مجموعة من جيش المهدى التابع لتيار مقتدى الصدر بالعراق

لقاء مكي

بعد عام من الحرب يبدو الشارع العراقي منقسما بين تيارات شتى من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وكل هذه التيارات تعبر عن نفسها بأحزاب بعضها له جذور وأصول، والآخر حديث النشأة والمولد، وثالث نشأ في المنفى بدعم من هذه الدولة أو تلك مشكلاً معارضة تتشارك اليوم في حكم بلاد خاضعة للاحتلال.

لكن هذا العدد الكبير من الأحزاب الذي بدا وكأنه محاولة لتعويض سنوات طويلة من حكم الحزب الواحد، مازال يفتقد إلى تأييد الأغلبية الساحقة من العراقيين وولائهم، فبدلاً من أن ينخرط العراقيون في عمل سياسي أساسه التعددية توجهوا بولائهم نحو تيارات وقوى غير حزبية ليمنحوها الطاعة والتأييد. وباتت هذه القوى هي المحرك الأساسي للشارع العراقي والقادرة على توجيه الأحداث برغم أنها غير مشاركة في إدارة البلاد -رسميا- من خلال مجلس الحكم الذي عينه الأميركيون.

وهذه القوى بمجملها قوى دينية حصلت على ولاء الناس في إطار موروث قديم، وبعد أن يئسوا من التيارات السياسية التي يقول بعض العراقيين إنها لم تحظ بالمصداقية، ولا تمتلك البرنامج المقنع وليس فيها زعيم قوي يمكن أن يلتف حوله الشعب، وبالتالي لم يجد معظم العراقيين غير التيارات الدينية ليحتشدوا حولها، مستندين إلى ولاء طائفي بات يفرض هيمنته بقوة على شأن هذه البلاد.

تيار علي السيستاني
تيار مقتدى الصدر
تيار هيئة علماء المسلمين

تيار علي السيستاني


تسابق السياسيين للفوز برضا السيستاني يجعل من شعبيته أكثر قدرة على التأثير في اتخاذ القرار، لاسيما أن أميركا تجنبت حتى الآن مواجهة مباشرة معه

وهو تيار يكتسب قوته من سطوة المرجعية الدينية لعلي السيستاني الذي يقلده عشرات الملايين من الشيعة في العراق والعالم، وهذه القوة لم تظهر بالطبع بعد الحرب، لكن نمط الولاء لها أخذ أشكالاً أكثر حرية، وانتقل التعبير عنه من الفقهي إلى السياسي خلال العام الأخير.

والسيستاني إيراني المولد درس علومه الدينية في النجف الأشرف وتدرج في الألقاب الدينية حتى حصل على المرجعية وزعامة الحوزة العلمية من الخوئي، وهو يأخذ بالرأي القائل إن ولاية الفقيه ولاية خاصة وليست عامة، أي أن الإمام أو المرجع يختص بأمور تتعلق بالفتوى بأمور الدين وقضايا الحسبة من وقف وإرث ورعاية شؤون القاصرين وما شابه ذلك، مختلفاً في ذلك عن فقهاء شيعة آخرين يعتقدون أن ولاية المرجع الديني هي ولاية عامة تعنى بأمور الدولة من سلم وحرب وعمل اتفاقيات والحكم في قضايا الدماء والمال والعرض، أي مقام الإمام المعصوم تماماً. وقد تبنى هذا الرأي الإمام الخميني والسيد محمد باقر الصدر.

لكن رأي السيستاني بالولاية الخاصة لم يحل دون تدخله المبكر في توجيه الأحداث في العراق بعد الاحتلال، ففي الأسابيع الأولى التي تلت نهاية الحرب أصدر فتوى حرم فيها سرقة ممتلكات الدولة ودعا أتباعه إلى إعادتها. وبالفعل استجاب له الكثيرون وأعيدت معظم المسروقات التي جرى نهبها في الأيام الأولى بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين يوم 9 أبريل/ نيسان 2003.

وفي يوليو/ تموز الماضي أصدر السيستاني بياناً طالب فيه لأول مرة بإجراء انتخابات عامة في البلاد لاختيار أعضاء اللجنة التي تتولى كتابة الدستور، وكان ذلك مع بدء الحديث عن صياغة دستور دائم للبلاد يسبق تشكيل حكومة عراقية تنتقل إليها السلطة. وكان لهذه الدعوة في حينها أثر بتغيير خطط سلطات الاحتلال، فجرى صياغة دستور مؤقت وحكومة انتقالية قبل انتخاب اللجنة الدستورية في ربع العام المقبل 2005.

وقد ألهمت مواقف السيستاني مقلديه وأتباعه وجعلتهم يلجؤون إليه بوصفه الوحيد القادر على السير بالبلاد إلى النجاة ومواجهة الاحتلال في هذا الظرف العصيب. وبالطبع فإن بعض السياسيين في داخل مجلس الحكم أرادوا الإفادة من الاندفاع الشعبي في تأييد السيستاني ليحصلوا على التأييد من خلال الإعلان عن العمل تحت ولايته وفي ظل توجيهاته، يشجعهم في ذلك عدم وجود طموحات سياسية للسيستاني.

ويتناقل الشارع العراقي كيف أن الأمر بدأ برئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية عبد العزيز الحكيم، وهو أمر كان مفهوماً بسبب الطبيعة الدينية بالأساس لهذا الحزب، لكن الأمر ينتهي اليوم بزعيم حزب المؤتمر الوطني العراقي الدكتور أحمد الجلبي الذي وضع نفسه ضمن ما بات يوصف "بالمجموعة الشيعية" في مجلس الحكم، أملاً في تعزيز شعبية حزبه ذي الطبيعة العلمانية المعروفة. وكان استطلاع للرأي أجراه مركز أوكسفورد الدولي قد أشار أواسط مارس/ آذار الماضي إلى أن الجلبي حصل على تأييد 0.2% فقط من العراقيين.

والحصيلة أن تسابق السياسيين للفوز برضا السيستاني يجعل من شعبيته أكثر قدرة على التأثير في اتخاذ القرار، لاسيما أن أميركا تجنبت حتى الآن مواجهته مباشرة.

تيار مقتدى الصدر


تيار مقتدى الصدر باستقطابه جموعا متزايدة من العراقيين، يمكنه أن يؤثر على مسار الأحداث، ولم تتحالف معه القوى السياسية التقليدية لقوة مواقفه ورفضه الحلول الوسط

وهو تيار ظهر بعد الحرب لكن جذوره تسبق ذلك بسنوات، حيث استند الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر إلى تراث والده آية الله محمد صادق الصدر الذي يتهم النظام العراقي السابق باغتياله قبل أربع سنوات، وكذلك إلى تراث عمه آية الله محمد باقر الصدر الذي جرى قتله أيضاً على يد النظام السابق عام 1979.

وعائلة الصدر عربية أصيلة، وهذا الذي يميز علماءها عن العلماء الآخرين المنحدرين من أصول غير عربية، وهي تتبنى الرأي القائل بالولاية العامة للمرجع الديني، أي التدخل بأمور الحكم واتخاذ القرارات، ولذلك فقد أسهم محمد باقر الصدر بجهد فكري كبير ومعروف لتطبيق مفاهيم الحوزة العلمية على الحياة اليومية لاسيما في كتابيه "فلسفتنا" و"اقتصادنا"، كما أنه وضع فكره السياسي في حزب الدعوة الذي قام بتأسيسه نهاية خمسينات القرن الماضي، وكان له دور مهم في تاريخ العراق المعاصر.

والمدرسة الصدرية أو "الحوزة الناطقة" كما تطلق على نفسها اليوم، لا تختلف عن تيار السيستاني في معارضة الاحتلال، لكنها أكثر اندفاعاً وحدة. وبرغم أن مقتدى الصدر ليس مرجعاً بحد ذاته، لكنه يحظى بأتباع كثر هم ذاتهم مقلدو والده، ويستقطب بشكل خاص فئات الشباب ولاسيما في بغداد وتحديدا في مدينة الصدر التي سميت تيمناً باسم عائلته بعد الحرب.

وفي الصيف الماضي أعلن مقتدى الصدر تأسيس "جيش المهدي" الذي قال إنه سيتولى الدفاع عن الإسلام، وقد أعلن أن الآلاف انخرطوا في الجيش الجديد، لكن الزعيم الشيعي الشاب قال في حينه إن هذا الجيش لن يكون مسلحاً.

وقد اعتاد الناس على مشاهدة مقتدى الصدر وهو يرتدي مع أتباعه كفنا أبيض اللون أثناء إلقائه خطب الجمعة مقلداً والده الذي كان يفعل ذلك قبل مقتله، علماً بأن الصدر الأب كان من أشد المعادين للولايات المتحدة بشكل علني بين علماء الشيعة في العراق.

ويُعد تيار الصدر اليوم إحدى العلامات الفارقة في المشهد السياسي العراقي، وذلك باستقطابه جموعا متزايدة من العراقيين لاسيما الفقراء منهم، ويمكنه بهم أن يؤثر على مسار الأحداث في البلاد. لكن الملاحظ أن القوى السياسية التقليدية لم تتحالف معه كما هو الحال في سلوكها مع تيار السيستاني بما في ذلك حزب الدعوة ذاته، ربما لقوة مواقفه ورفضه الحلول الوسط، الأمر الذي يحرج الأطراف السياسية ويحملها فوق ما تحتمل.

تيار هيئة علماء المسلمين

نشأت هذه الهيئة بعد الحرب لهدف أساسي هو الدفاع عن مصالح المسلمين السنة في العراق. وخلال وقت قصير تمكنت الهيئة من استقطاب الاهتمام بها خاصة بوجود أمينها العام الشيخ حارث سليمان الضاري وهو شخصية محترمة، كما أنه حفيد الشيخ الضاري بطل ثورة العشرين التي أجبرت البريطانيين على منح الاستقلال للعراق عام 1921.

وليس لهذه الهيئة سطوة دينية كما هو شأن المرجعيات الشيعية، كما أنها لا تضم كل الفئات السنية داخل البلاد، ومع ذلك فقد حققت حضوراً سياسياً وشعبياً لا سيما في مناطق الانتشار السني، وقيل إن أمينها العام تلقى عرضاً ليكون عضواً في مجلس الحكم لكنه رفض ذلك بسبب استمرار الاحتلال.

وفي 26 ديسمبر/ كانون الأول 2003 جرى الإعلان عن تشكيل "مجلس شورى لأهل السنة والجماعة" قيل إنه يضم ممثلين عن مختلف التيارات السنية السلفية والصوفية والإخوان المسلمين وسواهم ومن شتى القوميات، لكن هذا التنظيم لم يحظ بنفس شهرة هيئة علماء المسلمين ولا بحضورها في الأوساط الشعبية.

ولم يعلن عن تنسيق سياسي بين الهيئة والحزب السني الوحيد في مجلس الحكم وهو الحزب الإسلامي بزعامة الدكتور محسن عبد الحميد، لكن بعض المعلومات تشير إلى تنسيق غير رسمي بين الطرفين، كما أن معلومات أخرى تشير إلى أن قدراً من التنسيق يجري بين الهيئة وبين بعض الأحزاب الشيعية، ناهيك عن اتصالات لتلافي أي تصعيد طائفي في الحالات التي شهدت استهداف مواقع وتجمعات دينية مثل تفجير جوامع أو حسينيات أو اغتيال رموز دينية من الشيعة أو من السنة.
_______________
كاتب عراقي