* محمد بن المختار الشنقيطي

حينما يثور التساؤل عن الصراعات الداخلية تنصرف الأذهان في الغالب إلى مشكلات الأقليات الدينية والعرقية، لكن المشكلة في الدول العربية أكبر من ذلك وأوسع مدى، فالصراعات الداخلية في الدول العربية تتمظهر في صورتين، هما: صراع الدولة مع الأقليات، وصراعها مع "الأكثريات"، أي مع غالبية شعبها. فالمظهر الأول ثقافي عرقي، والثاني سياسي اجتماعي. وما جعل المشكلة على هذا القدر من التعقيد والتركيب، هو بنية الدولة العربية الحالية، ونظامها السياسي المتصلب، الذي يسد منافذ الصعود والنزول من القيادة وإليها بالطرق السلمية، ويعيق الحراك الاجتماعي الطبيعي، ويرفض الاعتراف بالتعددية العرقية والثقافية.

شيء من التاريخ
روى ابن كثير في تاريخه أن معاوية بن أبي سفيان لما زار المدينة المنورة لأول مرة بعد أن استقر له الملك في الشام "توجه إلى دار عثمان بن عفان، فلما دنا إلى باب الدار صاحت عائشة بنت عثمان وندبت أباها، فقال معاوية لمن معه: انصرفوا إلى منازلكم فإن لى حاجة فى هذه الدار، فانصرفوا ودخل، فسكن عائشةَ بنت عثمان، وأمرها بالكف، وقال لها: يا بنت أخى، إن الناس أعطونا سلطاننا، فأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، فبعناهم هذا بهذا، وباعونا هذا بهذا، فإن أعطيناهم غير ما اشتروا منا شحوا علينا بحقنا، وغمطناهم بحقهم، ومع كل إنسان منهم شيعته، وهو يرى مكان شيعته، فإن نكثناهم نكثوا بنا ثم لا ندري أتكون لنا الدائرة أم علينا". (1). ولعل هذا النص يصور أبلغ تصوير مشكلات الصراعات الداخلية في الدول العربية في جذورها التاريخية، وأسبابها الاجتماعية والسياسية.

لقد قال معاوية كلامه هذا في ظروف شبيهة إلى حد ما بالظروف السياسية السائدة في الدول العربية اليوم:


  • الآليات السياسية التي استخدمها معاوية ليست بعيدة عن الآليات التي يستخدمها بعض قادة الدول العربية اليوم تعويضا عن الشرعية الضائعة وتغطية على الظلم السياسي والاجتماعي السائد ومحاولةً لاحتواء الصراعات الداخلية
    مجتمع ممزق بصراعات مريرة على السيادة، حلت الأحقاد السياسية فيه محل التآخي والتعاضد، وأصبح الأخذ بالثأر والثأر المضاد هو السائد.
  • انقطاع التواصل الطبيعي بين الحاكم والمحكوم، بسبب تجاوز منطق التراضي والتدافع السلمي، وسيادة منطق القوة والغلبة.
  • قيادة فرضت نفسها بالقوة، واعتبرت السلطة حقا طبيعيا لها (أعطونا سلطاننا / شحوا علينا بحقنا) لكنها فقدت الثقة في شعبها لعدم شرعيتها.
  • خوف تلك القيادة الدائم من شعبها، مما يجعلها تتحسب للثورات في كل وقت (فإن نكثناهم نكثوا بنا، ثم لا ندري أتكون لنا الدائرة أم علينا).
  • شعب فقد الثقة في قيادته، لأنها لم تقم لخياره وزنا، وتجاوزت حدود العدل في الحكم والقسم (وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد).
  • ثورات شعبية مشتتة الجهد، متضاربة الأهداف، لكل منها وجهة، فهي لا تعرف العمل المشترك، ولا تدرك ما يجمع بينها (ومع كل إنسان منهم شيعته).
  • سيادة العلاقات النفاقية بين الحاكم والمحكوم، وإظهار كل منهما للآخر غير ما يبطن، نظرا لانسداد أبواب التعاون الحر والتناصح النزيه (فأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد).

كما أن الآليات السياسية التي استخدمها معاوية ليست بعيدة عن الآليات التي يستخدمها بعض قادة الدول العربية اليوم، تعويضا عن الشرعية الضائعة، وتغطية على الظلم السياسي والاجتماعي السائد، ومحاولةً لاحتواء الصراعات الداخلية. فقد اعتمد معاوية إستراتيجية "أنا أو الطوفان" أثناء الحرب، ثم تحول إلى إستراتيجية "الدهاء والعطاء" بعدها، وهو أمر شبيه ببعض الآليات المتبعة في الدول العربية حاليا، كما سنرى فيما بعد.

أولا: جذور الصراع
ثانيا: إشكال الشرعية السياسية
ثالثا: إستراتيجيات التعامل مع الصراع
رابعا: تناقضات مثيرة
خامسا: إجراءات جماعية
سادسا: ردود الأفعال
سابعا: ميزان القوى

أولا: جذور الصراع

يمكن إجمال جذور الصراعات الداخلية في الدول العربية اليوم في عدة أسباب:

1- أسباب تاريخية
منها أن أغلب الدول العربية دول مصطنعة، بل هي "دول مصنعة" إذا استعملنا تعبير البروفيسور عيديد دويشة (2)، فهي لا تعبر عن هوية ثقافية متميزة، أو كتلة بشرية محددة الملامح، بقدر ما تصور عبث المستعمرين الذين رسموا حدودها ومنحوها شهادة الميلاد، واستهتارهم بمصير الأمة العربية. بل إن الدول العربية بحدودها اليوم لا تعبر عن كيانات سياسية كان لها وجود متميز قبل الاستعمار، باستثناء المغرب ومصر، وربما السعودية بدرجة أقل. فالولاء للدولة الذي هو الضامن للانسجام الاجتماعي لايزال – وسيظل – ناقصا في الدول العربية، ولايزال الولاء للأمة الأوسع من الدولة، أو للكيانات الطائفية والعرقية والجهوية الأضيق منها هو السائد، لأن الدولة العربية المعاصرة لم يكن ميلادها طبيعيا في أغلب الأحوال، ولا كان حصيلة تطور تاريخي ذاتي، بل ولدت ولادة قيصرية لا تزال آلامها مستمرة، في شكل صراعات داخلية مريرة.

2- أسباب أخلاقية


إن الممارسة السياسية في دول الغرب تخضع لمعايير أخلاقية أساسها احترام كرامة الفرد وخيار الناس والاعتراف بحق الاختلاف
أهمها انعدام أي ضابط أخلاقي في الممارسة السياسية. فرغم نزعة التمدح السائدة في الثقافة العربية الآن، والتي تصم دول الغرب بالانحلال الخلقي والإباحية والمادية، فإن الممارسة السياسية في دول الغرب تخضع لمعايير أخلاقية، أساسها احترام كرامة الفرد وخيار الناس، والاعتراف بحق الاختلاف. وليس في دول الغرب اليوم من يبلغ به الانحطاط الأخلاقي أن يهدم مدينة على رؤوس ساكنيها نكاية بمعارضيه، كما حدث في "حماة" السورية، أو يبيد قرية كاملة بالسلاح الكيماوي، كما حدث في "حلبجة" العراقية، أو يشن "حربا قذرة" على مواطنيه تشبثا بالكرسي كما يحدث في الجزائر الآن. صحيح أن الغربيين لا يريدون هذه الأخلاقيات لغيرهم، فالإنسان الغربي "لا يحمل فضائله خارج عالمه" كما لاحظ بحق المفكر الجزائري مالك بن نبي (3)، لكنهم يلتزمون بها في ممارستهم السياسية الداخلية، وهو ما ينقص الدول العربية اليوم. وربما لا توجد بلدان على وجه البسيطة اليوم (إذا استثنينا صربيا وبوروندي ورواندا) يسترخص فيها الناس إراقة الدماء ويستسهلون انتهاك الحقوق والحرمات في صراعهم السياسي، مثل الدول العربية والإسلامية. وهذا انحطاط أخلاقي يحتاج إلى دراسة خاصة تتناول جذوره التاريخية وأسبابه الاجتماعية والفكرية والنفسية العميقة.

3- أسباب أيديولوجية
وهي ذات صلة بميراث الاستعمار وظهور القوميات. لقد تعايش العديد من الأقوام في المنطقة المعروفة باسم العالم العربي اليوم خلال قرون مديدة، دون صراع على موضوعات مثيرة للخلاف اليوم مثل موضوع اللغة والهوية، وكان السبب في ذلك هو أن الإسلام أدى إلى نوع من الانصهار والتمازج، كما منح قدرا من المرونة الداخلية في المجتمعات الاسلامية. لكن ظاهرة الاستعمار ثم ظاهرة الأيديولوجية القومية التي تزامنت معه وأعقبته غيرا هذه المعادلة، فلم يعد الانصهار القديم بين الأقوام قائما، ولا عادت تلك المرونة التاريخية قائمة أيضا. بل أصبح بربري الجزائر والمغرب، وكردي العراق وسوريا -مثلا- يعبران تعبيرا مغاليا عن تميزهما القومي عن الأغلبية العربية التي يعيشون بينها، كما أصبح بعض العرب ينظرون بكثير من الريبة إلى تلك النزعة، ويفسرونها على أنها سوء قصد في أحسن الأحوال، أو عمالة للخارج وتآمر على الوحدة الوطنية في أسوئها .. وقد أشار العديد من الباحثين إلى أثر الأيديولوجيا القومية في إثارة الحرب بين العرب والأكراد العراقيين مثلا (4) وهو أمر يصدق على حالات أخرى عديدة.

4- أسباب اجتماعية
أهمها نقص العدل الاجتماعي الذي ينتج الرضا بالسلطة، أو التغاضي عنها على الأقل، ويعين على الانسجام الاجتماعي والتآلف السياسي. ففي أغلب الدول العربية يسود الظلم الاجتماعي والأثَرة، وتقل الشفافية والمراقبة والمحاسبة، بشكل لم يعد له وجود في أغلب دول العالم. وتحرم الدولة قوى اجتماعية عريضة من حقها الشرعي في السلطة والثروة. فإن كانت لهذه القوى الاجتماعية خصوصيات ثقافية أو عرقية تم كبتها بسطوة وشدة، بدلا من الاعتراف بها مكونا من مكونات المجمتع له الحق في التحرك ضمن الفضاء الاجتماعي والسياسي الفسيح. ولم يكن هذا الظلم الاجتماعي ليمر بدون أثر سلبي على بنية الدولة ولحمة المجتمع، لأن "الظلم مؤذن بخراب العمران" حسب تعبير ابن خلدون، والصراعات الداخلية مظهر من مظاهر هذا الخراب. ولعل في نزوح أغلب سكان الدول العربية من الريف إلى المدينة سببا اجتماعيا آخر، فأهل الريف أكثر زهدا في خدمات الدولة وأخف عبئا عليها من أهل الحضر، الذين تنمو لديهم روح المطالبة وعدم الرضا بالتفاوت الاجتماعي، وتضغط عليهم ظروف حياة لا تستغني بالكفاف ولا ترضى بالظلم.

5- أسباب اقتصادية
منها فشل مشاريع التنمية الاقتصادية. فالحكومات التي تنجح في مشاريعها الاقتصادية، وتقود بلدانها إلى الإقلاع الاقتصادي، تكتسب عادة نوعا من الرضا يعوض عن نقص الشرعية السياسية، ومن أمثلة ذلك النهضة الاقتصادية في الصين اليوم، والنجاح العسكري الباهر الذي تمكن من إنجازه الشيوعيون السوفيات أثناء الحرب العالمية الثانية. لكن أغلب حكومات الدول العربية تعاني من الخللين معا، مما جعل الأزمة مركبة، عسيرة على الحل: فلا التضحية بالشرعية تم تعويضها بنهضة اقتصادية وعمرانية أو نجاحات عسكرية ميدانية، ولا مُنح الناس حرياتهم وحُفظت لهم كرامتهم الفردية وخياراتهم الجماعية. وهكذا لم يجد الناس متنفسا في بناء السلطة ولا في أدائها، فالبناء غير شرعي والأداء غير فعال.

6- أسباب ثقافية
منها انشطار الهوية الثقافية بسبب الاستعمار وميراثه، خصوصا في الدول التي استعمرتها فرنسا. ومنها تخلف الثقافة السياسية، وتحكم بعض "الكوابح" النفسية والاجتماعية في الذهنية العربية، جراء تجربة تاريخية غير موفقة في مجال علاقة الراعي بالرعية. وهو أمر يرجع إلى ميراث حرب "صفين" منذ منتصف القرن الأول الهجري. لقد أثمرت التجربة التاريخية البائسة في مجال الشرعية السياسية تشاؤما عميقا في الذهنية العربية تجاه أية محاولة للإصلاح السياسي السلمي والتعددية السياسية. وقد غالى بعض الفقهاء في التعبير عن هذا التشاؤم، فوصموا كل محاولة للإصلاح أو التعبير عن التعددية بصفة "الفتنة"، وبالغوا في تحذير الناس من الوقوف في وجه السلطان مهما كان ذلك مجديا ومتعينا، واشتطوا في تبرير الظلم السياسي خوفا من "الفتنة"، حتى إن بعض علماء الأزهر أفتى بعدم جواز مقاومة "نابليون" إبان غزوه لمصر، متعللين بأن ذلك فتنة، وألف أحد الفقهاء الموريتانيين كتابا سيئ الصيت أثناء الاستعمار الفرنسي سماه: "النصيحة العامة والخاصة في التحذير من قتال الفرانصة" (الفرنسيين) نحا فيه المنحى نفسه. وهذه العقلية الجبرية التبريرية التي تسد الباب أمام الأمل في الإصلاح والنضال السلمي، هي التي تفتح الباب للانفجارات والتمزقات الداخلية غير الموزونة.

7- أسباب خارجية
فليس خفيا أن العديد من الدول الغربية تتلاعب بملف الأقليات والصراعات الداخلية في الدول العربية، لاعتبارات إستراتيجية، تسعى من خلالها إلى الإبقاء على "نقاط ساخنة" يمكن اتخاذها ذريعة عند الحاجة لترسيخ النفوذ في المنطقة، والتحكم في مسارها السياسي وثرواتها الاقتصادية. ورغم أن بعض السياسيين العرب -حكاما ومعارضين- يبالغون أحيانا في تصوير هذا التدخل والتأثير الخارجي، ويفسرونه تفسيرا تآمريا لا يخلو من مغالاة، فإن لهذه الظاهرة أساسا موضوعيا واضحا للعيان. فالتدخل الأميركي في العراق بدعوى "حماية" الأكراد والشيعة، والدعم الفرنسي لبربر الجزائر –خصوصا الفرانكوفونيين منهم– مجرد مثال على ذلك. والغالب أن يكون التدخل الأجنبي لصالح الأقليات –أو هكذا يتم تصويره– إذا كان الصراع بين الدولة وأقلية من مواطنيها، أما إذا كان الصراع بين الدولة والأكثرية فيكون التدخل لصالح الدولة (الحكومة عادة). والغالب كذلك ألا ينتج عن التدخل الخارجي أي حل حاسم للصراع، بقدر ما يؤدي إلى الإبقاء عليه في حدود معينة يمكن التحكم بها وتوجيهها. ومن مظاهر التأثير الخارجي تدخل بعض الدول العربية في الصراعات السياسية المشتعلة في دول عربية أخرى، وهي ظاهرة سنشير إلى أمثلة منها في ما بعد. وربما كان التدخل السوري في الصراع اللبناني بعد اتفاقية الطائف هو الاستثناء الوحيد الذي أثمر استقرارا نسبيا، ووضع حدا للاقتتال اللبناني، نظرا لخصوصية العلاقة التاريخية بين البلدين.

وكثيرا ما يكون سبب الصراعات الداخلية في الدول العربية مزيجا من هذه الأسباب مجتمعة، فالصراع الدموي في الجزائر اليوم –مثلا- ترجع جذوره إلى تعاضد كل هذه العوامل والأسباب، فهو نتيجة لانشطار في الهوية الثقافية ناتج عن النفوذ الثقافي الفرنسي، وحساسيات عرقية بين العرب والبربر، وفساد وعجز في التنمية الاقتصادية، وتدخل فرنسي مباشر لدعم السلطة الموالية لفرنسا، مع العوامل الأيديولوجية التي يشترك فيها المجتمع الجزائري مع غيره من المجتمعات العربية، وأخيرا إشكال الشرعية السياسية الذي نتحدث عنه الآن.

ثانيا: إشكال الشرعية السياسية

أصبح من مسلمات العلوم الاجتماعية اليوم أن الشرعية السياسية من أهم أسباب الاستقرار وتفادي الصراعات والانشقاقات الداخلية في المجتمعات البشرية. والمراد بالشرعية السياسية هو "التأمر في الأمير" الذي ورد في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه "قال لي ذو عمرو (أحد أعيان اليمن في صدر الإسلام) يا جرير إن بك عليَّ كرامة، وإني مخبرك خبرا، إنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمرتم في آخر"
(5). و"التأمر في الأمير" بلغة معاصرة هو التحكم في الحاكم، أي أن يكون اختيار السلطة بإرادة المحكومين، ويكون أداؤها تحت مراقبتهم ومحاسبتهم، مع تمكنهم من عزلها واستبدالها سلميا. وهذا هو تعريف الشرعية السياسية في العلوم الاجتماعية اليوم.

إن من ثمرات الشرعية السياسية ذات الصلة بموضوعنا هنا:
أولا: أنها تستبدل بالإكراه المادي إكراها معنويا نابعا من إرادة المجتمع، والإلزام القسري بالتزام طوعي تمليه فكرة التعاقد. وبذلك تكون "الشرعية هي الشكل الروحي للسيطرة، والمظهر المعنوي للإكراه" (6). ولا يعني هذا اختفاء ظاهرة القسر والإكراه المادي في ظل السلطة الشرعية، فتلك ظاهرة لا تنفك عن فكرة السلطة، حتى عد "أدموند بورك" في كتابه "تأملات في الثورة الفرنسية" أن "القسر في عداد حقوق الإنسان، شأنه شأن الحرية سواء بسواء" (7).. وإنما سينحصر هذا الإكراه في أضيق حدود، فيقتصر استخدامه ضد المجرمين والخارجين على المجتمع، "لأن السلطة المعترف بها (الشرعية) تنحصر بقمع نقاط محدودة من التمرد، وتستند إلى قاعدة نفسية من الرضا العام" (8). ولا تخفى قيمة الشرعية هنا في تفادي الصراعات الداخلية التي تمزق المجتمعات العربية اليوم.


الشرعية السياسية هي الضامن لما أسماه الفيلسوف الألماني هيغل "الدولة المنسجمة" أي الدولة التي يسود فيها الاعتراف بحق الاختلاف واحترام خيار الناس في شكل القيادة التي تسوسهم ويتم حل الخلافات فيها بقوة الإقناع أو القانون
ثانيا: أن المجتمعات التي تقودها سلطة شرعية يسودها السلم الاجتماعي والانسجام، وهما خاصيتان ناتجتان عن انبثاق الدولة من المجتمع، وصدورها عنه في سير عملها، وإمكانية التداول السلمي للسلطة دون إثارة صراع داخلي يمزق لحمة المجتمع ويعوق مسيرته. وبذلك يستمر التطور الاجتماعي صُعُدا وعلى مهل دون انقطاعات أو تمزقات، بما أن "أساس كل تطور هو حصول وحدة اجتماعة طوعية" (9). فالشرعية السياسية هي الضامن لما أسماه الفيلسوف الألماني هيغل "الدولة المنسجمة"
(10)، أي الدولة التي يسود فيها الاعتراف بحق الاختلاف، واحترام خيار الناس في شكل القيادة التي تسوسهم، ويتم حل الخلافات فيها بقوة الإقناع أوالقانون، لا بقوة السلاح. وهذا النمط من "الدولة المنسجمة" هو الذي ينقص المجتمعات العربية اليوم.

ثالثا: تمثل الشرعية عاملا من أهم عوامل القوة في المجتمعات البشرية "فالشرعية هي أيضا شكل من أشكال القوة" (11) لأنها تكسب المجتمع تلاحما ومنعة ضد الأعداء، فكم من شعوب ضعيفة قليلة العدد استطاعت صد عدو شرس بفضل قوة التلاحم هذه، التي هي ثمرة من ثمار الشرعية "فالشرعية إذن على حد تعبير "فاكلاف هافيل" تمثل قوة الضعفاء" (12). أما المجتمعات التي تحكمها سلطة استبدادية فإن الصراع الدائر بين الطامحين إلى السلطة يضعفها، ويجعلها لقمة سائغة أمام أول عدو طارق، رغم قوتها البادية، لأن الاستبداد وجه أساسي من "أوجه الضعف في الدول القوية". (13)، لكن يبدو أن حكام الدول العربية الذين يراهنون على القوة في حسم الصراعات الداخلية في بلدانهم لا يدركون أهمية هذا النوع من عوامل القوة والضعف.

وليس يخفى على المتتبع للصراعات الداخلية في الدول العربية اليوم أن انعدام الشرعية السياسية وسيادة الاستبداد بالأمر والانفراد بالقرار سبب جوهري –إن لم يكن أهم سبب– في تلك الصراعات. فقادة الدول العربية الآن لا يستمدون شرعيتهم من اختيار الناس، بل من الوراثة أو الغلبة، أو من مزيج منهما، أو حتى من تحالفات دولية وراء البحار. وليس كانعدام الشرعية مسبب للصراعات، وليس مثل الاستئثار بالسلطة والثروة مثير للأحقاد. وأطرف ما طرأ على أزمة الشرعية السياسية في الدول العربية خلال الأعوام الأخيرة اتجاه الدول التي كانت تسمي نفسها "جمهوريات" إلى التحول إلى ملكيات. وقد تم ذلك بالفعل في سوريا، ومن المتوقع أن تسير دول أخرى على نهجها وأن يأتينا الغد القريب برؤساء ورثوا قيادة "الجمهوريات" من آبائهم!!.

ثالثا: إستراتيجيات التعامل مع الصراع

إذا كانت هذه هي أسباب الصراعات الداخلية في الدول العربية، فإن المرء سيتوقع من قيادات الدول العربية التعامل معها بهذا المنطق، أي بالغوص إلى جذور الشر واقتلاعها، من خلال رفع المظالم، وإيجاد متنفس للقوى الاجتماعية والسياسية للتعبير عن نفسها، وإعطاء الأقليات حقوقها المشروعة في التميز الثقافي والتنمية الاجتماعية. لكن السياسات المتبعة في الدول العربية لعلاج الصراعات الداخلية توجهها رؤى إستراتيجية من نوع آخر، يمكن إجمالها في نوعين، إستراتيجية إلهاب المعركة، وإستراتيجية احتوائها.

"أنا أو الطوفان"
تهدف إستراتيجية إلهاب المعركة إلى إقناع عامة الناس بأنه لا بديل عن القيادة الحالية سوى الخراب والدمار. وهي مزيج من العمل العسكري المحدود والحرب النفسية الشاملة، وذلك منطق قديم عبر عنه الفرنسيون بعبارتهم الشهيرة "أنا أو الطوفان" Moi ou le deluge. وهكذا باسم محاربة التخريب تخرب السلطة حياة الناس، وتحت راية مكافحة الإرهاب تمارس أبشع صوره.


في إستراتيجية "أنا أو الطوفان" تتولى الأجهزة السرية نصيب الأسد لأن الوسائل القذرة المستخدمة لا يمكن المجاهرة بها

وفي إستراتيجية "أنا أو الطوفان" تتولى الأجهزة السرية نصيب الأسد، لأن الوسائل القذرة المستخدمة لا يمكن المجاهرة بها. وقد لفتت نظري فقرتان من تقديم القاضي الإيطالي "فرديناندو أينبوزيماتو" لكتاب "الحرب القذرة" La Sale Guerre الذي أصدره مطلع هذا العام "حبيب سويدية" الضابط السابق بالقوات الخاصة في الجيش الجزائري، إحداهما بعنوان "إستراتيجية التوتر" La strategie de tension والثانية بعنوان "السلطة الخفية" Le pouvoir invisible. فهما عنوانان يعبران بعمق عن هذه الإستراتيجية بشقيها النظري والعملي.

ففي الفقرة الأولى شرح "فرديناندو" كيف تتبنى السلطة العسكرية الجزائرية إستراتيجية إلهاب المعركة وإشعالها أكثر فأكثر، من أجل إقناع الرأي العام في بلدها وفي العالم أن البديل عنها هو بحر من الدماء وموجة من الخراب. ثم هي بذلك تجرم معارضيها، وتشغل مواطنيها عن المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي هي لب الأزمة، وتحولها إلى مجرد مشكلة أمنية تثيرها حفنة من الأشرار الخارجين على القانون..!!.

وفي الفقرة الثانية أوضح القاضي الإيطالي كيف يتم تنفيذ تلك الإستراتيجية تحت جنح الظلام، مشيرا إلى أن "هناك سلطة خفية تتحكم في الجزائر اليوم، وتعمل من وراء ستار للتأثير على مجرى الأحداث، وهي تشتت المجتمع، وتقتل المعارضين من داخل النظام ومن خارجه" (14). وهو يقصد بالحكومة الخفية هنا ثلة من الجنرالات تتحكم بالجيش وبالأجهزة الأمنية والإعلام. وقد كشف حبيب سويدية مشاهد من تلك "الحرب القذرة" تكشف عن عمق الفجيعة التي يمكن أن تحل بأي شعب اتسعت الجفوة فيه بين الحاكم والمحكوم.

كما لاحظ "غراهام فولر" الباحث في مؤسسة "راند" الأميركية كيف تستفيد بعض القيادات العربية من إستراتيجية إلهاب المعركة، فقال "في الجزائر ومصر وجدت السلطة أن من الأفضل لها دفع الإسلاميين إلى العنف، من أجل تبرير سحقهم، تحت شعار (محاربة الإرهاب)" (15). وهي النتيجة نفسها التي توصل إليها "فرانسوا بورغا" في دراسته للحالة الجزائرية فقال "أعطني أي حزب سياسي في الغرب، وسأحوله لك إلى "جماعة إسلامية مسلحة" خلال أسابيع، إذا ما استخدمت الطرائق نفسها المستخدمة ضد الحركات الإسلامية" (16).

ولا تخلو دولة عربية تقريبا من تبني مظهر من مظاهر إستراتيجية "أنا أو الطوفان"، فهي كلها تجرم معارضيها، وتتهمهم بالعمالة والخيانة وتفريق الصف وتهديد الوحدة والاستقرار، وتخيف الناس منهم ومن برامجهم السياسية والاجتماعية. إنما تختلف القيادات العربية في درجة تطبيق هذه الإستراتيجية، من العمليات السرية الدموية في الجزائر، إلى التصفية الجسدية في العراق، إلى الزج بالمعارضين في السجون بمصر وتونس والمغرب والسعودية وسوريا، إلى الخطاب الإعلامي المثير في ليبيا.. إلى درجات أخرى أخف وطأة في دول عربية أخرى.

"الدهاء والعطاء"
أما النوع الثاني فهو إستراتيجة احتواء المعركة، وهي تتمثل في التفاف الدولة على خصومها، وتجريدهم من سلاحهم المادي أو المعنوي من خلال إجرءات سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية تحاصرهم بها. وربما يجد المرء جذورا لهذا المنحى في الأدبيات "السلطانية" القديمة التي تؤكد على أن بقاء السلطة مرهون بعاملين الدهاء والعطاء. فـ"الدهاء" هو قدرة السلطة على خديعة أعدائها، والتلاعب بمشاعر رعاياها بما يخدم توطيد بقائها. و"العطاء" هو إغراء الناس وشراء الولاء منهم، دون الاعتراف بهم شركاء شرعيين في السلطة والثروة. ولسنا بحاجة إلى التأكيد على أن هذا المنطق إذا كان يصلح في عصر الإمبراطوريات، التي "لا يوجد فيها من الأحرار سوى شخص الإمبراطور"، حسب تعبير هيغل، فهو لا يصلح في عصر الديمقراطيات وسلطة الجماهير.. على المدى البعيد على الأقل.

ومع ذلك فإن هذا المنطق لايزال هو السائد في أغلب الدول العربية اليوم، كل ما تغير هو أن "الدهاء" الذي كان موهبة فردية ينبغي أن يتسم بها الحاكم، أصبح اليوم مهنة تتولاها أجهزة بيروقراطية سرية، وأن "العطاء" الذي كان مجرد "خلْع حلة" أو منح "ألف دينار" كافيا فيه، أصبح اليوم ثروة طائلة تعد بمليارات الدولارات.

ومن الأمثلة على الإجراءات السياسية من هذا النمط اتفاقية الجزائر عام 1975 بين العراق وإيران التي استطاعت السلطة العراقية من خلالها قطع المدد الإيراني عن الأكراد العراقيين، مقابل تنازلات لإيران في "شط العرب" (وقد دفع البلدان ثمن ذلك في ما بعد بحرا من الدماء) ومنها أيضا "تعيين العديد من الشيعة العراقيين في القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم في العراق عام 1982، أشد أعوام الحرب مع إيران ضراوة" (17) وزيادة تمثيلهم في القيادات العليا للدولة من نسبة 24% إلى نسبة 50% في السنة نفسها (18). ومن الأمثلة على الإجراءات الأيديولوجية تشبث السلطة السورية بنوع من التوجه القومي العروبي يعوض نظرة الناس إليها كأقلية حاكمة، ومبالغة السلطة العراقية في بناء وزخرفة المساجد والأضرحة الشيعية أثناء حربها مع إيران لكسب ود الشيعة العراقيين، وتأكيد السلطة المغربية على معاني الولاء للأسرة "العلوية- النبوية" وطاعة "أمير المؤمنين". أما الإجراءات الاقتصادية فمن أمثلتها شراء ولاء بعض الزعامات السياسية والقبلية الكردية في العراق، وإعطاء امتيازات اقتصادية لقوة خارجية مقابل الاحتماء بها، كما هو الحال في علاقة السلطة الجزائرية بفرنسا، وعلاقة حكام الخليج بأميركا.

وتقترب إستراتيجية الاحتواء تجاه الأقليات من النجاح كلما رافقها نوع من التسامح والاعتراف المعنوي بالأقليات، وتجنب أي استقطاب طائفي في المجتمع. وربما كان من أمثلة النجاح في هذا الشأن تعامل كل من الإمارات العربية المتحدة وقطر مع الأقليات الشيعية فيهما، حتى إن أغلب الناس لا يعلمون بوجود هذه الأقليات. وربما كانت الكويت مثالا آخر للنجاح في احتواء شيعتها، وإن كان أقل من المثالين السابقين، كما تدل عليه حوادث توتر داخلي أثناء الحرب العراقية الإيرانية.

ويمكن القول إن إستراتيجية إلهاب المعركة أكثر بروزا في "الجمهوريات" العربية، لأن حكامها عسكريون يميلون إلى حلول "عملياتية" لمشكلاتهم السياسية، وإن إستراتيجية احتواء المعركة أكثر بروزا في الملكيات، لأن حكامها غير عسكريين، باستثناء الأردن، فهم يميلون إلى أن اجتناب الحرب أسهل من كسبها، كما أن تحت أيديهم من الموارد ما يجعل لسياسة "العطاء" أثرا فعالا.

رابعا: تناقضات مثيرة

وكثيرا ما تقع بعض الحكومات العربية في تناقضات أخلاقية وسياسية مثيرة للانتباه في التعامل مع الصراعات الداخلية في بلدانها، والتخلص من معارضيها، سواء كانوا من الأكثرية أو من الأقليات: ففي الوقت الذي تحرم فيه حكومات المغرب العربي أقليات مثل بربر الجزائر والمغرب وأفارقة موريتانيا من استخدام لغاتهم في المدارس باسم حماية اللغة العربية، تحمي تلك الحكومات ميراث الاستعمار الفرنسي ولغته في التعليم وفي الإدارة على حساب اللغة العربية. وبينما تلح تلك الحكومات على اعتبار الإسلام أهم عامل للتوحيد والانسجام الاجتماعي والسياسي في محاولة لاحتواء الأقليات المسلمة غير العربية، ترفض الاعتراف بالقوى السياسية الإسلامية التي تسعى إلى تحويل هذا الشعار إلى برنامج عملي. وفي الوقت الذي كانت فيه السلطة السعودية تقود دعاية عالمية ضد الشيعة الإيرانيين، وتصمهم بالكفر أثناء حربهم مع العراق، خوفا من النفوذ الإيراني، وانسجاما مع الإستراتيجية الأميركية في الخليج آنذاك، كانت السلطة نفسها لا تريد لتلك الدعاية أن تمتد إلى الأقلية الشيعية في السعودية نفسها، تجنبا لما يزعزع البيت الداخلي، وفي منطقة النفط بالذات في شرق البلاد. وبالمنطق نفسه كان العراق يؤوي "الإخوان المسلمين" الهاربين من القمع في سوريا في الوقت الذي يستأصل فيه "الإخوان" العراقيين، وتدعم قيادة كل من سوريا والعراق "حزب العمال الكردستاني" التركي رغم قمع كلتيهما للأكراد في بلدها، وتؤيد السعودية الشيوعيين اليمنيين في حرب انفصالهم رغم حربها على الشيوعية طيلة الحرب الباردة ضمن "إستراتيجية التطويق" الأميركية للاتحاد السوفياتي. وأحيانا يؤدي هذا الاضطراب وعدم الانسجام في الإستراتيجية إلى مواقف حرجة، فبينما تؤكد السلطة العراقية مثلا على توجهاتها العروبية، من أجل احتواء الأغلبية الشيعية العربية، فإنها تثير بذلك حفيظة الأكراد غير العرب.

لكن دعم االمعارضين في الدول الأخرى لم يعد بضاعة رابحة عربيا، بل أصبح العكس هو الصحيح، كما نرى الآن.

خامساً: إجراءات جماعية

من الأمور الملفتة للنظر في العقدين الأخيرين، انحسار ظاهرة دعم الدول العربية للمعارضين السياسيين في الدول العربية الأخرى، كما كان الحال خلال الستينيات والسبعينيات. ويبدو أن الحكام العرب توصلوا إلى نوع من "الردع المتبادل" أو إن شئت "الرعب المتبادل"، فلم يعد أي منهم يجرؤ على دعم معارضي غيره، خوفا من استخدام السلاح نفسه ضده. بل تطورت الأمور باتجاه التنسيق في مجال الأمن، والتعاون في مجال سياسة البقاء.


يبدو أن الحكام العرب توصلوا إلى نوع من الردع المتبادل أو أإن شئت "الرعب المتبادل" فلم يعد أي منهم يجرؤ على دعم معارضي غيره، خوفا من استخدام السلاح نفسه ضده بل تطورت الأمور باتجاه التنسيق في مجال الأمن والتعاون في مجال سياسة البقاء
ولعل من أبرز ظواهر ذلك تكثيف أعمال "مجلس وزراء الداخلية العرب" ولقاءاته في السنوات الأخيرة، بمبادرة من تونس والسعودية ومصر والجزائر. وتقدر مصادر مقربة من مجلس وزراء الداخلية العرب معدل المؤتمرات الأمنية العربية المشتركة بحوالي 22 مؤتمرا كل عام (19). كما أصبح معروفا اليوم أن "مجلس وزراء الداخلية العرب" هو الهيئة الوحيدة من هيئات العمل العربي المشترك التي تعمل بفاعلية وانتظام، مما يكشف طغيان الهاجس الأمني على تفكير القادة.

ومن أهم ما تفتقت عنه أعمال مجلس وزراء الداخلية العرب "المعاهدة العربية لمكافحة الإرهاب" التي تم التوقيع عليها في شهر أبريل/ نيسان 1998 وأصبحت نافذة المفعول في مايو/ أيار 1999. وقد انتقدت العديد من منظمات حقوق الإنسان العربية والدولية هذه الاتفاقية، لأنها تضمنت تعريفا فضفاضا للإرهاب، وركزت على أبعاده السياسية، وجعلته يشمل كل "اعتداء على الملوك والرؤساء العرب أو على زوجاتهم أو أقاربهم أو ولاة عهدهم أو وزرائهم" (الفقرة "ب" من المادة 2) دون تحديد قانوني لمعنى "الاعتداء" هنا، مما يجعله متسعا لأي عمل سياسي معارض، مهما يكن شرعيا وسلميا. وحرص صائغو الاتفاقية على أن ذلك "لا يعد جريمة سياسية، حتى وإن كانت دوافعه سياسية". أي أنه يعتبر جريمة جنائية لا سياسية. والهدف من ذلك هو سد الباب أمام المعارضين للحصول على اللجوء السياسي في أي بلد من البلدان الموقعة. وتجعل المادة 25/1 من الاتفاقية من حق السلطة القضائية في أي دولة موقعة على الاتفاقية أن تطلب من السلطات في الدول الأخرى اعتقال أي شخص أو أشخاص لمدة شهر، حتى يأتي أمر بترحيلهم إليها، دون إلزام السلطة المتقدمة بالطلب بأي نوع من الأدلة القضائية قبل الاعتقال.

والملاحظ من خلال هذه الجهود الجماعية غياب التعامل مع الصراعات الداخلية بمنطق سياسي، وانعدام المبادرات ذات الطابع الدبلوسي في تناولها، واختصارها في صيغة إجرامية جنائية، والميل إلى اعتماد الحلول الأمنية، رغم أن الدول العربية ليست فيها عصابات مثل مافيا المال الإيطالية أو مافيا المخدرات الكولومبية، فجذور العنف فيها سياسية بالدرجة الأولى.

سادسا: ردود الأفعال

هذا عن إستراتيجيات الدولة، أما خصومها فلديهم إستراتيجياتهم الخاصة بهم، ومنها:
أولا: الاستعانة بظهير خارجي، له موقف سلبي من حكومة ذلك البلد، أو مطامح للحصول على موطئ قدم فيه، أو مجرد متعاطف تربطه ببعض القوى المحلية روابط عرقية أو ثقافية. وكثيرا ما يكون هذا الخيار محفوفا بالمخاطر، لأنه إن خدم القضية على المستوى الميداني، فهو يضر بها على المستوى المعنوي. لأن ذلك يمكن الدولة من إلصاق تهمة العمالة والتآمر الخارجي بمعارضيها، وسلبهم نقاء رسالتهم وأخلاقية نضالهم. وربما كان هذا من أسباب استمرار محنة الأكراد. وقد لاحظ العديد من الدارسين للصراعات الطائفية في الدول العربية أن ذلك هو السبب الذي جعل الأقليات الشيعية في دول الخليج العربية تتردد كثيرا في طلب العون من إيران، لأن ثمن دعمها الخارجي قد يكون باهظا في الداخل. وقد استفادت بعض الحكومات من هذه المعادلة الحرجة، حيث يشير "ميخائيل حرب" إلى "تبني السلطة البحرينية إستراتيجية ترويج إعلامي للعلاقات بين المعارضة البحرينية [الشيعية] وإيران، وحتى اختلاق مثل تلك العلاقة أحيانا" (20).


تحتاج الحكومات العربية إلى مقدار معقول من الانفتاح الإعلامي يرسخ التعددية الفكرية والأيديولوجية وينزع فتيل الفكر الإطلاقي المتشنج الذي يجعل كل طرف من مكونات الفضاء السياسي يعتقد أنه مستودع الحكمة والصواب وأن ما سواه شر مطلق
ثانيا: حمل السلاح ضد الدولة أشخاصا ورموزا، وخوض حرب عسكرية ضدها، من أجل إرغامها على قبول المطالب أو الرضى بالتفاوض على الأقل. وهذا حال الأكراد العراقيين، وبعض الجماعات الإسلامية المسلحة في مصر والجزائر. ولا تدل هذه الإستراتيجية على نجاح كبير، بل غالبا ما تؤدي إلى نتائج عكسية. لأن الحرب ضد السلطة كثيرا ما تتحول إلى حرب ضد المجتمع، وأحيانا بتدبير من السلطة نفسها، وكل من أعلن الحرب على مجتمعه فالفشل مآله. كما أن هذا المنحى يعطي السلطة ذريعة لمحاربة المعارضة السياسية السلمية في بلدانها، تحت مظلة محاربة الإرهاب ووقف العنف، كما هو الحال في مصر والجزائر وتونس اليوم.

سابعا: ميزان القوى

إذا ظلت هذه الإستراتيجيات متبعة من طرف الدولة ومن طرف خصومها، فليس من شك في أن الدول العربية مقدمة على مزيد من الصراعات الداخلية، قد تتفاوت درجة حدتها من دولة إلى أخرى، من أعمال العنف المعزولة والقمع المحدود إلى الحرب الأهلية والانفجار الاجتماعي الشامل. وفي الصراع بين الدولة العربية وشعبها، يبدو ميزان القوى في صالح الدولة على المدى القريب، لأسباب أهمها:

  • ضعف الوعي السياسي لدى الشعوب العربية، مما يجعل التلاعب بمشاعرها السياسية أمرا سهلا، سواء باستثارتها ضد عدو خارجي موهوم، أو ضد قوى تغيير داخلية، يتم تشويهها في الذهنية العامة بيسر.
  • أنانية القوى السياسية المحلية، وعدم قدرتها على تشكيل جبهة عريضة ضد الاستبداد والفساد الضارب بأطنابه، والتواضع على قواعد أخلاقية للعمل السياسي، تضمن حرية العمل للجميع، وتتحاكم إلى الشعب كما هو الحال في العديد من دول العالم الآن.
  • هشاشة القيادات السياسية البديلة، والنقص في خبرتها التنظيمية والتخطيطية والفنية. وقد لاحظ الباحث الأميركي "هرير دكمجيان" ذلك في دراسته للحركات الإسلامية، فقال "بغياب طليعة منظمة، فإن الصراع الذي لا محيد عنه بين الحركات الأصولية والدولة ستميل كفته لصالح الدولة في المستقبل القريب على الأقل" (21).

أما على المدى البعيد فإن ميزان القوى سيميل لصالح القوى الاجتماعية والسياسية المناوئة للحكومات الحالية بدون ريب. ولعل مما يزكي هذا الحكم:

  • أن هذه القوى تمثل الشرعية الشعبية، بينما الحكومات غير شرعية، و"الشرعية هي قوة الضعفاء" كما رأينا من قبل. ومهما تكن براعة الحكومات العربية في التكيف والتلون والتنسيق الأمني، وجرأتها على البطش بالقوى السياسية والاجتماعية في بلدانها، فإن ذلك ليس درعا كافيا للحماية على المدى البعيد.
  • مهما كان من نقص في الخبرة لدى القوى السياسية العربية، وعدم تمرسها بالألاعيب التي تستخدمها الحكومات لتحتمي بها، فإن هذه أمور عملية يسهل اكتسابها مع الزمن، إذ لم تعد خبرات العصر مقصورة على نخبة ضيقة، مثلما كان الحال غداة رحيل الاستعمار، بل أصبحت مشاعة للجميع.
  • إن القوى السياسية العربية بدأت تدرك ما يجمع بينها، ولم تعد بدرجة الاستقطاب الإيديولوجي الذي كان سائدا في الستينيات والسبعينيات، والذي جعل الإيقاع بينها وضرب بعضها ببعض أمرا سهلا. ومن مظاهر هذا التطور الجديد التقارب الحالي بين القوى العروبية والقوى الإسلامية، والتنسيق بينهما في العديد من الأمور. ومن شأن هذا التقارب أن يثمر في النهاية عن ظهور "كتلة اجتماعية" قوية تدفع بالدولة العربية إلى التصالح مع شعبها.

ما العمل؟
إن استمرار الصراعات الداخلية في الدول العربية نذير شؤم وعلامة خطر مستقبلي يهدد المجمتعات العربية في الصميم، ويعرض لحمتها لخطر التمزق. وأقل ما فيه أنه يهدر الطاقات في الاحتراب الداخلي، بدلا من توظيفها في عملية النهضة والبناء. لقد لاحظ "شبلي تلهامي" أنه "في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة في الجزائر إلى الثروات الوطنية لاستعمالها في التغلب على الأزمة السياسية والاجتماعية، يتم استخدام تلك الثروات في الإجراءات القمعية" (22)، وهو أمر لا يخص الحالة الجزائرية على أي حال، وإن كان أكثر بروزا فيها، بل يشمل الحالة التونسية والمصرية والعراقية وغيرها.


إن حركة التاريخ لا يمكن إيقافها لكن يمكن توجيهها والتأثير عليها وحركة التاريخ الآن تدفع إلى الحرية والتعددية في البلاد العربية فهل ستستوعب الدولة العربية معنى هذا المسار
أما إذا أدركت القيادات العربية هذه المخاطر، وأرادت التعامل معها بعمق وصدق، كما نتمنى، فلا بد من إعادة النظر في بعض الأمور الجوهرية، وأهمها الانتباه إلى أن روح العصر لم تعد تسمح باستمرار البنى السياسية السائدة في الدول العربية الحالية، فقد ماتت الأيديولوجيات التي كان تبرير الاستبداد جزءا من صياغتها النظرية، والتي استفاد منها الحكام العسكريون الثوريون في العقود الماضية، كما أصبح الولاء العرفي التاريخي الذي يستمد منه الملوك شرعيتهم رخوا جدا بتأثير من ثقافة العصر وحياته. فالتطور الاجتماعي في الدول العربية يضغط الآن نحو الانفتاح السياسي والعدالة الاجتماعية والقبول بالتعددية السياسية والعرقية والثقافية. فلم يعد أمام الحكومات العربية سوى التكيف مع المعطيات الجديدة أو مواجهة نتائج التخلف عن التطور الاجتماعي في بلدانها. وتخلف الدولة عن المجتمع كثيرا ما يكون باهظ الثمن، بالنسبة للحاكم والمحكوم على حد سواء.

أما كيف تتعامل الدول العربية مع هذه الصراعات بما يخدم مستقبلها ومستقبل شعوبها، فيتبدى لنا من خلال إجراءات عملية على المدى القريب، وأخرى على المدى البعيد:

ففي المدى القريب تحتاج الحكومات العربية إلى مقدار معقول من الانفتاح الإعلامي، يرسخ التعددية الفكرية والأيديولوجية، وينزع فتيل الفكر الإطلاقي المتشنج الذي يجعل كل طرف من مكونات الفضاء السياسي، حاكما كان أو معارضا، يعتقد أنه مستودع الحكمة والصواب، وأن ما سواه شر مطلق.

وأما على المدى البعيد فتحتاج الحكومات إلى نوع من "العقد الاجتماعي" في علاقتها بالقوى السياسية المحلية، ينبني على احترام خيار الناس، والاعتراف بحق الاختلاف. كما تحتاج إلى نوع من "العقد الطائفي" مع الأقليات في بلدانها، يعترف بوجودها وبخصوصياتها، ويفتح الباب أمامها للتعبير عن تلك الخصوصيات سياسيا وثقافيا دون خوف أو حرج. فالاعتراف بالمعارضين السياسيين وبالأقليات العرقية والثقافية، والتعامل معهما كفاعل سياسي، لا كقوى إجرامية خارجة على القانون، واعتبارهما شريكين شرعيين في السلطة والثروة، بعيدا عن منطق القمع أو الاحتواء.. هو السبيل الوحيد إلى بناء "الدولة المنسجمة"، وتصالُح الدولة العربية مع ذاتها.

إن حركة التاريخ لا يمكن إيقافها، لكن يمكن توجيهها والتأثير عليها. وحركة التاريخ الآن تدفع إلى الحرية والتعددية في البلاد العربية. فهل ستستوعب الدولة العربية معنى هذا المسار، وتتكيف معه بمرونة ويسر، أم ستضع السدود والحواجز أمامه حتى يندفع تيارا جارفا يحطم كل شيء؟؟.
________
* كاتب وباحث موريتاني مقيم في الولايات المتحدة الأميركية

هوامش
(1)- ابن كثير: البداية والنهاية 8/132، مكتبة المعارف، بيروت
(2)- Adeed Dawisha: the Assambled State, Communal Conflicts and Governemental Control in Iraq (in: Ethnic Coflict and International Politics in the Middle East p.61, Edited by: Leonard Binder, Press University of Florida, USA 1999)
(3)- مالك بن نبي: فكرة الأفريقية – الآسيوية ص 22 ترجمة الدكتور عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق 1985
(4)- Adeed Dawisha: the Assambled State p. 67
(5)- صحيح البخاري 4/1584، دار ابن كثير، ط ثالثة، اليمامة 1987
(6)- جاك دونديو دوفابر: الدولة ص 9، ترجمة د. سموحي فوق العادة، ط ثانية، منشورات عويدات، بيروت-باريس 1982
(7)- جان جاك شوفاليه: أمهات الكتب السياسية من ماكيافيلي إلى أيامنا 2/72 ترجمة جورج صدقني، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي السورية، دمشق 1980
(8)- دوفابر: الدولة ص 9
(9)- د. برهان غليون: الوعي الذاتي ص 31، دار البراق 1986
(10)- لاحظ كتاب هيغل: العقل في التاريخ، ترجمة الدكتور عبد الفتاح إمام
(11)- فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ والإنسان الأخير ص 245، ترجمة حسين أحمد أمين، ط أولى، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة 1993
(12)- فوكوياما: نفس المرجع ص 227
(13)- تحدث فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ" (ص 29-50) عما دعاه "أوجه الضعف في الدول القوية" فجعل الاستبداد من أهم تلك الأوجه، وهو محق في ذلك.
(14)- Habib Souaidia: La Sale Guerre, Temoignage d un ancien officier des forces speciales Algerienne 1992-2000 p.16 (preface de Ferdinando Imposimato) La Decouverte, Paris 2001
(15)- Graham Fuller : Islamism in the Next Century , in “The Islamism debate" p. 143
(16)- Francois Burgat : Ballot boxes, Militaries and Islamic Movements ,( in “the Islamism Debate” p. 43)
(17)- A deed Dawisha: the Assambled State p.70
(18)- نفس المرجع ص 74
(19)- صحيفة "الشرق الأوسط" يوم 03/06/2001
(20)- Mickael Herb: Subordinate Communities and the Utility of Ethnic Ties to a Neighboring Regime, Iran and and the Shiaa of the Arab States of the Golf (in: Ethnic Coflict and International Politics in the Middle East p.168 )
(21)- H. Dekmejian : Islam in Revolution, Fundementalism in the Arab World p. 177 F.ED. Syracuse University Press 1985
(22)- Shibly Telhami: Power, Legitimacy and Peace-Making in Arab Coalitions (in: Ethnic Coflict and International Politics in the Middle East p. 51)