوا يرفضون الذهاب إلى مدى أبعد في الرضوخ لمطالب الإخوان. كما أن الملك عبد العزيز عزم أمره على مواجهة قبائل الإخوان في حرب حشد فيها وراءه حضر البلاد وبعض القبائل. ولقد نجح في مهمته مما أراح صدور الشيعة من خطر استئصالي قادم، لكنهم بقوا تحت سلطة قرارات أبرزها منعهم من ممارسة شعائرهم.

ولعل من نافلة القول أن هناك سببا اقتصاديا وراء ذلك، هو أن الشيعة يقطنون في مناطق غنية وزراعية، واعتبرت الأحساء بأنها سلة غذاء الجزيرة العربية لتوفر الماء بكثرة، هذا جعل من الملك عبد العزيز يتنبه إلى أن خراج المناطق الشيعية يمنعه من الولوغ في عمل عدائي قوي، خاصة أن الشيعة كانوا عند التزامهم بدفع الخراج على أكمل وجه.

لم تتوقف معركة السلفيين مع الشيعة عند التزام الملك عبد العزيز بسلامتهم نتيجة مواثيق ملزمة وقعت من قبل حكام من الأسرة المالكة سبقوا الملك عبد العزيز، بل استمرت في عهد أبنائه حيث واجه الشيعة مضايقات من قبل أجهزة الأمن التي تمتلئ بممثلي التيار السلفي. ولقد استعمل التعسف والقسوة ضد الشيعة من قبل النظام لإثبات أنه حريص على السلفية والدين الحق ولإثبات حسن نواياه تجاه هذا التيار القوي.

من جانبه كان التيار السلفي معاديا إلى درجة كبيرة يقوده في ذلك إيمانه بخروج الشيعة عن السنة، والتزام هذا التيار بطاعة ولي الأمر التي تتعارض مع المبادئ الشيعية الثورية التي تؤمن بالإمام الغائب لا الحاضر والحاكم. ومع تطور وتنوع فروع التيار السلفي بدأت أفرع منه ترى إمكانية التعايش مع الشيعة في المملكة على أن يكونوا على مرتبة تقارب مرتبة الذميين، لكن السواد الأعظم من السلفيين مؤمن بالاختلاف المذهبي ويعترف بأن الشيعة مذهب آخر لكنه مجبر على التعامل بطريقة تتجاهل وجود الشيعة.

الورقة الشيعية


رغم بلوغ عدد أفراد العائلة المالكة السعودية سبعة آلاف فإنك لا تجد لأحد من أفرادها اسم "علي" أو "حسين" أو "حسن"
لقد عانى السلفيون من علاقتهم بالسلطة الزمنية، فهم مضطرون إلى التعاون معها نتيجة للاتفاق التاريخي بين مؤسس العائلة المالكة محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب الأب الروحي للسلفية، وبدأت العلاقة تتوتر بعد أن أحس السلفيون أن الطرف الآخر وهو العائلة المالكة تنحو منحى لإقامة سلطة سياسية عصرية تقلص من نفوذ التيار السلفي، وبدأ الطرفان يستعمل أوراق لعب مختلفة من بينها الورقة الشيعية، ولقد كانت حرب "السبلة" هي الفاصلة بين إقامة دولة عصرية وبين ثنائية السلطة، حيث انهارت القوة العسكرية السلفية، لكنها لم تلبث أن استعادت بعض نفوذها بعد أن قدمت تنازلات للسلطة السياسية منها تغاضيها عن مطالب عديدة، لكنها لا تلبث أن تعيد الكرة وتطرح أوراقا جديدة أو تستذكر القديم من الأوراق كالورقة الشيعية.

استعمل السلفيون سنة 1925 الشيعة في صراعهم مع السلطة السياسية حين طالبوا بمنع شيعة الأحساء من أداء العبادات العلنية، وإجبارهم على المثول أمام كبار هيئة العلماء، وأن يأمرهم بقطع الدعاء لآل البيت وإبطال الاحتفال بذكرى ولادة ووفاة النبي محمد(ص) وعليّ، وكذلك طالبوا بأن يمنعهم من زيارة المناطق المقدسة لدى الشيعة مثل كربلاء والنجف، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك بحيث طالبوا أن يحملهم على تدريس مؤلفات محمد بن عبد الوهاب، والأمر بهدم معابد الشيعة في الأحساء.

واجه الملك عبد العزيز هذه المطالب بالرفض ثم بحربهم في معركة السبلة. بعد تلك المعركة الشرسة لملم السلفيون جراحهم وانغرسوا في رمال نجد الساخنة وتوزعوا بين بيوت القرى النائية ليعيدوا ترتيب أمورهم ويلملموا جراحهم، ولم تنقض مدة طويلة حتى عادوا إلى ساحة المعركة بأساليب جديدة منها التشبث بالمطالب التي تخص الشيعة لكن مع تخفيف لها، فلا قتل ولا استئصال بل مقاطعة وتعنيف وتكفير، مع مراعاة أن ولي الأمر أي السلطة السياسية هي المكلفة أمام الإله تنفيذ الأحكام الربانية، وهذا يعني أن السلفيين تركوا مهمة تنفيذ الأحكام لولي الأمر، فأراحوا صدورهم من هم أثقلهم وهو الاتهام بالتقصير عن تنفيذ السنن والأوامر الدينية.

ينطلق السلفيون المعاصرون في حكمهم على الشيعة من حكم الشيخ عبد العزيز بن باز الذي عدهم في فتوى له أصحاب شرك أكبر، وبالتالي فمشكلة السلفية مع الشيعة مشكلة خلاف على التوحيد. فالسلفية تعتبر الشيعة مشركين لزيارتهم وتعظيمهم القبور وهذا -بقولهم- من الشرك. وأدى الخلاف الشرس بين الطرفين إلى تكفير كل طرف الآخر.

تشبث معظم السلفيين بمنطق شيخهم ابن باز في حين رد الشيعة على ذلك بتكفير السلفيين واعتبارهم قوما مارقين لا يتبعون سنة الرسول الداعية إلى محبة آل البيت وحقهم السياسي. لكن السلفيين يرون أن ولي الأمر هو مالك الحق الرئيسي في التعامل مع الشيعة، وأنهم يمكن أن يقبلوا بسياسته المهادنة للشيعة تبعا للضرورات السياسية وحق ولي الأمر المقدس في اتخاذ ما يراه صالحا للأمة.

لكن من المفيد للحقيقة ذكر أن هناك تناقضات كثيرة في الموقف السلفي، فبعضهم يعتبر ما يقوم به الشيعة من توسل عند القبور شركا أكبر في حين يعتبره البعض الآخر منهم بدعة لا شركا. ولم يحل هذا الموضوع رغم تدخل الشيخ ابن باز واعتباره الشيعة مشركين.

كان للتماس الكبير والجوار بين نجد ومناطق يكثر فيها الشيعة دور في تعاظم الصراع السلفي الشيعي، بل إن نجد كانت قبل بزوغ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب موطنا لممارسات شيعية اثنا عشرية وزيدية (كان النجديون يتوسلون عند قبر زيد بن الخطاب الذي قتل في معارك المسلمين مع المرتدين قرب قرية الجبيلة شمال الرياض)، ويمكن للمراقب أن يرى كثرة استخدام أسماء علي وحسين وحسن في نجد وتقلص ذلك مع تزايد النفوذ السلفي، وقد تستغرب حين لا ترى في العائلة المالكة السعودية -رغم بلوغ عدد أفرادها سبعة آلاف- اسم علي أو حسين أو حسن لأحد من أفرادها.

اختلط الصراع السلفي الشيعي بظروف إقليمية واختلافات مذهبية كان من السهل تفهمها لو أتيح نصيب للحوار غير المتشنج، لكن الطرفين رفضا إلا أن يعتبرا نفسيهما خليفة الله على أرضه والفرقة الناجية، فأصيب كثيرون بشظايا هذه المعارك التي لن تنتهي قريبا.

ليس الشيعة فقط


الحل يأتي عندما يشعر كل مواطن -بغض النظر عن معتقده وعرقه وجنسه- أن الوطن له وأن كرامته مصانة وحريته مضمونة
يذهب محللون وخبراء إلى القول إن مشكلة الأقليات في المملكة تتركز في ما يعانيه الشيعة في المنطقة الشرقية من تصرفات تذهب إلى انتزاع حقهم في التعبير عن معتقداتهم، لكن المشكلة لا تنحصر في هؤلاء فقط فالمملكة العربية السعودية متنوعة وفيها من المذاهب الأخرى مثل الإسماعيلية والطرق الصوفية مثل النقشبندية ناهيك عن المالكية والحنفية والشافعية والزيدية.

لكن نبرة الإخوة من شيعة الشرقية هي الأعلى في المطالبة بحقوقهم نتيجة لارتفاع مستوى تعليم ومعيشة نسبة لا بأس بها منهم، ولا أبتعد إذا قلت إن ما يعانيه هؤلاء هو نفسه ما يعانيه غيرهم من مواطني المملكة، حيث يفتقر الجميع لحرية التعبير والإرادة وتضطر الأغلبية إلى التسليم واتباع ما يطلب منه من قبل الظلاّم، في حين يقاوم الشيعة في الشرقية والإسماعيليون في نجران لأنهم أكثر اطلاعا وتواصلا مع إخوتهم في المذهب خارج المملكة، ولإيمانهم بأن لهم حقا في أن يتمتعوا بحقوق المواطنة وواجباتها، وأهم حقوقها الحق بممارسة الحرية الدينية.

إن معاناة الشيعي من القمع لا تختلف عن معاناة المرأة السعودية من الحرمان والرجل السعودي من الاضطهاد. والحل لا يأتي من معالجة النتائج بل هو في التوجه لحل المعضلة الرئيسية وهي غياب التسامح والمشاركة السياسية والنقص في حقوق الإنسان، وبعد أن يشعر كل مواطن -بغض النظر عن معتقده وعرقه وجنسه- بأن الوطن له وأن كرامته مصانة وحريته مضمونة، يمكن لنا أن نتحدث عن التفريعات، ومنها مشكلة الطائفة الشيعية في المملكة.
ــــــــــــــــ

* المشرف العام على المركز السعودي لحقوق الإنسان