تعول الحكومات العربية على تمويل إستراتيجيات التنمية العربية الحديثة من خلال استقطاب أكثر للاستثمار الأجنبي. وبالرغم من أن الاستثمار الأجنبي يساهم في التقليل من حدة قيد ميزان المدفوعات وتفادي اللجوء إلى الديون الخارجية، وبالرغم من التبشير بمزايا هذا الاستثمار في مساهمته في التنمية، فإن الدلائل والقرائن التجريبية المتوفرة -خاصة تلك المتعلقة بتجربة الدول الصناعية الحديثة ذات النمو السريع- لا تدل على مساهمة معتبرة للاستثمار الأجنبي المباشر في تنمية هذه الدول.

استقطاب الاستثمار الأجنبي
تحسن المناخ الاستثماري العربي
الاستثمارات البينية والاقتصاد العربي

استقطاب الاستثمار الأجنبي في الدول العربية

"
تعثر معظم الحكومات العربية في إجراء إصلاحات جذرية وعميقة تسمح بتحسين مناخ الاستثمار والأعمال من خلال المساءلة ومحاربة الفساد والبيروقراطية وتوظيف سياسات جيدة وشفافة وواضحة تسمح باستقطاب الاستثمارات الأجنبية

"

إن المؤسسات المالية الدولية تشجع على تبني إستراتيجيات جذب رؤوس الأموال الأجنبية.

فالصين التي كسرت كل الأرقام القياسية في النمو السريع واستقطبت مبالغ معتبرة من الاستثمار الأجنبي المباشر وفتحت المجال للشركات الأجنبية، لا يمثل مخزون الاستثمار الأجنبي المباشر لناتجها المحلى الإجمالي سوى 11% فقط في سنة 2006. وهو في كوريا أقل بكثير من هذا المستوى.

أما في الدول العربية -والتي يعتقد أنها غير جاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر- فقد وصلت نسبة مخزون الاستثمار الأجنبي لناتجها المحلي الإجمالي أكثر من 34% في نفس السنة.

ووصلت إلى نسب هائلة في دول مثل البحرين ولبنان والأردن. على أن ارتفاع هذه النسبة يشكل قيدا كبيرا في جذب الاستثمارات حيث يعكس ضعف الطاقة الاستيعابية وبطء نمو الإنتاج بمستوى غير متسق مع الاستثمارات.

ويبين الجدول التالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو الدول العربية لسنة 2006 محسوبا بمليارات الدولارات:

وبالرغم مما تقوم به الحكومات العربية من جهود لاستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، فإن المنافسة الحادة بين الدول على هذه الأموال وتعثر معظم الحكومات العربية في إجراء إصلاحات جذرية وعميقة تسمح بتحسين مناخ الاستثمار والأعمال من خلال تدعيم الحاكمية والمساءلة ومحاربة الفساد والبيروقراطية وتوظيف سياسات جيدة وشفافة وواضحة، كلها عوامل انعكست على ضعف الأداء في مجال استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية المباشرة، ناهيك عن الاستثمار الأجنبي في أسواق الأوراق المالية العربية، مقارنة بإمكانيات هذه الدول الكامنة.

إن مؤشر أداء الاستثمار الأجنبي المباشر، التي تعده وكالة التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة (الأونكتاد)، يشير إلى أن:

  • البحرين وقطر والأردن والإمارات تعتبر من دول الطليعة ذات الأداء الجيد والإمكانيات المرتفعة.
  • الجزائر والكويت وليبيا وعُمان والسعودية، تتميز بانخفاض الأداء بالرغم من ارتفاع الإمكانيات.
  • مصر والمغرب والسودان أداؤها فاق إمكانياتها وتبقى سوريا واليمن تعانيان من نقص الأداء والإمكانيات.

وتشير بيانات تقرير الاستثمار في العالم لسنة 2007 الذي تصدره الأونكتاد إلى أن إجمالي الدول العربية استقطبت 62.2 مليار دولار سنة 2006 من أصل 1.3 تريليون دولار أميركي أي ما يعادل 4.7% من هذا الإجمالي.

تحسن المناخ الاستثماري العربي

غير أن هذه النسبة، التي تعتبر متواضعة، تمثل تحسنا ضخما مقارنة بالماضي. فعلى سبيل المثال وصل تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى المنطقة العربية فقط 3.9 مليارات دولار سنويا خلال الفترة 1992-1997 وهو يمثل 1.25% من إجمالي الاستثمارات العالمية.

ويرجع هذا التحسن في استقطاب الاستثمارات الأجنبية إلى توظيف الحكومات العربية سياسات ترويج الاستثمار بالإضافة إلى الارتفاع الهائل في الفوائض المالية للدول النفطية العربية، التي تغذي الاستثمارات البينية العربية.

ويوضح الجدول التالي النسب المئوية لمخزون الاستثمار الأجنبي المباشر كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي لسنة 2006:

 

تشير آخر الإحصائيات المتوفرة في تقرير الاستثمار العالمي لعام 2007 إلى أن عدد مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر في العام 2006 بلغت 11 ألفا و813 مشروعاً ووصلت تدفقاته أكثر من 1.3 تريليون دولار أميركي خلال نفس السنة.

وساهمت الدول المتقدمة بأكثر من 83% من عدد المشاريع بينما استحوذت على 44% منها، أي أن عدد مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر تنشأ في أغلبها في الدول المتقدمة وتتوجه في أغلبها إلى الدول النامية. وتنتشر هذه الشركات الأم أغلبها في الدول المتقدمة بنسبة تفوق 74% بينما تنتشر أغلب فروعها في الدول النامية بنسبة 52%.

ويلاحظ في هذا المضمار ارتفاع حصة الصين من هذا الاستثمار حيث استحوذت على أكثر من ألف و378 مشروعاً سنة 2006 ووصلت قيمة الاستثمارات إلى أكثر من 69 مليار دولار وبمخزون أكثر من 292 مليار دولار.

إن الدول العربية مجتمعة وصل مخزونها أكثر من 284 مليار دولار سنة 2006 وهو إنجاز كبير، لكن بمقارنة الأداء الاقتصادي مع الصين تظهر إشكالية الاستثمار الأجنبي المباشر في دفع عملية التنمية، فخلال الفترة من 2002 إلى 2006 نما الاقتصاد الصيني بمعدل 10%بينما كان معدل النمو الاقتصادي في الدول العربية 4.4%. كما نما دخل الفرد في الصين بـ 8.8% بينما نما في الدول العربية 1.8% فقط.

إن الصين تنمو بفعل طاقاتها الذاتية من خلال تخصيص جزء كبير من مواردها للاستثمار حيث بلغ معدل التراكم 38% خلال الفترة من 2002 إلى 2006 بينما لم يتعد هذا المعدل 22% في الدول العربية، بالإضافة إلى الفروقات الأساسية في تخصيص هذا الاستثمار نحو تطوير القاعدة الصناعية التحويلية الموجهة نحو التصدير.

ويساهم الاستثمار الأجنبي المباشر في تمويل عملية التنمية وإنشاء فرص الشغل وتوسيع الإنتاج خاصة في مجال الصناعات التحويلية وقطاع الخدمات. وبلغت حصة الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى إجمالي تكوين رأس المال في المتوسط 12.6% سنة 2006 بينما بلغ مخزون رأس المال الأجنبي إلى الناتج المحلي على المستوى العالمي ما يقارب 25% في نفس السنة. وتختلف هذه النسب بشدة بين مختلف بلدان العالم ومناطقه.

ويوضح الجدول التالي نسبة مخزون الاستثمارات العربية البينية إلى إجمالي مخزون الاستثمارات الأجنبية: 

 

استطاعت إجمالي الدول العربية استقطاب أكثر من 62 مليار دولار أميركي من الاستثمارات الأجنبية سنة 2006 من خلال استضافة 598 مشروعا استثماريا أجنبيا تنفذه أكثر من 539 شركة أما أجنبية موجودة في البلدان العربية بالإضافة إلى أكثر من خمسة آلاف و59 فرعاً لشركات أجنبية. وارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الدول العربية أكثر من مرتين ونصف مقارنة بسنة 2004 وهو ارتفاع أعلى من المستوى العالمي الذي سجل 1.7 مرة وأحسن بكثير من الارتفاع الذي سجله الاستثمار الأجنبي المباشر في الدول النامية والذي وصل إلى 1.3 مرة هذا الارتفاع النسبي الذي حققته الدول العربية يدل على عملية التحاق نسبية وارتفاع لحصة الدول العربية من الاستثمارات المتوجهة إلى الدول النامية التي كانت في سنة 2004 لا تتعدى 84% ووصلت إلى 16.4% سنة 2006.

 بالمقابل تتركز الاستثمارات الأجنبية المتوجهة للدول العربية في ثلاث زمر أساسية من البلدان العربية.

  1. تتمثل الأولى في الدول التي استقطبت الجزء الأكبر من الاستثمارات وهي السعودية (18 مليار دولار) ومصر (10 مليارات) والإمارات (8.3 مليارات) حيث استطاعت أن تستحوذ على أكثر من 58% من الاستثمارات المتوجهة إلى الدول العربية. وهذا في الأساس راجع إلى اتساع حجم السوق المصري والذي يشكل أكثر من 73 مليون مستهلك وكذلك لارتفاع القدرة الشرائية لاقتصاد السعودية والإمارات التي يفوق ناتجها المحلي أكثر من أربعمئة مليار دولار.
  2. أما المجموعة الثانية فهي التي استطاعت أن تستقطب مبالغ متسقة مع حجمها الاقتصادي، وهي تونس والمغرب والأردن ولبنان وقطر. ويلاحظ أن دولة البحرين تستقطب مبالغ مهمة (2.9 مليار دولار) وربما هذا راجع إلى ديناميكية القطاع المالي وتطور عمليات "الأوف ستور" والصيرفة الإسلامية.
  3. أما الجزائر والتي استقطبت 1.8 مليار دولار لا يتلاءم مع حجم اقتصادها الذي يعتبر ثالث اقتصاد عربي قياسا بحجم الناتج المحلي الإجمالي بعد السعودية والإمارات. ويرجع تواضع الاستثمارات الأجنبية في الجزائر إلى اختصارها على قطاع النفط من جهة وتباطؤ عملية الإصلاح في القطاع الصناعي الذي يعرف سيطرة القطاع العام، وتباطؤ عملية الخصخصة. كما أن السودان استطاع أن يجذب مبالغ محترمة (3.5 مليارات دولار) في قطاع النفط وكذلك ليبيا ولكن بدرجة أقل.

 في نفس الوقت تساهم بعض الدول العربية في عمليات الاستثمار الأجنبي المباشر خارج حدودها حيث بلغ إجمالي الاستثمارات الصادرة من الدول العربية مبلغ 13.8 مليار دولار سنة 2006 أغلبها من الكويت (7.8 مليارات) والإمارات 2.3 مليار دولار.

الاستثمارات البينية والاقتصاد العربي

"
تتميز الاستثمارات البينية العربية بتوزيع متباين بشدة بين البلدان العربية، فلكل دولة عربية سوق عربي مميز تتجه له الاستثمارات في الدرجة الأولى
"
ساهمت الاستثمارات العربية البينية بمقدار 28% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية الواردة للمنطقة العربية حيث بلغت 17.58 مليار دولار سنة 2006 بينما وصل إجمالي المخزون المتراكم خلال العشر سنوات الأخيرة أكثر من ثمانين مليار دولار، وهي جزء بسيط من الموارد المالية العربية المودعة في المصارف الأجنبية والتي تقدر بين تريليون وتريليون ونصف التريليون دولار أميركي. وفي ظل تدهور البيئة الاستثمارية وارتفاع القيود على ممارسة الأعمال فإنه من الصعب الطموح باجتذاب هذه الأموال التي تساهم في تمويل التنمية في الدول المتقدمة والتي تقدم الثقة والاطمئنان للمودعين والمستثمرين. وتشير بيانات البنك الدولي فيما يتعلق بالقيود على ممارسة الأعمال إلى أن الدول العربية تعاني بشكل كبير من تدهور بيئة الأعمال وارتفاع تكاليفها وتفاقم المخاطر.

 تساهم الاستثمارات البينية العربية بشكل كبير في التدفقات الاستثمارية المباشرة لعدد من الدول العربية حيث أنها تشكل في السعودية أكثر من 71% من إجمالي مخزون الاستثمارات الأجنبية. وتبلغ هذه النسبة 48% في لبنان و35% في تونس و32% في سوريا و30% في ليبيا و28% في السودان و20% قي فلسطين و18% في عمان، أما الدول التي لا تشكل فيها الاستثمارات العربية وزناً كبيراً فهي الجزائر بمعدل 15% والمغرب 12% والأردن 10% والبحرين 8%.

ويوضح الجدول التالي كلفة القيام بالأعمال في الوطن العربي:

 


وتتوجه الاستثمارات البينية العربية في المقام الأول لقطاع الخدمات حيث استقطب هذا القطاع أكثر من 53% من إجمالي 17.5 مليار دولار بينما حصل قطاع الصناعة على 45%.

ويعود الاهتمام بقطاع الخدمات إلى تركيز الاستثمارات على المشاريع المربحة في قطاع السياحة والترفيه، بالإضافة إلى قطاع العقارات الذي يشهد ارتفاعاً في الأسعار مما يزيد من جاذبية الاستثمار.

ولكن هذا النمط من الاستثمار ليس معمماً على الدول العربية، حيث تركز الاستثمارات البينية العربية في الأردن على قطاع الصناعة وكذلك نفس الشيء في السودان. أما الدول التي تتركز فيها الاستثمارات في قطاع الخدمات فهي السعودية، ولبنان، ومصر وتونس.

وتتميز الاستثمارات البينية العربية بتوزيع متباين بشدة بين البلدان العربية، فلكل دولة عربية سوق عربي مميز تتجه له الاستثمارات في الدرجة الأولى.

فمثلاً تتجه الاستثمارات الأردنية والإماراتية والبحرينية والسورية واللبنانية في أغلبها نحو السعودية، أما الاستثمارات السعودية فتتركز في العديد من الدول العربية وهي الأردن، والسودان، وسوريا، ولبنان، والمغرب واليمن.

ويوضح الجدول التالي نسبة معدل الطاقة في الوطن العربي: 

 

تستطيع الاستثمارات البينية العربية أن تتطور بشكل أكثر مما هو عليه وخاصة في ظل ارتفاع الريع النفطي بشكل لم تعهده الدول من قبل.

وفي ظل هذه الوفرة المالية فإن الدول العربية التي تواجه أزمة بطالة ومستوى معيشة متدنيا تحتاج إلى أن تنمو ضعف ما هو مسجل لحد الآن أي أن معدل النمو المطلوب لإحداث تغير ملحوظ يتراوح في حدود 8% إلى 10% سنوياً. ولتمويل هذا النمو المعتبر فإن الدول العربية ستحتاج بشكل مؤكد إلى مزيد من الاستثمارات الإنتاجية في البنى التحتية الأساسية وفي تنمية الموارد البشرية.

إن معدلات التراكم في البلدان العربية لا تزال منخفضة ومن الصعب تفهم الوضع إذ كيف تتمتع بلدان بفوائض مالية معتبرة بينما ترتفع فيها معدلات البطالة؟ خاصة إذا ما علمنا أن المنطقة العربية تسجل أعلى مستويات معدلات البطالة على المستوى العالمي.
_______________
* دكتوراه في الاقتصاد خبير بالمعهد العربي للتخطيط بالكويت

شارك برأيك