ملصقات انتخابية في شوارع الأردن

إعداد: محمد سليمان أبو رمان

تأتي الانتخابات النيابية الأردنية في ظل متغيرات دولية وإقليمية في المنطقة وتداعياتها على المستوى الداخلي. ورغم زيادة عدد مقاعد البرلمان وتخصيص كوتا نسائية، فقد اتسمت برامج أغلب المرشحين بالتركيز على القضايا الخدماتية والداخلية والاكتفاء بالشعارات والمطالب دون وجود رؤى تفصيلية لطبيعة الأزمات الداخلية -خاصة الأزمة الاقتصادية- والحلول العملية لها.

لقد ركزت أغلب البرامج على القضيتين العراقية والفلسطينية على المستوى الإقليمي، وعلى جملة من القضايا المحلية الداخلية، منها: المسيرة الديمقراطية، والإصلاح السياسي والتشريعي، والوحدة الوطنية، والأزمة الاقتصادية، والسياسات الاجتماعية.

شعارات وقضايا في الدعاية الانتخابية
أهم البرامج والقضايا الانتخابية
تبرز في هذا السياق ثلاثة برامج رئيسية تعبر عن تكتلات حزبية ينتمي اثنان منها إلى أحزاب المعارضة، في حين يعبر الثالث عن الاتجاهات الوسطية.

فحزب جبهة العمل الإسلامي يخوض الانتخابات ببرنامج انتخابي تحت شعار "نعم وإلى الأبد.. الإسلام هو الحل"، مؤكداً على الهدف الرئيسي للحزب وهو تطبيق الشريعة الإسلامية، ضمن قائمة مرشحين تضم 30 شخصاً بينهم امرأة واحدة.

وتخوض أحزاب المعارضة الأخرى الانتخابات ببرنامج تحت شعار "وحدة، ديمقراطية، عدالة، مقاومة" باسم التيار الوطني الديمقراطي الذي يضم ثمانية أحزاب قومية ويسارية.

أما التكتل الآخر فهو تجمع الإصلاح الديمقراطي الذي يخوض الانتخابات ببرنامج انتخابي تحت شعار "نحو أردن أفضل"، وامتازت بقية البرامج بالتنوع في طرح القضايا الوطنية.

وقدمت شخصيات سياسية معروفة مواقفها اتجاه أبرز القضايا السياسية المطروحة، مثل زياد أبو غنيمة (إسلامي مستقل)، وعبد المنعم أبو زنط (إسلامي مستقل)، ممدوح العبادي (أمين عمان سابقاً)، وعبد الرؤوف الروابدة (رئيس وزراء سابق)، ومحمود الخرابشة (نائب سابق)، فيما غلبت على برامج عدد كبير من المرشحين القضايا الخدماتية المرتبطة بدوائرهم الانتخابية.

حضور ملموس للقضية العراقية في برامج الأحزاب
القضايا الدولية والإقليمية
اهتم برنامج كل من جبهة العمل الإسلامي وبرنامج التيار الوطني الديمقراطي بالتطورات الأخيرة على الساحة العربية، خاصة احتلال العراق والتطور على مسار القضية الفلسطينية.

احتلال العراق
فقد اعتبر برنامج التيار الديمقراطي أن الأمة العربية تتعرض لحملة استعمارية ثلاثية: أميركية-بريطانية-صهيونية تهدف إلى إعادة صياغة المنطقة سياسيا واقتصاديا وثقافيا بما يكرس هيمنة هذه القوى ويحقق مصالحها. وطالب البرنامج بإدانة العدوان على العراق ورفض كل المعاهدات والنتائج المترتبة عليه، وتقديم كل أشكال الدعم والتلاحم مع الشعب العراقي.

وأفرد برنامج جبهة العمل الإسلامي بنداً خاصاً لقضية العراق، محللاً فيه أبعاد الهجمة الأميركية وأهدافها الإستراتيجية المرتبطة بالنفط وإسرائيل وإعادة تشكيل المنطقة، وجعل العراق قاعدة عسكرية أميركية. وأبدى البرنامج موقفه من تعريف الوجود الأميركي في العراق على أنه وجود احتلال واستعمار والعمل على تحريك الأمة بكل قواها لمواجهة العدوان. واتفق مع برنامج التيار الوطني الديمقراطي برفض ما يترتب على الاحتلال من إفرازات ومعاهدات، وتقديم الدعم الممكن لتحرير الشعب العراقي، والربط بين الاحتلال الصهيوني لفلسطين والأنغلوأميركي للعراق.

أما برنامج تجمع الإصلاح الديمقراطي فقد اكتفى بعبارة "دعم الشعب العراقي الشقيق لتحرير أرضه"، وهذه العبارة اشترك عدد كبير من البرامج الانتخابية لمرشحين آخرين في وضعها أو في وضع جمل وإشارات مشابهة لها.

القضية الفلسطينية.. الحاضر الدائم في الشارع الأردني
القضية الفلسطينية
تناولت برامج أغلب المرشحين هذه القضية من خلال عدة اتجاهات:

  • اتجاه يدعو لدعم الشعب الفلسطيني للوصول إلى حقوقه.
  • اتجاه يدعو إلى دعم الشعب الفلسطيني نحو سلام عادل.
  • اتجاه يرفض مؤتمر التسوية والمعاهدات الناجمة عنه، ويدعو إلى دعم الانتفاضة ومناصرة صمود الشعب الفلسطيني.

فقد أكد برنامج التجمع الوطني الديمقراطي على دعم صمود الشعب الفلسطيني وتعزيز مساحة هذا الدعم ونشر ثقافة المقاومة، كما أكد أن التهديدات الصهيونية لا تستثني أحدا من الجسم العربي. وأكد برنامج تجمع الإصلاح الديمقراطي على دعم الشعب الفلسطيني الشقيق لنيل حقوقه وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، ورفض إقامة الوطن البديل.

أما برنامج جبهة العمل الإسلامي فقد أفرد جزءا كبيرا للقضية الفلسطينية أكد فيه مواقفه الثابتة بأن أرض فلسطين وقف لا يجوز التنازل عن أي جزء منها، وأن الجهاد هو السبيل لتحرير فلسطين، وأن الصراع مع اليهود صراع عقائدي، ورفض كل الاتفاقيات التي تتنازل عن أي جزء من فلسطين، وإسناد ودعم قوى الجهاد والمقاومة. ثم تطرق البرنامج للموقف من التسوية معتبراً أنها تعطي الشرعية للكيان الصهيوني، ورفض إقامة أي علاقات دبلوماسية أو اقتصادية، وبيّن خطورة تحول الصراع من المواجهة مع الكيان الصهيوني إلى صراع داخل الصف العربي والفلسطيني، وخطورة دمج الكيان الصهيوني في المنطقة، ورفض مشروع الوطن البديل. كما أكد ضرورة مواجهة التطبيع مع إسرائيل والتصدي له.


من القضايا المحلية: اعتبار الأزمة الاقتصادية من نتائج عملية السلام، واتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل والتي أدت إلى ارتهان الاقتصاد الأردني وتغريبه وتبعيته للاقتصاد الرأسمالي العالمي
القضايا المحلية
حظيت عدة قضايا محلية رئيسية باهتمام البرامج الانتخابية، وأبرزها:

  1. تعزيز الديمقراطية والحريات العامة، وهذه القضية طغت على برامج أغلب المرشحين وبرامج التيارات الحزبية، والدعوة إلى احترام مبدأ فصل السلطات، واستقلال القضاء، فيما دعا برنامج جبهة العمل الإسلامي إلى رفض القضاء العسكري في القضايا السياسية.
  2. الإصلاحات التشريعية والسياسية، وتناولت مجموعة من البرامج (برنامج جبهة العمل، وتيار الإصلاح الديمقراطي) القوانين المؤقتة خاصة قانون البلديات وقانون الانتخاب وأكدت أنها ستعمل على تعديلها بما يتناسب مع مشروع الإصلاح والتنمية السياسية.
  3. الوحدة الوطنية، فقد أكدت أغلب برامج المرشحين على قضية الوحدة الوطنية وأهمية تعزيزها، ورفض الدعوات الإقليمية.
  4. الأزمة الاقتصادية، حيث تناولت أغلب البرامج الانتخابية الأزمة الاقتصادية وركزت على محاربة البطالة وتخفيف مشكلة الفقر، ورفض زيادة الضرائب، والعمل على توفير فرص العمل، لكن دون أن تقدم رؤيتها أو برامجها في مواجهة هذه المشكلات. أما برنامج التيار الوطني الديمقراطي فقد ربط الأزمة الاقتصادية بمخرجات عملية السلام، واتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل والتي أدت إلى ارتهان الاقتصاد الأردني وتغريبه وتبعيته للاقتصاد الرأسمالي العالمي، بما في ذلك اتفاقيات المناطق الصناعية المؤهلة، وانضمام الأردن إلى منظمة التجارة العالمية، ومنطقة التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، وفرض شروط صندوق النقد الدولي وبرنامج التصحيح الاقتصادي، والفوضى التخطيطية، والخصخصة. كما أكد البرنامج أنه سيعمل على إعادة النظر في مجمل هذه السياسات والاتفاقيات. أما برنامج جبهة العمل الإسلامي فقد أكد على ضرورة تعديل التشريعات الاقتصادية بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية، ووضع خطة لمعالجة الفقر والبطالة والحد من المديونية الخارجية، وجملة من السياسات الاقتصادية المبنية على المطالب دون توضيح للآليات والبرامج.
  5. السياسات الاجتماعية، وقد أكدت أغلب البرامج الانتخابية على ضرورة دعم ذوي الدخل المحدود، ودعم شبكة الأمان الاجتماعي، ودعم قطاعات المرأة والشباب وذوي الاحتياجات الخاصة.


أدى قصور البرامج الانتخابية وغلبة الطابع الخدماتي والشعارات الفضفاضة، إلى انتقادات حادة من قبل أوساط ثقافية وإعلامية وحتى من رسّامي الكاريكاتير
برامج انتخابية بلا برامج عملية!
تباينت برامج المرشحين بين عدة اتجاهات، فبرامج أحزاب المعارضة ركزت على القضايا السياسية الكبرى في الداخل والخارج، وهناك برامج لعدد من الشخصيات الوطنية أيضا تناولت جملة من القضايا الوطنية والسياسية، في حين ركزت برامج أغلب المرشحين على القضايا الخدماتية والمحلية المرتبطة بمطالب دوائرهم الانتخابية أو مطالب جهوية تخص عشائر وفئات اجتماعية معينة، يعتمدون على أصواتها في الوصول إلى قبة البرلمان.

لقد أدى قصور البرامج الانتخابية وغلبة الطابع الخدماتي والشعارات الفضفاضة والجمل العامة البدهية إلى انتقادات حادة من قبل أوساط ثقافية وإعلامية متعددة أو حتى رسامي الكاريكاتير.

أسباب غياب البرامج العملية
ويمكن القول إن هناك عدة أسباب تقف وراء غياب البرامج الانتخابية العملية التي تحتوي على رؤى تفصيلية وتحليلية لطبيعة المشكلات السياسية والاقتصادية، والبدائل المطروحة. وأبرز هذه الأسباب:

  1. قانون الانتخابات ذاته الذي يقوم على مبدأ الصوت الواحد والدوائر الانتخابية الصغيرة، حيث يضطر المرشح إلى الاهتمام بمطالب دائرته والعشائر الموجودة فيها كي يتمكن من النجاح، ويؤدي أيضاً إلى تغليب التنافس العشائري والجهوي على حساب الاهتمام بالقضايا الوطنية. كما أن إفراز المرشح يخضع في أغلب المحافظات والدوائر إلى الخيار العشائري والحسابات القبلية، وكثيراً ما يتم هذا الأمر بناء على حسابات جهوية وليست موضوعية مرتبطة بمستواه العلمي والفكري أو انتماءاته السياسية، فكل ذلك له آثار كبيرة على طبيعة البرامج الانتخابية وأهميتها ومضامينها.
  2. ضعف الأحزاب السياسية، فقد أكد استطلاع للرأي أجراه مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية مؤخراً، أن هناك ضعفاً ملحوظاً في تأثير الأحزاب السياسية وإقبال الناس عليها وقناعتهم بها. ورغم أن الأحزاب اليسارية والقومية تبدو قوية من حيث السيطرة على عدد من المؤسسات الثقافية ومؤسسات المجتمع المدني، فإنها تعاني ضعفاً ملحوظاً في عدد أعضائها وقاعدتها الاجتماعية. كما تعاني غالبية الأحزاب من الضعف الشعبي، ويتميز في هذا السياق حزب جبهة العمل الإسلامي بالقدرة على التعبئة الجماهيرية والتجنيد السياسي، وبالتالي يعتبر حزب المعارضة الرئيسي في الأردن.
    إن ضعف الأحزاب السياسية يلقي ظلالاً واسعة على برامج المرشحين الانتخابية إذ إن هذه البرامج تعتمد غالباً على العمل المؤسسي المشترك في حين أن أغلب المرشحين يخوضون الانتخابات مستقلين، مما يؤثر سلباً على مستوى وزخم البرامج الانتخابية.
  3. ضعف الحالة الديمقراطية وغياب التعددية، فالأردن يعاني كغالبية دول العالم الثالث من ضعف الحالة الديمقراطية وفقدانها لعناصر أساسية. ووجود البرامج الحزبية والانتخابية التفصيلية في العديد من الدول يعتمد غالباً على حضور مبدأ التعددية السياسية وإتاحة الفرصة للأحزاب السياسية لتداول السلطة، أما في حالة دول العالم الثالث فالمعارضة لا توجد بالمعنى الحقيقي للكلمة ولا تؤدي وظيفة بنيوية أساسية في الأنساق السياسية بهذه الدول، وهي أقرب إلى توجهات سياسية أو أشخاص مختلفين مع هذه النظم أو منتقدين لها.

_______________
باحث أردني