موفد موفد الجزيرة نت-بيروت
 
زرت مخيم البرج أكثر من مرة في ظروف الحرب اللبنانية، لكوني لبنانيا يعيش في الجزء الغربي من بيروت وشاهد عيان على أهوال الحرب.
 
بين الأمس واليوم
أثر حزب الله في مخيم برج البراجنة
وكان المخيم فيما مضى أكثر كثافة وكان المقاتلون يشكلون ليله ونهاره.. البيوت يوم ذاك -وبعضها يسمى بيتا على سبيل المجاز فهو عبارة عن علبة من ألواح الزنك- لا تخلو من وسائل الترفيه مثل الفيديو والتلفزيون وأحيانا السيارة، وتستطيع أن تشعر بوفرة المال بأيدي الناس حتى أن بعض اللبنانيين كانوا يتمنون أن يكونوا فلسطينيين ليستفيدوا من ميزة "اللجوء".
 
وجود فلسطينيين معك في المدرسة أمر مألوف، وأن يكون فلسطيني أحد أصحابك حدث عادي، فقد كان التداخل بين الشعبين شيئا طبيعيا لم يكن يعتقد أحد أنه سيتغير.
 
"
مخيم برج االبراجنة كغيره من مخيمات بيروت بيد الموالين لسوريا والحديث عن أبوعمار في مخيم البرج  ليس مبعث راحة لأحد

"
اليوم.. الأمر مختلف، فمخيم البرج لا يضج بالحركة كالسابق، ويبدو التعب والإنهاك على وجوه الناس، حتى أن الشعارات الموزعة على الجدران تبدو شيئا مصطنعا، فبعد حرب المخيمات أصبحت الشعارات مجرد إشارات لإثبات الوجود، ملصق مؤيد لحزب الله يحمل أقوالا لمرشد الثورة الإسلامية في إيران آية الله علي خامنئي، ويثبت أن الثورة الإسلامية نصيرة الإسلام والمستضعفين.
 
وملصق آخر يحمل صورة الرئيس ياسر عرفات وكأنه يتحدى حرب المخيمات التي استهدفت اقتلاعه من مخيم البرج، ولكنه أي أبو عمار مثل شعاره "يا جبل ما يهزك ريح". وملصق للرئيس بشار الأسد يشيد برمز العروبة والصمود الذي لم يفرط في القضية الفلسطينية ولم يلهث وراء سراب سلام على "شاكلة أوسلو".
 
وهكذا كل ملصق يشحن بمثل هذه المعاني وينطق باسم مكتب منظمة أو مجموعة من المجموعات الفلسطينية، بدءا من الجهاد الإسلامي، مرورا بفتح أبو عمار وإن كانوا لا يعلنون عن أنفسهم صراحة، وانتهاء بتحالف القوى الفلسطينية المؤيد لسوريا.
 
"ومخيم البرج -كشأن مخيمات بيروت- ساقط عسكريا بيد الموالين لسوريا"، والعبارة لأحد الصحفيين الذين تطوعوا بإسدائي نصيحة مهنية. وبالفعل –مع تحفظي على عبارة السقوط العسكري- فإن الحديث عن أبوعمار في مخيم برج البراجنة ليس مبعث راحة لأحد، حتى أن أحد الفلسطينيين الذين التقيناهم في المخيم سألناه عن شعبية أبوعمار فأثنى عليه وقال إنه الرئيس "مهما فعلوا"، فلما تمادينا في طرح الأسئلة انكفأ وادعى أن لا علاقة له بأحد ثم التزم الصمت.
 
السلاح والأزقة
بعض الأزقة ممرات ضيقة لا ترى النور
وأهم ملاحظة تسترعي الانتباه في مخيم البرج أن مكتب اللجنة الشعبية في المخيم خال من المظاهر المسلحة. وتقل الأسلحة عموما في المخيم أو هي غير ظاهرة للعيان، وهناك محاولة واضحة من فعاليات المخيم عموما لإظهار المخيم كمنطقة منزوعة أو على الأقل مضبوطة السلاح، حتى أن بعض الفصائل الفلسطينية منعتنا من تصوير مقارها التي تمتاز بطابع عسكري، وكان الشخص المسؤول مستعدا للذهاب بعيدا في التعامل معي لولا أنني أكدت له أنني لم أصور شيئا.
 
وكان مكتب الجزيرة في بيروت قد رتب لنا لقاء مع أمين سر اللجنة الشعبية أبو بدر، واتفقنا على أن يرسل من يأتي بنا من مدخل مستشفى حيفا، وهو أحد مستشفيات الهلال الأحمر الفلسطيني، ويكاد لا يعرف من شكله الخارجي أنه مستشفى لولا اللافتة الباهتة ووجود رجال ونساء في ثياب بيضاء عند مدخله. ويلاصق المستشفى الأبنية المحيطة به، وكأنه هو وهي بناء واحد، فضلا عن صور الشهداء والشعارات والملصقات التي تطالع القادم إلى المستشفى من جهة المدخل الغربي للمخيم.
 
استقبلنا في شقة متواضعة تقع على مدخل المخيم، والملاحظ أنك لا تستطيع أن تشعر بالهدوء فيها وفي أي لحظة يمكن أن تخال أنك تجلس في الشارع وليس في غرفة، فأصوات الباعة وأحاديث الناس وهدير المركبات كلها تختلط لتشكل كتلة صوتية واحدة، وهذا لأن مدخل المخيم أكثر حركة من بقية أجزاء المخيم، أما الشوارع الداخلية للمخيم فإن الأبنية تتزاحم فيها حتى لا تستطيع أحيانا أن تفرق بين المنزل والمنزل، وبين الشارع ومدخل المنزل، فالمساحات الخالية قليلة في المخيم، والحوار الذي يدور بينك وبين زوجتك أو طفلك يسمع في بيوت جيرانك من حولك، وغالب البيوت في المخيم لا تتجاوز الطبقة أو الطبقتين، وأعلى مبنى فيه من أربع طبقات وبمقاييس المخيم هو شاهق جدا.
 
"
في أعماق اللاجئ الفلسطيني بلبنان أن كل ما يصيبه هو بسبب القراءة اللبنانية الخاطئة للحرب الأهلية اللبنانية التي تجعل من الفلسطيني محورا لهذه الحرب

"
"تمدد" أم "مؤازرة"

كان أبو بدر واضحا في أجوبته مسهبا في سرد تاريخ مخيم برج البراجنة منذ إنشائه إلى يومنا هذا ولكن عند الحديث عن الدور الفلسطيني في الحرب اللبنانية وعن حرب المخيمات أبدى حذرا كبيرا وتوسل الكلام الديبلوماسي، وكنت أتفهم ذلك ولكن ليس دائما، فعند سؤالي عن "التمدد الفلسطيني" إلى خارج المخيمات في مطلع السبعينات استشاط غضبا وكاد يوقف الحوار، وقال إنه لا يوافق على مصطلح "التمدد" ولا يرغب في أن يرى هذه الكلمة منشورة عنه.
 
وهذه الرؤية ليست قاصرة على أبو بدر بل إن أغلب فلسطيني لبنان يمتلكون رؤية خاصة لدورهم في الحرب اللبنانية، فهم لم "يتمددوا" إلى خارج المخيمات في مطلع السبعينات ليحكموا لبنان، وإنما قاموا "بمؤازرة" القوى الوطنية اللبنانية التي ضاقت ذرعا بالحكم اللبناني.
 
واللافت في الحديث مع هؤلاء "القادة الميدانيين" إذا جاز تسميتهم بذلك، أنهم أكثر صراحة في التعبير عن آرائهم، ومهما احتموا باللغة الديبلوماسية فإن قراءة أفكارهم أمر سهل، ولو أطلقت لنفسي العنان لنقلت عشرات الاستنتاجات من حواراتي معهم، وقد ينكرونها لأنه لا مصلحة لهم في نشرها، فالخيارات أمامهم محدودة ماداموا في دار غير دارهم.
 
وعلى كل لم يكن الموضوع السياسي هو الذي أتى بي إلى المخيم، إلا أن السياسي دائما يفرض نفسه في أي حوار يتناول الشأن الفلسطيني، ففي أعماق الفلسطيني في لبنان أن كل ما يصيبه هو بسبب القراءة اللبنانية الخاطئة للحرب الأهلية اللبنانية، التي تجعل من الفلسطيني محورا لهذه الحرب، والبعض لا يخفي عتابه على الجزيرة لأنها بثت وثائقيا عن حرب لبنان(حرب لبنان) أغفلت فيه دور اللبنانيين السنة في الحرب الأهلية، بينما ركزت الأنظار على الدور الفلسطيني وكأنه هو الأساس.
صحفي ولاجئ
أبو بدر
ولم أوفق في زيارتي هذه لأخذ صور كافية للمخيم فاتفقت مع أمين سر اللجنة على العودة مرة أخرى لأجل هذه الغاية، فالحوار أخذ منا وقتا طويلا حتى تأخر الوقت، وكان الحوار أشبه بجلسة إقناع، أن يقنع فلسطيني لاجئ صحفيا "لبنانيا" بعدالة قضيته الإنسانية، وأنه لا يحمل غلا ولا حقدا على اللبناني الذي وقف بجانبه سنوات طوال، وأنه يحترم الدولة اللبنانية ولكن الدولة لا تحترمه... بل تتهمه.
وعدت للمخيم مرة أخرى –وقبل يوم من عودتي للدوحة - بذاكرة مكتظة بعشرات الصور التي اختزنتها من بقية المخيمات التي زرتها، ولم يكن بإمكان مخيم البرج أن يضيف جديدا إلى مجموعتي من تلك الصور والمشاهد.