قسم البحوث والدراسات

للحركة السلفية في الكويت تميزا في الفكر والرؤى مختلفا عن كثير من الأفكار السلفية في بلدان أخرى. كيف تنظر هذه الحركة إلى مشكلات المجتمع الكويتي مثل البطالة والإسكان والمخدرات والطلاق والعنوسة وغيرها؟ وما وجهة نظرها في الدعوة الملحة التي تشهدها الساحة الانتخابية في الكويت حاليا والمتمثلة في فصل ولاية العهد عن رئاسة الحكومة؟ وما أهمية وضرورة تحويل التجمعات السياسية في الكويت إلى أحزاب مشهرة؟

في هذا الحوار مع الدكتور حاكم المطيري أمين عام الحركة السلفية الكويتية إجابات عن هذه الأسئلة وغيرها.


حاكم المطيري
دعنا نبدأ معك دكتور المطيري بأبرز الدعوات المطروحة في الشارع السياسي الكويتي حاليا، وأنت تمثل تيارا سلفيا معروفا، ألا وهي الدعوة الملحة بتحويل التجمعات السياسية إلى أحزاب، ما أهمية وما ضرورة هذه الدعوة في الوقت الحالي؟

إقرار مبدأ التعددية السياسية وإشهار الأحزاب مبدأ مهم ونحن في الحركة السلفية نعد أول حركة دعت إلى هذا الأمر قبل ثلاث سنوات تقريبا وأصدرنا بيانا حول هذا الموضوع آنذاك دعونا فيه أعضاء مجلس الأمة إلى طرح مشروع قانون ينظم أوضاع الأحزاب، وقد كتبت حينها مقالا بعنوان (نعم للتعددية السياسية) ذكرت فيه الأدلة الشرعية والقواعد الفقهية التي تسوغ مثل هذا العمل من أجل تطوير الممارسات السياسية العشائرية التقليدية التي أدت إلى تعثر الحياة النيابية والتجربة البرلمانية في الكويت.



قرر الدستور مبدأ الفصل بين ولاية العهد ورئاسة الحكومة كما تشير إلى ذلك المذكرة التفسيرية للمادة رقم 56 التي تناولت طريقة اختيار رئيس مجلس الوزراء بعد تشاور رئيس الدولة مع رئيس مجلس الأمة ورؤساء التجمعات السياسية ورؤساء الوزارات السابقين



من الموضوعات الأخرى التي تحظى بأهمية بالغة حاليا في الشارع السياسي الكويتي المناداة بفصل ولاية العهد عن رئاسة الحكومة، برأيك كيف يعزز هذا الفصل من المسيرة الديمقراطية الكويتية؟

نعم صدقت هي من الموضوعات المطروحة حاليا وهذا ما أكدته (الرؤية الإصلاحية للحركة السلفية) التي تم طرحها قبل أيام حيث جاء فيها تحت عنوان إصلاح المجال السياسي (إن تعزيز المرجعية الإسلامية في تحقيق الإصلاحات السياسية وتطوير ممارسات العمل السياسي في دولة الكويت هي المدخل الصحيح والضروري لحل جميع المشكلات التي أدت إلى التخلف على جميع الأصعدة وفي كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والتنموية والإدارية، وهي نتيجة طبيعية للأزمة السياسية التي تتمثل في تهميش حق الشعب الكويتي بالمشاركة في اختيار حكومته بشكل مباشر وحقه في محاسبتها وطرح الثقة بها، كما يؤكده الإسلام الذي هو دين الدولة وتقرره الشريعة الإسلامية التي هي مصدر التشريع الرئيسي فيها كما في قوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم)، وأول الأمر ورأسه الحكومة كما قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (الإمارة شورى بين المسلمين) وكما قال الخليفة الراشد أبو بكر الصديق مؤكدا حق الأمة في محاسبة السلطة وعزلها (إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني) وهو ما أكده الدستور الكويتي الذي نص على أن الشعب هو مصدر السلطات.

وإذا كان الشعب الكويتي قد ارتضى بما قرره الدستور كوثيقة سياسية بين الحاكم والمحكوم أن يكون الحكم وراثيا كما في المادة السادسة منه، فقد قرر الدستور مبدأ الفصل بين ولاية العهد ورئاسة الحكومة كما تشير إلى ذلك المذكرة التفسيرية للمادة رقم 56 التي تناولت طريقة اختيار رئيس مجلس الوزراء بعد تشاور رئيس الدولة مع (رئيس مجلس الأمة ورؤساء التجمعات السياسية ورؤساء الوزارات السابقين) مما يؤكد مبدأ الفصل بين ولاية العهد ورئاسة مجلس الوزراء حيث يشاور الأمير عند تشكيل كل وزارة رؤساء الوزراء السابقين، وهو ما لا يمكن تحققه في حال الربط بين المنصبين كما أدى الربط بين المنصبين إلى تقييد صلاحيات مجلس الأمة كحقه في إعلان عدم التعاون مع الحكومة كما نص عليه الدستور في المادة 102 والذي جاء فيها (إذا رأى مجلس الأمة عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء رفع الأمر إلى رئيس الدولة وللأمير في هذه الحالة أن يعفي رئيس مجلس الوزراء ويعين وزارة جديدة أو أن يحل المجلس، وفي حالة الحل إذا قرر المجلس الجديد بذات الأغلبية عدم التعاون مع رئيس مجلس الوزراء المذكور اعتبر معتزلا منصبه وتشكل وزارة جديدة )، وهذا ما لا يمكن في حال كون ولي العهد هو رئيس مجلس الوزراء لما في ذلك من حساسية وحرج سياسي.

وقد أدى ذلك كله إلى استلاب مجلس الأمة صلاحياته وتهميش دوره وتجاوز إرادته الشعبية في كثير من القرارات والمشاريع بسبب الممارسات السياسية التقليدية التي أصبحت عائقا أمام عملية الإصلاح الشاملة ومانعا من قيام مجتمع مدني عصري يواكب تطور المجتمع الدولي من حوله ويتم فيه اتخاذ القرارات وممارسة العمل السياسي وفق أسس برلمانية تقوم على أساس المشاركة الشعبية في اختيار الحكومة البرلمانية وفق مبدأ التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة من خلال تطوير جذري للممارسات يتجاوز الأعراف السياسية التقليدية التي أثبتت هشاشتها وعقمها وعجزها عن مواكبة التطورات التي يشهدها العالم في مجال حقوق الإنسان وحقوق الشعوب إلى أعراف دستورية جديدة أكثر قدرة على مواجهة التحديات وأكثر تعبيرا عن إرادة الشعب الكويتي وتطلعاته تقوم على:

  1. إقرار مبدأ التعددية السياسية وحق الشعب الكويتي بالمشاركة في اختيار حكومته عن طريق تكليف الكتلة السياسية الأكثر عددا في مجلس الأمة بتشكيل الحكومة البرلمانية.
  2. إقرار حق إشهار الأحزاب السياسية التي أشارت إليها المذكرة التفسيرية للمادة 56 عند حديثها عن التجمعات السياسية التي يشاورها رئيس الدولة عند تشكيل الوزارة وإصدار قانون ينظم شؤونها أسوة بالأنظمة الملكية التي سبقت في هذا المضمار كالأردن والمغرب بدلا من تركها تعمل على الساحة خارج دائرة القانون وبعيدا عن الرقابة الشعبية وهو حق كفلته المواثيق الدولية وتقره الشريعة الإسلامية.
  3. تعديل قانون الدوائر الانتخابية لتصبح الكويت كلها دائرة انتخابية واحدة للقضاء على الفئوية والطائفية والقبلية والمناطقية التي أدت إلى تقسيم المجتمع الكويتي إلى مناطق داخلية ومناطق خارجية كما أدت إلى بروز ظاهرة شراء الأصوات والرشوة وتزييف إرادة الشعب بسبب قانون الدوائر الانتخابية الحالي ليصل إلى المجلس من لا يمثل الأمة.
  4. توسيع دائرة المشاركة الانتخابية بتخفيض سن الناخب إلى 18 سنة والسماح للعسكريين بالتصويت أسوة بالحرس الوطني.
  5. إلغاء قانون التجمعات رقم 65 لسنة 1979 الذي يمنع الأفراد من الاجتماع العام إلا بإذن من المحافظ والذي يجرم مثل تلك الاجتماعات مصادرا بذلك الحق الدستوري الذي نصت عليه المادة رقم 44 من الدستور.
  6. تعديل قانون المطبوعات بما يتناسب مع المادة 36 من الدستور التي كفلت حق إبداء الرأي وإلغاء حق السلطة التنفيذية بتعطيل المطبوعات وجعل حق إصدار الصحف مكفولا للجميع وليس حكرا على أسر محددة وليس للحكومة أن تصادر هذا الحق وإنما تنظيمه وفق الأنظمة واللوائح.
  7. فتح المجال أمام حق إشهار جمعيات النفع العام والنقابات المهنية كما كفلته المادة 43 من الدستور التي نصت على (حرية تكوين الجمعيات والنقابات على أسس وطنية وبوسائل سلمية) وقد تم مصادرة هذا الحق بقانون سنة 1985).

ظواهر اجتماعية مرضية عديدة تحدثت عنها وسائل الإعلام الكويتية مثل الطلاق والعنوسة والمخدرات وغيرها، برأيك ما الأسباب الجوهرية وراء هذه المشكلات؟

هناك أسباب عديدة وقد حاولنا في الرؤية الإصلاحية طرح الحلول المناسبة لعلاج هذه المشكلات الاجتماعية الخطيرة التي لها ارتباط بارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وهجر المرأة لرعاية الأسرة وتربية الأجيال بسبب تدني قيمة عمل المرأة في بيتها بل وازدراء هذا العمل الشريف في مفهوم الثقافة الحديثة بدعوى تحرر المرأة دون إدراك خطورة هذا العزوف النسائي عن تربية الطفل ورعايته وهو من حقوق الطفل التي تحتاج إلى قوانين تحميه من هذا الظلم الفادح الذي يتعرض له ويفضي به إلى الانحراف لفقد الحنان والتربية وبعد الأم عنه دون حاجة كثير من الأمهات للعمل ودون حاجة المجتمع لعمل كثير من النساء اللائى صار عمل كثير منهن عبئا على الميزانية العامة حيث البطالة المقنعة وتكدس كثير من الموظفات دون حاجة لعملهن وترتب عليه مشكلة البطالة
بين الشباب الذين هم بحكم الشريعة ملزمون بالإنفاق على أسرهم وزوجاتهم بينما المرأة غير ملزمة وكذا ترتب على ذلك أيضا استقدام مئات الآلاف من الخدم للقيام بدور الأمهات في البيوت إلى غير ذلك من الآثار السلبية الخطيرة التي تواجهها مجتمعاتنا بسبب هذه المفاهيم الغربية التي بدأ الغرب نفسه يدرك خطورتها ويدعو إلى عودة الأم إلى العمل في بيتها مقابل راتب شهري وعد ذلك من الخدمة الاجتماعية كما يسعى إلى إقرار ذلك مجلس العموم البريطاني. والحاصل أن هناك أسبابا كثيرة لمشكلة شيوع الجريمة وتفكك الأسر وانتشار المخدرات أهمها ترك الأم عمل المنزل وتربية الأطفال دون حاجة ضرورية تدعوها إلى العمل ودون حاجة مجتمعاتنا إلى كثير من الموظفات في أعمال كثيرة الشباب أقدر على العمل بها وأحوج من المرأة إليها.


عدم الفصل بين ولاية العهد ورئاسة الحكومة أدى إلى استلاب مجلس الأمة صلاحياته وتهميش دوره وتجاوز إرادته الشعبية في كثير من القرارات والمشاريع وعائقا أمام عملية الإصلاح الشاملة ومانعا من قيام مجتمع مدني عصري

الكويت دولة نفطية غنية ومع ذلك كثرت الشكوى من مشكلات وأزمات اقتصادية خانقة مثل البطالة والإسكان، هل من تفسير لذلك؟

السبب هو مراعاة الحكومة لمصالح التجار الذين يسيطرون على قطاع العقار وللمحافظة على أسعاره التي ارتفعت بشكل جنوني حتى صارت الأغلى في العالم فقيمة العقار في الكويت ثلاثة أضعاف قيمته في أي بلد خليجي، وقد أسهم تراكم طلبات المواطنين للحصول على سكن حكومي وتأخر تنفيذ المشاريع الإسكانية وتسليمها للمواطنين مدة تتجاوز عشر سنين في دفع كثير منهم إلى شراء الأراضي من القطاع الخاص واقتراض الديون من البنوك لحل مشكلة السكن هذا مع صدور قانون الرعاية السكنية سنة 1995 الذي يلزم الحكومة بتوفير السكن في مدة خمس سنوات، ولم تلتزم الحكومة به وكل ذلك في صالح تجار العقار وقطاع البنوك وقد صرح أحد الوزراء السابقين وهو السيد عيد النصافي بأن الحكومة لا تريد حل هذه المشكلة للحفاظ على مصالح تجار العقار، ولهذا بدأ الشعب الكويتي يدرك ضرورة أن تكون الحكومة شعبية برلمانية ليمكن محاسبتها وإعلان عدم التعاون معها عندما تتلكأ في تنفيذ القوانين وهو ما لا يمكن في ظل الممارسات التقليدية الحالية.

أخيرا دكتور المطيري ما توقعاتكم بخصوص مستقبل العملية الديمقراطية في الكويت وما الذي ستسفر عنه الانتخابات الحالية؟

نحن لا نراهن كثيرا على المجلس القادم وإنما على الوعي السياسي الشعبي الذي بدأ يدرك أنه لا توجد في الكويت ديمقراطية إذ تفتقد التجربة الكويتية إلى أركانها الأساسية وأهمها حكم الشعب للشعب واستقلالية السلطات الثلاث واحترام حقوق الإنسان والشعب الكويتي لا يشارك في اختيار حكومته وهنا تكمن الإشكالية فليست العبرة أن يشارك الشعب في السلطة التشريعية بل العبرة أن يحكم نفسه بنفسه ولو في ظل ملكية دستورية فالأنظمة في الخليج ما زالت أنظمة شمولية لا دور للشعوب في اختيارها أو محاسبتها أو طرح الثقة بها إلا أن هذا الواقع لن يدوم ونحن في حاجة إلى قيادات تاريخية تدرك ضرورة إحداث تغيير لصالح شعوب المنطقة للحيلولة دون تدخل خارجي أو انفجار شعبي داخلي لتحقيق
الإصلاح المنشود ولا يمكن أن يظل الخليج العربي بممارساته السياسية العشائرية خارج دائرة تطور العالم من حوله هذه الممارسات التي أدت إلى فقد منطقة الخليج العربي لاستقلالها وسقوطها مرة ثانية تحت الاستعمار الجديد بسبب تهميش دور شعوب المنطقة في المشاركة في اتخاذ القرار السياسي فأفضى بنا الاستبداد الداخلي إلى الاستعمار الخارجي!
_______________
الجزيرة نت