بين من يعتبرونها انتكاسة دستورية وتكريسا لحالة من الدكتاتورية تتزين بلباس قشيب، وبين من ينظرون إليها على أنها بداية لعهد جديد وحصاد لسنوات دفعت فيها المعارضة ثمنا غاليا من دمائها وحريتها، تعيش البحرين هذه الأيام أجواء انتخابات تشريعية انتظرتها لما يقارب ثلاثة عقود.

ففي عام 1975 أعلن الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان تجميد العمل بدستور 1973 وحل المجلس الوطني المنتخب لأسباب قيل وقتها -من جملة ما قيل- إنها ترجع إلى الرغبة في وقاية البلاد من عدوى الحرب الأهلية ووباء الفتنة الطائفية التي اجتاحت لبنان آنذاك.

ومنذ ذلك اليوم الذي اعتبر منعطفا في مسيرة الحياة النيابية البحرينية، وعلى مدى هذه السنوات الطوال، عاشت البلاد في ظل نظام حكم كانت الكلمة الفصل فيه للأمير بعد أن غابت عن الآذان كلمات نواب الشعب. وتصدر القصر العمل السياسي بأكمله بعد أن كان المجلس الوطني يشاركه بالتشريع والرقابة والمحاسبة، واختفت من الساحة السياسية في البحرين ظواهر ديمقراطية عديدة حينما أقصيت المشاركة الشعبية في إدارة شؤون الحكم.

ومن خلال نضال وطني بعضه كان يعاني من جمود الوضع السياسي في الداخل، وأكثره في الخارج يتنفس هواء الحرية ويكابد في الوقت نفسه ألما في القلب وغصة في الحلق لم تفارقه منذ أن فارق مضطرا أرض الوطن ليعيش قسوة المنفى ويتذوق مرارة البعاد، حاولت المعارضة على اختلاف أشكالها وألوانها أن تؤجج المشاعر وتستجمع القوى وتنظم الصفوف لاستعادة حلم ديمقراطي جميل ظهر سريعا في تاريخ البحرين الحديث ثم ولى، لكن شاءت الأقدار أن يطول بهم الانتظار فامتد حتى وفاة الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان عام 1999.

مات الأمير.. وبموته تغير الكثير.. خلف الولد أباه.. فتقلد الشيخ حمد بن عيسى مقاليد الحكم عبر تداول للسلطة سلمي، وفي العام التالي أعلن مشروعه الإصلاحي.. انفتاح سياسي.. اقتصاد متحرك.. عفو عن أصحاب الرأي القابعين خلف جدران السجون والمعتقلات.. السماح بتكوين جمعيات تتعاطى العمل السياسي.. ميثاق وطني.. دستور جديد.. قانون للانتخابات.. ومجلس تشريعي.

وهكذا بدأت العجلة التي علاها الصدأ تدور.. عجلة الديمقراطية والمشاركة الشعبية، كانت البداية مع الانتخابات البلدية ومعها تعاظمت الآمال وكثرت الأحلام وتعددت النقاشات بين القوى السياسية الفاعلة في المجتمع البحريني.

البعض اعتبر الانتخابات التشريعية خطوة للأمام يجب تعزيزها لتتلوها خطوات أخرى واعدة، في حين اعتبرها البعض الآخر تراجعا إذا ما تمت المقارنة بين دستوري 1973 و2002. يظهر ذلك واضحا جليا إذا ما أجريت قراءة دقيقة لأجندة التيارات السياسية المشاركة والمقاطعة للانتخابات.

وفي خضم هذا الجدل كان لابد من حوارات هادئة مع مختلف الأطياف السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، حوارات تضع النقاط على الحروف وتتعرف على مواطن الاختلاف والاتفاق، وهذا ما أتاحه الملف.

ما الذي ستتمخض عنه هذه الانتخابات؟ هل سيستقبل المجتمع البحريني مولودا ديمقراطيا جديدا.. أم ترى أن الولادة ستتعثر؟ وهل سيكون هذا القادم المنتظر صحيحا معافى أم سيولد مريضا مشوها؟

أسئلة كثيرة ومحاولة متواضعة للإجابة في ملف سعينا من خلاله أن نطل على نموذج له تأثيره ليس فقط على البحرين، وإنما على دول الجوار أيضا.