محمد بن المختار الشنقيطي

"لا يهمني ما يقوله خبراء القانون الدولي، فنحن سنضرب بعض الناس على مؤخراتهم مهما تكن النتيجة"!! هكذا قال الرئيس الأميركي جورج بوش حينما تحدث وزير دفاعه عن انتقام أميركا لهجمات 11 سبتمبر/ أيلول من وجهة نظر القانون الدولي. ويبدو أن العراقيين كانوا على رأس من أراد الرئيس الأميركي "ضربهم على المؤخرة" رغم انعدام أي أدلة على تورطهم في الهجمات.


أكد ولفويتز أن محاولة القاعدة تفجير مبنى التجارة العالمي عام 1993 ليست من فعل التنظيم وحده بل لابد من أن العراق أعانه في ذلك!!
انظروا إن كان صدام
ورد كلام الرئيس بوش هذا في كتاب صدر منذ أسبوع تقريبا بعنوان "ضد كل الأعداء"، وهو من تأليف ريتشارد كلارك مستشار الرئيس بوش السابق لمحاربة الإرهاب. وقد استقال كلارك من منصبه مطلع العام المنصرم احتجاجا على سياسات رئيسه، وكشف في كتابه جوانب مهمة من التحضير لحرب العراق والدوافع من ورائها، والتدليس الذي صاحب المسار كله.

وبما أن كلارك كان مطلعا على ملف "محاربة الإرهاب" في الولايات المتحدة أكثر من أي شخص آخر، وكان ممسكا بذلك الملف مدة طويلة حيث عمل مع الرؤساء السابقين رونالد ريغان وبيل كلينتون وجورج بوش الأول، فإن شهادته حول غزو العراق بذريعة محاربة الإرهاب شهادة ثمينة حقا.

وقد استاء بوش والمحيطون به استياء عميقا من كتاب كلارك الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في أميركا منذ صدوره، ووجد فيه كثيرون أوثق شهادة على التلاعب بقضية محاربة الإرهاب لتحقيق مآرب الإخضاع السياسي والإستراتيجي القديم المتجدد الذي لا يمت إلى موضوع الإرهاب بصلة.

سجل لنا كلارك في كتابه مشهدا ذا دلالة في اليوم التالي على هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، فقال "وفي عشية يوم 12 سبتمبر/ أيلول خرجت من غرفة المؤتمرات المرئية [بالبيت الأبيض]، وهناك رأيت الرئيس يلف ويدور وحيدا حول غرفة الطوارئ، وكان واضحا أنه يريد منا فعل شيء ما، ثم أخذ نفرا منا معه إلى غرفة المؤتمرات على عجل، وأغلق وراءه الباب، وقال: اسمعوا.. أعرف أن لديكم الكثير من العمل الذي يتعين إنجازه، لكني أريد منكم فحص كل ما حدث في الماضي.. كل شيء.. ثم انظروا إن كان صدام هو الذي فعل هذا. أحسست بالاستغراب مرة أخرى وقلت: سيدي الرئيس إن القاعدة هي التي فعلت هذا، فقال: أعرف.. أعرف.. لكن انظروا إن كان صدام متورطا.. حاوِلوا فقط.. فأنا أريد أن أعرف عن أي خيط. قلت: طبعا سننظر.. لكنكم تعرفون أننا فتشنا من قبل عدة مرات عن أي دولة تدعم القاعدة، فلم نجد أي صلة بين العراق وبين القاعدة.. لكن الرئيس رد بغضب: انظروا في أي صلة مع العراق.. مع صدام، ثم تركنا وخرج. حملقت ليزا غوردون [مساعدة كلارك] في الرئيس المنصرف وقد فتحت فمها من الدهشة.. ثم هزت ليزا رأسها وقالت: لقد وصل ولفويتز إلى الرئيس!!". (ص32).


كانت هجمات 11 سبتمبر/ أيلول بالنسبة للقادة الأميركيين "فرصة" لتحقيق حلم غزو العراق الذي راودهم منذ أمد بعيد
انبعاث الحلم القديم
ويحكي كلارك أنه عرف من أول لحظة أن الهجمات من تدبير تنظيم القاعدة بحكم تمرسه بتكتيكات التنظيم وأساليبه، فقد سأله نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني بعد دقائق فقط من ارتطام الطائرة الثانية بمبنى التجارة العالمي قائلا "ماذا تعتقد"؟ فأجاب كلارك "إنه هجوم للقاعدة، فهم يحبون الهجمات التزامنية، وقد لا تكون هذه نهاية القصة" (ضد كل الأعداء ص2).

كانت الأمور واضحة منذ البدء بالنسبة لكلارك، لكنه أدرك منذ اللحظات الأولى أن في قمة الإدارة الأميركية من يريدون استغلال الفرصة السانحة لتحقيق حلم قديم طالما حملوه بين جنباتهم، وهو غزو العراق حماية لإسرائيل ووضعا لليد على الثروة العراقية.

يقول كلارك واصفا لقاءات البيت الأبيض في صبيحة اليوم التالي على الهجمات "كنت أتصور أني عائد للمشاركة في اجتماعات تتناول احتمال هجمات أخرى، وماذا كانت نقاط ضعفنا، وما الذي نستطيع فعله لسد تلك الثغرات في الأمد المنظور. لكني وجدتني في سلسلة نقاشات تتركز على العراق. أحسست بالريبة حول نقاشنا لأي أمر لا يتعلق بمطاردة القاعدة، ثم أدركت بكل ألم في النهاية أن [وزير الدفاع] دونالد رمسفيلد و[نائبه] بول ولفويتز يريدان استغلال هذه الفاجعة لترويج خططهما إزاء العراق. فقد كانا يضغطان منذ بداية ولاية هذه الإدارة –بل قبل ذلك بكثير- من أجل غزو العراق. وكان زملائي في البنتاغون قد أخبروني أن العزم قد انعقد على غزونا للعراق مطلع العام 2002" (ضد كل الأعداء ص30).

ويفيد كلارك في كتابه أن وكالة السي آي أي أعلنت صبيحة 12 سبتمبر/ أيلول أن الهجمات من فعل القاعدة، لكن الأحاديث في مبنى البنتاغون كانت قد اتجهت وجهة العراق.

فقد عبر ولفويتز عن تشككه في رأي وكالة المخابرات وقال إن الهجمات تبدو "على قدر من التعقيد وحسن التخطيط لا تستطيع منظمة إرهابية القيام بها دون عون من دولة ما، فلابد أن يكون العراق قد أعان في هذا" (ص30).

وقد تذكر كلارك في هذه اللحظة حديثا سابقا لولفويتز أثناء لقاء وكلاء الوزارات الأميركية حول موضوع الإرهاب. يقول كلارك عن موقف ولفويتز في ذلك الاجتماع "اهتز ولفويتز وتأوه، ثم قال: أنا لا أفهم لماذا نبدأ بالحديث حول شخص واحد هو بن لادن؟ فأجبته بقدر ما أستطيع من الصراحة والقوة: نحن نتحدث عن شبكة من المنظمات الإرهابية التي تصادف أن بن لادن هو قائدها، ونحن نتحدث عن هذه الشبكة لأنها هي وحدها التي تمثل خطرا جديا ومباشرا ضد الولايات المتحدة. رد ولفويتز: حسنا، لكن هناك آخرون يمثلون خطرا بنفس الدرجة على الأقل، الإرهاب العراقي مثلا" (ص231).

وفي موقع آخر قال ولفويتز "إن التركيز على القاعدة خطأ، ويجب أن نركز على الإرهاب الذي يدعمه العراق". وفي خلاصة أثارت استغراب ريتشارد كلارك أكد ولفويتز أن محاولة القاعدة تفجير مبنى التجارة العالمي عام 1993، ليست من فعل القاعدة وحدها "بل لابد أن العراق أعانها في ذلك"!!

وعلى نفس الخط مع ولفويتز كان رمسفيلد يقدم المسوغات لضرب العراق، "ففي مساء اليوم ذاته 12 سبتمبر/ أيلول -يقول كلارك– كان وزير الدفاع الأميركي يتحدث عن توسيع أهداف استجابتنا لهذه الهجمات، لنمسك بالعراق" (ص30).

وقد روى كلارك عن وزير الدفاع الأميركي ملاحظة تدل على استهتار بحياة البشر، واستسهال لقرار السلم والحرب. يقول "في نهاية ذلك اليوم اشتكى الوزير رمسفيلد من أن أفغانستان لا توجد بها أهداف تستحق القصف، فينبغي أن نفكر في قصف العراق الذي توجد به أهداف أفضل!! ظننت في البدء أن رمسفيلد كان يمزح، لكنه كان جادا، كما أن الرئيس [بوش] لم يعترض على فكرة ضرب العراق، وإنما قال: إن ما نحتاجه في العراق هو تغيير الحكومة، لا مجرد القصف بمزيد من صواريخ سكود" كما يفهم من كلام رمسفيلد" (ص31).

إن شهادة كلارك تدل دلالة صريحة على أن عددا من القادة الأميركيين –منهم الرئيس ونائبه ووزير الدفاع ونائبه– نظروا إلى هجمات 11 سبتمبر/ أيلول على أنها "فرصة" لتحقيق حلم غزو العراق الذي راودهم منذ أمد بعيد، وخططوا له قبل الهجمات بمدة، لكنهم لم يجدوا في السابق مسوغات سياسية ودبلوماسية كافية لتبريره أمام الرأي العام الأميركي والعالمي.

ولم يكن كلارك أول من كشف هذه الخبايا، بل سجلها الكاتب الصحفي الأميركي بوب وودوارد في كتابه "بوش في الحرب" الصادر العام المنصرم، فقد روى وودوارد عن بوش قوله متحدثا عن الهجمات "إنها فرصة.. إنها فرصة"!! وقال واصفا مطامح رمسفيلد "أثار رمسفيلد إمكانية استغلال الفرصة التي وفرها الهجوم الإرهابي للإطاحة بصدام فورا" (بوش في الحرب ص49).


كانت حرب العراق اختيارية لأن إمدادات النفط لم تكن في خطر، ولو أن أميركا طلبت من صدام نصف نفط العراق مجانا والنصف الباقي بثمن رمزي، على أن تدعه وشأنه لاستجاب بطيب خاطر
حرب اختيارية ووجودية
من الواضح من خلال شهادة ريتشارد كلارك الموثقة والمفصلة في كتابه "ضد كل الأعداء" أن قرار غزو العراق كان موجودا قبل هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، وأن تلك الهجمات قدمت مسوغا كانت الإدارة الأميركية في أمس الحاجة إليه لتبرير ما لا مبرر له وتسويغ غير المستساغ. أما الحديث عن أسلحة الدمار الشامل العراقية –وما صاحبه من تدليس وتلبيس- فهو جزء من تسويغ الحرب سياسيا وإنجاحها عسكريا.

والذي يدرك طرائق تفكير القيادة الأميركية والظروف المحيطة بغزو العراق محليا ودوليا، يفهم بسهولة أن القيادة الأميركية لم تكن لتقدم على غزو العراق إلا إذا تأكدت من عدم وجود أسلحة دمار شامل لديه أولا. فخلو العراق من هذه الأسلحة شرط من شروط غزوه، أما الحديث عن وجود الأسلحة –بعد التأكد من خلو العراق منها– فتلك ضرورة دعائية لتسويغ قرار الغزو.

وأما التفتيش وتعبئة الأمم المتحدة فتلك أمور مساعدة سياسيا وعسكريا لتنفيذ خطة الغزو. فالتفتيش يعين على أخذ صورة دقيقة عن الوقائع العسكرية على الأرض بما في ذلك أنظمة الدفاع العراقية ونقاط تمركز الجيش العراقي، ويعين على التخلص من الصواريخ العراقية التي قد تهدد قوات الغزو.. وأما الأمم المتحدة فقد أريد منها إسباغ الشرعية على أمر تمت صياغته خارج أروقتها.

إن وجود الأسلحة لدى العراق هو المبرر المعلن للغزو من الناحية الأخلاقية، ولكن عدم وجودها هو الذي يبرر الحرب من الناحية السياسية والعسكرية.

وربما يعترض البعض على هذا الطرح بحجة أن أميركا غزت العراق عام 1991، رغم علمها أنه يمتلك أسلحة كيماوية آنذاك. لكن هذا قياس مع الفارق، فحرب 1991 أيدها كل العالم وكانت المصلحة الأميركية فيها بينة، حيث كانت تدافع عن 40% من النفط العالمي وعن أحد الأنظمة الموالية بعدما أسقطه صدام، وهي لم تكن تنوي إسقاط صدام آنذاك، مما يدفع به إلى استخدام كل ما في جعبته من سلاح. فهي لم تكن حربا اختيارية من وجهة النظر الأميركية، ولا كانت حربا وجودية من وجهة النظر العراقية.

أما هذه فهي حرب اختيارية لأن إمدادات النفط لم تكن في خطر، ولو أن أميركا طلبت من صدام نصف نفط العراق مجانا والنصف الباقي بثمن رمزي على أن تدعه وشأنه لاستجاب بطيب خاطر كما يفعل إخوانه من قادتنا الأشاوس كل يوم.

وهي حرب وجودية لأنها حملت هدفا معلنا وهو تغيير النظام العراقي. والحديث عن تغيير النظام في عرف قادتنا يجعل الأمر جدا لا هزل فيه، ويجعل الحرب حربا وجودية، وكل ما سواه فالتعامل معه يسهل عندهم، حتى ولو كان استباحة الأوطان واستعباد الشعوب.

فحينما أعلن الأميركيون أن هدفهم تغيير السلطة في العراق، فقد توقعوا من صدام -بدون ريب- استخدام أي سلاح بحوزته، فلا مناص لنا من افتراض علمهم السابق بعدم وجود خطر كهذا.

فيتحصل من كل ذلك أن عدم امتلاك العراق لأسلحة -قد ترفع كلفة الحرب بشريا وسياسيا- هو الشرط الأول لإعلان الحرب. كما يتحصل أن قرار الغزو تم اتخاذه بناء على خبرة وإحاطة بالواقع العسكري العراقي، ولم يكن قفزة في الظلام أو مغامرة سياسية وعسكرية دفعت إليها أحداث 11 سبتمبر/ أيلول كما يروج اليوم.


كان لغزو العراق دائما ظاهر وباطن، منطوق ومفهوم، ولم تفصح القيادة الأميركية أبدا عن دوافع الحرب الحقيقية، فضلا عن أن تكون نزيهة في موضوع الأسلحة العراقية
شيء من المسكوت عنه
يبدو غزو العراق في ظاهره خطأ سياسيا واستخباريا ارتكبته القيادة الأميركية التي جرحت كبرياءها هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، وكانت بحاجة إلى إنجاز ما -أو "فعل شيء كبير" حسب تعبير ستيفان مانسفيلد في كتابه الجديد "عقيدة جورج بوش"- لإقناع الشعب الأميركي بجديتها في الدفاع عن أرواح الأميركيين، وأخذ الثأر من أي دولة عربية تجعلها الظروف هدفا مستساغا.

ويجادل أنصار بوش عن هذا التصور، محاججين بأنه لم يكن ينقصه "الصدق" في مسعاه، ولكنه وقع "ضحية" لتقديرات خاطئة من مخابراته ومستشاريه. وبناء على نفس السيناريو فإن بوش "فوجئ" بعدم وجود أسلحة الدمار الشامل العراقية، وأحس بالحرج من ذلك أمام شعبه.

لكن هذا التصور لا يصمد أمام الفحص الدقيق، فقد كان لغزو العراق دائما ظاهر وباطن، منطوق ومفهوم، ولم تفصح القيادة الأميركية أبدا عن دوافع الحرب الحقيقية، فضلا عن أن تكون نزيهة في موضوع الأسلحة العراقية.

وقد كشف فيليب زليكو وهو المدير التنفيذي "للجنة 11 سبتمبر/ أيلول" المكلفة بالتحقيق في تلك الهجمات من طرف الكونغرس عن شيء من المسكوت عنه، حينما تحدث بصراحة كاملة عن بعض دوافع الحرب التي لا يمكن التصريح بها.

ففي محاضرة له بجامعة فرجينيا يوم 10 سبتمبر/ أيلول 2002 كشف زليكو عن بعض المكنون فقال "ما الذي يدفع أميركا لمهاجمة العراق؟.. دعوني أحدثكم عما أعتبره الخطر الحقيقي الآن، والخطر الذي كان موجودا منذ العام 1990، إنه الخطر على إسرائيل. لكن هذا الخطر لا يُجرَأ على النطق باسمه، لأن الأوروبيين بصراحة لا يهتمون كثيرا بذلك الخطر، والحكومة الأميركية لا تريد الحديث عنه كثيرا، لأن الشعب الأميركي لن يقبله مبررا للحرب".

لكن لا أحد يتوقع أن يتضمن تقرير اللجنة المرتقب عن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول ما صرح به مديرها التنفيذي في محاضرته بفرجينيا، فذلك من المكنون الذي لا يراد وصوله إلى الجمهور الأميركي أو الرأي العام العالمي.

ومهما يكن من أمر فمن الواضح اليوم أن الإدارة الأميركية حينما قررت غزو العراق قبل هجمات 11 سبتمبر/ أيلول بمدة، لم تكن حماية أرواح الأميركيين لها أولوية، ولا كانت لأرواح العراقيين قيمة في نظرها.

لقد قضى زهاء 13 ألف عراقي 600 أميركي حتى الآن في حرب الرئيس بوش ورهطه ضد العراق، ولا يزال السؤال يكبر يوما بعد يوم حول حقيقة دوافع الحرب، ولا تزال الشكوك تتراكم حول مسوغاتها المعلنة والمستترة. وسيبقى التاريخ وحده الكفيل بالكشف عن الظاهر والمكنون في غزو العراق، وعسى أن يكون ذلك قريبا.
______________
كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة