الشارع المصري استمر في تأكيد عروبته ورفضه التطبيع مع إسرائيل (الجزيرة نت-أرشيف)

محمد عباس ناجي

بتوقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية يوم 26 مارس/آذار 1979، تكون مصر خلال الحقبة الساداتية قد وضعت ما كان يعد من الثوابت والمسلمات في سياستها الخارجية موضع الشك والتساؤل.

وفي مقدمة هذه الثوابت ارتباطات مصر العربية وخطر إسرائيل على الأمن القومي المصري والعربي، وألقت بكل ثقلها في الرهان على الولايات المتحدة كطرف رئيسي في حل وتسوية الصراع مع إسرائيل من منظور المصالح الوطنية المصرية.

إستراتيجية السادات للسلام
هذا التوجه نحو إبرام معاهدة سلام مع إسرائيل كان جزءا من إستراتيجية متكاملة قامت على سياسات رئيسية ثلاث هي:

- انتهاج سياسة الانفتاح الاقتصادي.
-
التحول المنضبط إلى الديمقراطية.
-
التحالف مع الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة.

هذه السياسات كانت في مجملها مترابطة ببعضها البعض، بما يعني أن نجاح واحدة منها أو فشلها من شأنه أن يؤثر ليس فقط على باقي السياسات، وإنما على المفهوم العام للرؤية التي طرحها الرئيس المصري الراحل أنور السادات وأيده فيها نخبة من السياسيين والمثقفين المصريين.
السلام فرصة لاستغلال الموارد
وطبقا لهذه الرؤية فإن إبرام معاهدة السلام مع إسرائيل يعتبر فرصة لإعادة تخصيص الموارد الممكنة لمواجهة تهديد الأمن القومي بمفهومه الواسع غير المرتبط بإسرائيل، أي المتعلق بضعف القدرة الاقتصادية والتقنية وضغط العدد الكبير للسكان على الموارد المحدودة ومعدلات النمو.

ومن هنا أصبح السلام مع إسرائيل معادلا للاستقرار والتقدم الاقتصادي والرخاء وتخفيض الإنفاق الحربي لصالح الإنفاق المدني والبناء الداخلي والاندماج في الاقتصاد العالمي وتجنب أخطار التهميش والانكشاف، في ظل عالم تتسارع خطواته نحو إقامة تكتلات اقتصادية كبرى.

"
أصبح السلام مع إسرائيل معادلا للاستقرار والرخاء وتخفيض الإنفاق الحربي لصالح الإنفاق المدني والبناء الداخلي والاندماج في الاقتصاد العالمي وتجنب أخطار التهميش والانكشاف
"
تنمية سيناء
كما أن الأمل كان يراود السادات ومؤيديه في أن المعاهدة ستمنح مصر فرصة الانطلاق في مشروع تنمية سيناء، التي اكتسبت أهمية تاريخية ودينية في المشروع الإمبريالي الإسرائيلي جعلها تتنافس مع فلسطين نفسها أو على الأقل تتكامل معها، حسب ما ترويه الكتب المقدسة وروايات التاريخ، ما حدث منها وما لم يحدث.

ولم يكن هناك في المنطقة حتى -في كل فلسطين- ما يماثل سيناء من حيث التنوع في السهل والجبل والشاطئ والصحراء والتعدين والصيد والبترول والغاز والسياحة.

البدء بتجاهل عروبة مصر
بعبارة أخرى، إن تحقيق تنمية حقيقية في مصر -وفق رؤية هؤلاء- لن يتأتى بدون الانفتاح على الغرب، وهذا لن يتأتى بدوره بدون السلام مع إسرائيل، ومن هنا يمكن تفسير حالة الشد والجذب التي شهدتها الدوائر الفكرية المصرية حول عروبة مصر والتزاماتها تجاه القضية الفلسطينية تحديدا بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل.

وقد كان الكاتب الكبير توفيق الحكيم أول من فتح باب النقاش حول هذا الأمر، وسرعان ما تبعه مفكرون آخرون مثل حسين فوزي، ولويس عوض، وأنيس منصور، ونجيب محفوظ، ومصطفى أمين وغيرهم. وقد تنوعت تحليلاتهم ونقاط انطلاقهم، ولكنهم اتفقوا على أن لمصر حضارة أقدم من الحضارة العربية وأن حضارتها جزء من حضارة البحر المتوسط، ومن ثم فإنها أكثر التصاقا بالتقاليد اليونانية الرومانية عنها بالقيم العربية الإسلامية.

وعنى ذلك أن مصر جزء من الحضارة الأوروبية الغربية، وأن العرب ما زالوا بدوا غير قادرين علي إدراك أن السلام مع إسرائيل تعبير عن السلوك المتحضر للسياسة العالمية من ناحية، والتقاء بين حضارتين عظيمتين قديمتين من ناحية أخرى.

السلام طريقا للديمقراطية
فضلا عن ذلك، تصور هؤلاء أن الانفتاح على الغرب والسلام مع إسرائيل يمكن أن يدعم التوجه الذي بدأه السادات بالتحول نحو الديمقراطية، والذي بدت أولى معالمه في إقامة تعددية سياسية "مقيدة" عام 1976، عندما أعلن السادات تحويل التنظيمات السياسية الثلاثة: اليمين (تنظيم الأحرار الاشتراكيين)، والوسط (تنظيم مصر العربي الاشتراكي)، واليسار (تنظيم التجمع الوطني التقدمي الوحدوي) إلى أحزاب، ثم صدر قانون الأحزاب السياسية في يونيو/حزيران 1977.

"
تصور المؤيدون أن الانفتاح على الغرب والسلام مع إسرائيل يمكن أن يدعم التوجه الذي بدأه السادات بالتحول نحو الديمقراطية، والذي بدت أولى معالمه في إقامة تعددية سياسية مقيدة عام 1976
"
السلام يضعف إسرائيل
كما راهن أصحاب هذه السياسة على أنها ستكفل تقليص الإمبراطورية الإسرائيلية ولا توسعها، وعلى أن هناك أملا في أن تعيش إسرائيل في المنطقة دون أحلام إمبراطورية، بما يعني إمكانية أن تساعد المعاهدة على خلق تيار عقلاني داخل إسرائيل نفسها يمكن أن يضغط على حكوماتها لانتهاج سياسة مرنة تجاه دعوات التسوية السلمية.

ويرى هؤلاء أنه قبل توقيع معاهدة السلام لم يكن هناك ما يسمى "معسكر السلام" داخل إسرائيل، وكانت حكومة مناحيم بيغن اليمينية الليكودية تقول بما قالت به قوى إسرائيلية متعصبة من أن الاحتفاظ بسيناء لا يختلف عن الاحتفاظ بتل أبيب. ولكن ما قام به السادات ومؤيدوه خلق معسكرا للسلام في إسرائيل، وكان هذا المعسكر هو الذي ضغط على حكومة بيغن من أجل الانسحاب من سيناء.

ووفقا لهذه الرؤية فإن تكلفة استمرار حالة "اللاسلم" و"اللاحرب" باتت باهظة، وإن التوجه إلى التسوية بدأ بقبول مصر القرار 242، ثم دخول حرب أكتوبر/تشرين الأول، ومن بعدها قبول القرار 338 الذي دعا إلى "مفاوضات بين الأطراف المعنية" بهدف إقامة "سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط".

أضف إلى ذلك أن موازين القوى الدولية قلصت إلى حد كبير من إمكانية تحرير الأرض المحتلة عن طريق الحرب، لاسيما أن علاقات القوى الكبرى لم تفض إلى توازنات دولية وتناقضات تسمح للعرب ومصر بالحصول على التسليح اللازم لهذه الحرب.

أحلام الدعم الأميركي
وكان الأمل يراود هؤلاء في أن التعويل على الولايات المتحدة في إبرام معاهدات سلام بين العرب وإسرائيل -باعتبارها القوة التي تمتلك 99% من أوراق الشرق الأوسط حسب رؤية الرئيس السادات- يمكن أن يخلق مصالح هائلة لواشنطن في المنطقة تجعلها جادة في عملية السلام، بل وتدفعها إلى الضغط على إسرائيل للتجاوب مع هذه العملية والانسحاب من الأراضي المحتلة.

كما أن توقيع المعاهدة داعب أحلام البعض في أن تستطيع مصر منافسة إسرائيل في الفوز بالمساعدات والمعونات الاقتصادية الأميركية، وهو ما جعل الرئيس السادات يقول إن الولايات المتحدة ستصبح شريكا كاملا في التحرك المصري نحو السلام والرفاهية.

ونتيجة لذلك أصبحت مصر واحدة من الدول التي تتلقى أكبر قدر من المعونات والمساعدات الأميركية، ولا تسبقها إلا إسرائيل في قائمة الأولويات. وكانت هذه العملية قد بدأت عام 1974 حينما خصص الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون 250 مليون دولار كمعونة اقتصادية لمصر. لكن بعد توقيع معاهدة السلام زاد حجم المعونة الأميركية إلى مليار دولار.

آمال عريضة وطموحات كبيرة كانت وراء توقيع مصر على معاهدة السلام مع إسرائيل، لكنها أصبحت على المحك بعد ثلاثين عاما من توقيع المعاهدة.
_______________
باحث مصري

شارك برأيك