أعضاء مجلس الحكم الانتقالي عقب أول اجتماع لهم بعد قرار التشكيل

محمد السيد غنايم

يأتي يوم التاسع من أبريل/ نيسان 2004 الذي يوافق ذكرى انقضاء عام على سقوط بغداد واحتلال العراق، متزامنا أيضا مع مرور حوالي تسعة أشهر على إنشاء مجلس الحكم الانتقالي العراقي.

وفور الإعلان عن تشكيل هذا المجلس أثيرت بشأنه تساؤلات عن شرعيته وتوجهاته وصلاحياته، ومع اقتراب موعد تسليم السلطة للعراقيين ظهرت تساؤلات أخرى عن قراراته وأبرز أدواره في الفترة المنصرمة، كما تحدث البعض عن سيناريوهات وجوده في المستقبل.

ظروف النشأة
الشرعية
إشكالية الاختيار
الموقف العربي والدولي
اختصاصاته وصلاحياته
أبرز أدواره في الفترة المنصرمة
سيناريوهات المستقبل

ظروف النشأة


وجد الاحتلال المخرج من المأزق الحرج في العراق بعد احتلاله، في عدة إجراءات كان أبرزها ضرورة تقاسم الأعباء السياسية والأمنية مع العراقيين في الداخل

واجهت سلطة الاحتلال بقيادة الولايات المتحدة في العراق مأزقا حرجا تمثل في صعوبة الوضع الذي قابلوه عقب إعلان انتهاء الحرب مطلع مايو/ أيار 2003.

فأعمال المقاومة التي تواكبت مع الانفلات الأمني مثلت بيئة خطرة يصعب فيها ضبط الأوضاع الداخلية، إضافة إلى رفض الأمم المتحدة الاضطلاع بمهمة حفظ الأمن والنظام في العراق وإلقائها المسؤولية على عاتق قوات الاحتلال، ناهيك عن الرغبة القوية التي لمستها الولايات المتحدة داخليا ودوليا في ضرورة إنهاء الاحتلال وتسليم السلطة للعراقيين، كل هذا أدى إلى أن يعدل الأميركيون -ولو شكليا- عن التفرد بجزء كبير من إدارة الشأن العراقي.

وقد وجد الأميركيون المخرج في عدة إجراءات كان أبرزها ضرورة تقاسم الأعباء السياسية والأمنية مع العراقيين في الداخل، فكان تشكيل مجلس الحكم الانتقالي ومحاولة إشراك الأكراد من خلال مليشيات "البشمركة" في الجيش العراقي الجديد.

الشرعية

ولد المجلس على أرض الواقع وولدت معه خلافات في الداخل والخارج بشأن مدى شرعيته والجدوى من وجوده ما بين مؤيد ومعارض.

فهو -كما يرى المعارضون لتشكيله- قد تأسس بقرار من الحاكم الأميركي بول بريمر الذي أكد ارتباط المجلس به وبالتالي سيطرته على جميع قراراته التي لا تصبح نافذة إلا بموافقته. وعلى الرغم من أنه ضم قوى عراقية لها وزنها فإنه فعليا لم يمثل كل العراقيين، فالمجلس معين ولم يأت عبر انتخابات حرة، ونتيجة لذلك ظهر هناك رأيان في الداخل بهذا الصدد:

الأول: ويمثله عدد كبير من الشخصيات والمجموعات السنية يقابلها في الجانب الشيعي تيار مقتدى الصدر. ويرى هؤلاء أن المجلس غير شرعي وأنه يسهم في "شرعنة" الاحتلال لكونه معينا من طرفه، وبالتالي ليس له الحق في الحكم وخاصة في مسألة صياغة الدستور.

الثاني: ويمثله تجمع الكتل السياسية المكون منها مجلس الحكم ويؤمن بشرعية وجوده، مع اختلاف مصدر هذه الشرعية من شخص لآخر داخل المجلس نفسه، فمنهم من يستند إلى قرار مجلس الأمن الذي يمنح العراقيين صلاحية تشكيل سلطة مؤقتة لإدارة شؤونهم، في حين أن البعض الآخر -وأبرزهم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية برئاسة عبد العزيز الحكيم- يعتبر أن شرعية المجلس تستمد من ضرورة المحافظة على مصالح الناس وتنظيم أمورهم، وعليه فإن مجرد المشاركة في المجلس لا تعطي مشروعية للاحتلال.

إشكالية الاختيار


الغريب في معايير اختيار أعضاء مجلس الحكم أنها لم تلتفت إلى القومية العربية رغم التفاتها إلى القومية الكردية والتركمانية

اختلفت رؤية السياسيين والمحللين لهذا المجلس وطبيعة تكوينه، فمنهم من رأى أنه أحد أهم نتائج سقوط نظام حكم صدام حسين المعتمد على الحزب الواحد، بل إن بعضهم ذهب أبعد من ذلك عندما استبشر بأن يكون تشكيل المجلس الانتقالي الذي جمع مختلف الأطياف والتوجهات والأحزاب السياسية، فاتحة خير على المجتمع العربي برمته، فهناك مجموعة تحكم وليس فردا واحدا، ولابد للعدوى الديمقراطية أن تنتقل بالضرورة إلى البلدان المجاورة.

وعلى الجانب الآخر رأى البعض أن هذا المجلس ما هو إلا تكريس للطائفية، ودللوا على ذلك بالنظر إلى طريقة تكوينه وانتماءات أعضائه الـ25. وقد جاءت معايير اختيارهم متداخلة، فالمجلس ضم 13 شيعيا وخمسة سنيين وخمسة أكراد وتركمانيا ومسيحيا، أي أن هناك معيارا للمذهب وآخر للعرق وثالث للدين.

والغريب في هذه المعايير أنها لم تلتفت إلى القومية العربية رغم أنها التفتت إلى القومية الكردية والتركمانية، ولم تذكر أن شيعة العراق من العرب ويلتقون مع السنة في العرق، كما تجاهلت انتماء غالبية الأكراد إلى المذهب السني، واشتراكهم في هذا مع العرب السنة.

الموقف العربي والدولي

كما اختلفت كذلك التوجهات الدولية نحو هذا المجلس، فعلى الصعيد العربي -ورغم الضغط الأميركي- نظرت السعودية إليه على أنه مرحلي قصير ينتهي دوره بمجرد تشكيل حكومة، لذا رفضت إرسال قوات إلى العراق إلا بطلب من حكومة عراقية شرعية.

أما جامعة الدول العربية فرغم ما أعلن وما حدث من استقبال وفد العراق في اجتماع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة في أغسطس/ آب 2003، ورغم نجاح المجلس في انتزاع اعتراف "مؤقت" به من قبل الجامعة العربية في سبتمبر/ أيلول 2003 شغل بموجبه مقعد العراق لديها، فإن هذه الموافقة جاءت مشروطة ومؤقتة إلى حين صياغة دستور وتشكيل حكومة منتخبة تتسلم مقعد العراق بصورة دائمة.

وقد نفت الجامعة العربية أن تكون هذه الخطوة اعترافا بشرعية المجلس الذي عينت أعضاءه إدارة الاحتلال الأميركي.

وعلى المستوى الدولي فقد أعلنت دول مثل فرنسا وألمانيا وروسيا أن مجلس الحكم لا يعتبر ممثلا شرعيا للعراق.

وغير بعيد عن هذا التوجه جاء موقف الأمم المتحدة، فقد أكد أمينها العام كوفي أنان مرارا على عدم شرعية هذا المجلس، ودعا إلى ضرورة نقل السلطة للعراقيين بأسرع وقت.

اختصاصاته وصلاحياته

لم يتوقف الغموض في مسألة تشكيل مجلس الحكم الانتقالي عند حد المعايير المتداخلة التي وصفت بأنها تعمق الطائفية، وإنما اكتنف الغموض كذلك اختصاصاته وصلاحياته. فالمجلس الذي يفترض أن يضع الدستور العراقي الجديد وأن يكون له رأيه في تعيين الوزراء أو إقالتهم، لا يملك استقلالية فعلية في هذه الأمور، وإنما لابد أن تحظى كل قراراته بموافقة الحاكم الأميركي بريمر قبل اعتمادها. لذا فهو محدود الصلاحيات في واقع الأمر، ولا تتعدى وظيفته الصفة الاستشارية مهما بدا من محاولات إضافة ملامح التشريع على دوره.

وعلى ذلك كثرت توقعات المحللين بأن تجر صيغة تشكيل هذا المجلس وصورية صلاحياته البلاد إلى نوع جديد من العنف، هو العنف داخل الجماعات الأهلية وفيما بينها، وهو ما لم يعهده العراق من قبل في ظل الأنظمة السابقة التي وإن أدخلت البلاد في سلسلة من العنف السياسي إلا أنه كان محصورا بين المجتمع والدولة.

أبرز أدواره في الفترة المنصرمة

اتخذ مجلس الحكم عددا من الإجراءات والقرارات على المستوى الداخلي اعتبرها البعض تقدما باتجاه الديمقراطية، ونظر إليها آخرون على أنها استمرار لحالة عدم الاستقرار التي يمر بها العراق في ظل الاحتلال ويكرس لها مجلس الحكم الانتقالي. وكان أبرز ما اتخذه المجلس من قرارات مست الشأن الداخلي بصورة مباشرة:


أبرز ما قام به المجلس على المستوى الداخلي قراره اجتثاث حزب البعث وكل ما له صلة به، وقانون الأحوال الشخصية رقم 137 الذي عدل عنه بعد شهرين من إقراره، ثم إقرار الدستور المؤقت والتمهيد للانتخابات

1- اجتثاث حزب البعث:
فما إن تشكل المجلس حتى ابتدر أعضاؤه مهامهم بالإعلان عن تشكيل هيئة لاجتثاث حزب البعث الحاكم سابقا، والتخلص من كل ما يمت له بصلة من أشخاص وفعاليات ومناسبات، ومن ثم تم الإعلان عن إلغاء جميع الأعياد الوطنية والعطلات الرسمية المرتبطة بهذا الحزب، بما في ذلك عيد 14 يوليو/ تموز، وإعلان التاسع من أبريل/ نيسان عيدا وطنيا بديلا.

وقد ذكر بعض المراقبين أنه كان المفترض أن يبدأ مجلس الحكم أولى مهامه بالتفاوض مع سلطة الاحتلال على إقرار جدول زمني لجلاء القوات الأجنبية وإعادة بناء النظام والأمن وسلطة القانون والمؤسسات الحكومية والمدنية اللازمة للدولة.

2- إلغاء قانون الأحوال الشخصية:
ففي نهاية ديسمبر/ كانون الثاني 2003 أصدر المجلس القرار رقم 137 الذي بموجبه ألغى قانون الأحوال الشخصية الصادر عام 1959، وقضى بأن تكون إجراءات الأحوال الشخصية كل بحسب مذهبه. وقد واجه المجلس انتقادا شديدا بسبب هذا القرار الذي عده الكثير اغتيالا واضحا لحرية المرأة العراقية وحرمانها من الكثير من حقوقها.

وقد تراجع المجلس عن هذا القرار بعد شهرين من إصداره وقرر العمل بالقانون القديم أواخر فبراير/ شباط الماضي، الأمر الذي فسره البعض بتذبذب المجلس فيما يتعلق بشؤون المجتمع وعدم قيامه بالدراسة اللازمة لتداعيات مثل تلك القرارات.

3- إعداد الدستور والتمهيد للانتخابات:
صب مجلس الحكم جل اهتمامه على هذه المسألة، فشكل من أجل ذلك لجنة تحضيرية أعلن عنها في أغسطس/ آب 2003. وفي مارس/ آذار 2004 وبعد مناقشات واختلافات داخل المجلس حول بنود الدستور، تم إقرار مسودة الدستور العراقي المؤقت أو ما أطلق عليه "قانون الإدارة الانتقالية" ووقع عليه كافة أعضاء مجلس الحكم الانتقالي.

وقد نص القانون على انتخاب جمعية وطنية بالبلاد في موعد أقصاه نهاية يناير/ كانون الثاني 2005.

ولاقت بعض بنود هذا الدستور معارضة قوية من بعض التيارات السياسية والدينية خاصة تلك المتعلقة بهيكلية الرئاسة ونظام الحكم. ونظر إليه البعض على أنه وثيقة "غير شرعية" تم إقرارها في غفلة من الزمن. وتصدر الزعيمان الشيعيان علي السيستاني ومقتدى الصدر أصحاب هذا الرأي، كما أعلن كذلك رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وعضو مجلس الحكم عبد العزيز الحكيم تحفظاته على بعض البنود رغم موافقته على إقراره.

سيناريوهات المستقبل


رغم كل الجدل المثار حول مستقبل مجلس الحكم مع اقتراب موعد نقل السلطة للعراقيين، فإنه لا أحد يستطيع تحديد الطريقة التي سيتم اعتمادها عندما يحين الموعد المذكور، طالما بقي القرار الأخير مرهونا بالحاكم الأميركي للعراق

يرى بعض المحللين أن السيناريوهات المطروحة بالنسبة لمستقبل مجلس الحكم في ظل إقرار الدستور المؤقت الحالي لن تبعد عن أحد خيارين:

  • توسيع مجلس الحكم الحالي وذلك في محاولة لاحتفاظ الأعضاء بدورهم في تسيير شؤون البلاد في الفترة الانتقالية ما بعد 30 يونيو/ حزيران القادم وحتى موعد اعتماد دستور دائم للعراق من قبل جمعية وطنية منتخبة قبل نهاية يناير/ كانون الثاني 2005، من خلال استمالة شخصيات عراقية معروفة ليرتفع عدد أعضائه إلى 150 شخصا، الأمر الذي يضمن تمثيلا أفضل لشرائح الشعب العراقي.
  • إلغاء المجلس الحالي وتشكيل حكومة انتقالية جديدة بجانب مجلس تشريعي يضم عددا كبيرا من النواب، وهو ما تناقلته بعض وسائل الإعلام من أن مشاورات تجري بين الأميركيين والبريطانيين بشأن تشكيل هذه الحكومة مع تأييد واسع لمقترح إنشاء رئاسة ثلاثية وتنصيب رئيس للوزراء.

ورغم كل الجدل الذي أثير حول مستقبل مجلس الحكم الانتقالي مع اقتراب موعد نقل السلطة للعراقيين، فإنه لا أحد يستطيع تحديد الطريقة التي سيتم اعتمادها عندما يحين الموعد المذكور، طالما بقي القرار الأخير مرهونا بالحاكم الأميركي للعراق.

اقرأ أيضا:
* بيان التسع نقاط لمجلس الحكم في العراق
* قرار جامعة الدول العربية بشغل مقعد العراق
* الحكومة العراقية
_______________
قسم البحوث والدراسات-الجزيرة نت
المصادر:
1-
Middle east reference
2- صلاح الفضلي، مجلس الحكم العراقي والأميركان
3- د. بشير نافع، دور مجلس الحكم العراقي في مشروع السيطرة الأميركية - الإسرائيلية على المشرق العربي
4- مجلس الحكم الانتقالي في العراق، مشكلة التشكيل والشرعية، موقع المنظور السياسي للدراسات والاستشارات
5- مأمون فندي، تأثير سقوط نظام صدام على الديمقراطية في المنطقة، تحقيق منشور بثته إذاعة سوا.
6- تعقيب السيد كريم الربيعي سكرتير هيئة الجمعية العراقية لحقوق الإنسان بالدانمارك على القرار رقم 137
7- موقع شبكة كي دي بي إنفو الإخبارية
8- أرشيف موقع الجزيرة نت