عنوان تقرير المنظمة:
الولايات المتحدة الأميركية:
"الانحراف عن الهدف: إدارة الحرب والخسائر بين المدنيين في العراق"

أولا- النتائج الرئيسية
ثانيا- المنهج
ثالثا- التوصيات الرئيسية


أولا- النتائج الرئيسية

لقد وصف الرئيس جورج دبليو بوش الحرب في العراق بأنها "واحدة من أسرع الحملات العسكرية وأكثرها إنسانية في التاريخ". غير أن الآلاف من المدنيين العراقيين سقطوا بين قتيل وجريح أثناء الأسابيع الثلاثة الأولى من القتال من جراء الغارات الجوية الأولى في 20 مارس/آذار حتى 9 أبريل/نيسان 2003، حينما سقطت بغداد في قبضة قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة.

وقد أوفدت منظمة هيومن رايتس ووتش بعثة من الباحثين إلى العراق خلال الفترة بين أواخر أبريل/نيسان ومطلع يونيو/حزيران، لتحقيق هدفين: [1] تحديد انتهاكات القانون الإنساني الدولي التي يُحتمل أن تكون أطراف الصراع قد ارتكبتها، والتحقيق فيها؛ و[2] تحديد الأنماط القتالية لتلك الأطراف التي يُحتمل أن تكون قد أسفرت عن وقوع خسائر بين المدنيين وتسببت في معاناتهم، والتي كان بالإمكان تلافيها لو اتُّخذت احتياطات إضافية. ولم تضطلع هيومن رايتس ووتش بهذه البعثة لتحديد عدد القتلى والجرحى من المدنيين، وإنما سعت للوقوف على كيفية وسبب مقتل هؤلاء المدنيين أو إصابتهم من أجل تقييم مدى الالتزام بالقانون الإنساني، بغية الحد من آثار الحرب على المدنيين في المستقبل.

وقد أظهر التحقيق أن القوات العراقية ارتكبت عدداً من انتهاكات القانون الإنساني الدولي التي يُحتمل أن تكون قد أدت إلى وقوع خسائر جسيمة في صفوف المدنيين؛ ومن بينها استخدام دروع بشرية، وإساءة استخدام شعاري الصليب الأحمر والهلال الأحمر، واستخدام الألغام الأرضية المضادة للأفراد، ووضع الأهداف العسكرية في أماكن محمية (مثل المساجد والمستشفيات والممتلكات الثقافية)، والتقاعس عن اتخاذ الاحتياطات الكافية لحماية المدنيين من أخطار العمليات الحربية. كما أن عادة ارتداء الثياب المدنية التي درج عليها أفراد الجيش العراقي كان لها الأثر في إضعاف التمييز بين المقاتلين والمدنيين، مما عرض هذه الفئة الأخيرة للأخطار، ولو أن ذلك لم يعفِ قوات التحالف من التزامها بالتمييز في كافة الأوقات بين المقاتلين والمدنيين، واستهداف المقاتلين فقط.

وقد اتخذت قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة احتياطات لعدم إلحاق أي أذى بالمدنيين، وبذلت في الأغلب والأعم جهوداً للوفاء بالتزاماتها القانونية؛ بيد أن هيومن رايتس ووتش حددت بعض الأساليب التي أدت إلى وقوع خسائر في صفوف المدنيين إبان الحرب الجوية، والحرب البرية، وخلال الفترة التالية للصراع.

فقد أسفر استخدام القذائف العنقودية على نطاق واسع، ولا سيما من جانب القوات البرية الأمريكية والبريطانية، عن مقتل أو إصابة المئات من المدنيين على أقل تقدير؛ وهذه الذخائر العنقودية هي عبارة عن أسلحة كبيرة تحتوي على العشرات أو المئات من القنيبلات، ومن شأنها أن تعرض المدنيين للخطر بسبب ما تتسم به من القدرة على التشتت الواسع النطاق، أو ما يعرف باسم "منطقة التشتت"، والعدد المرتفع من القنيبلات التي لا تنفجر لدى اصطدامها بالسطح الذي تسقط عليه. وأفادت القيادة الوسطى للجيش الأمريكي أنها استخدمت 10782 من القذائف العنقودية التي قد تحتوي على 1,8 مليون قنيبلة على الأقل؛ كما استخدمت القوات البريطانية هي الأخرى 70 قذيفة عنقودية أطلقت من الجو، و2100 أخرى أطلقت من الأرض، وتحتوي على 113190 قنيبلة. ورغم أن شن الهجمات بالذخائر العنقودية محفوف بأخطار بالغة في المناطق الآهلة بالسكان، فقد عمدت القوات البرية الأمريكية والبريطانية إلى استخدام هذه الأسلحة مراراً في هجماتها على المواقع العراقية في الأحياء السكنية. كما أوقعت قوات التحالف الجوية خسائر في صفوف المدنيين باستخدامها القنابل العنقودية، وإن كان ذلك بدرجة أقل كثيراً.

وقد وقع الكثير من إصابات المدنيين الناجمة عن الحرب الجوية أثناء الهجمات الأمريكية التي استهدفت كبار القادة العراقيين؛ فقد استخدمت الولايات المتحدة أسلوباً معيباً لتحديد الأهداف يعتمد على اعتراض الاتصالات الهاتفية التي تتم عبر القمر الاصطناعي، وعلى معلومات استخبارية تأكيدية غير كافية. فهواتف الثريا التي تعمل بالقمر الاصطناعي تعطي إحداثيات أرضية لا تتجاوز دقتها مدى المائة متر؛ ومن ثم فإن الولايات المتحدة لم تتمكن من تحديد مصدر أي مكالمة هاتفية بدرجة أدق من منطقة مساحتها 31400 متر مربع. ومما زاد من سوء هذه الاستراتيجية المعيبة لتحديد الأهداف عدم إجراء تقييم فعال للمخاطر المحتملة على المدنيين قبل شن هذه الهجمات، ولمدى نجاحها وجدواها بعد ذلك. وقد باءت بالفشل جميع الهجمات الخمسين المعترف بها التي استهدفت القيادة العراقية؛ وفي حين أنها لم تسفر عن مقتل فرد واحد مستهدف، فقد أدت إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين. وقد أعرب العراقيون الذي تحدثوا لهيومن رايتس ووتش بشأن الهجمات التي كانت تحقق فيها - أعربوا مراراً عن اعتقادهم بأن الأفراد المستهدفين بهذه الهجمات لم يكونوا حتى متواجدين وقت وقوع هذه الهجمات.

ويبدو أن الهجمات الجوية التي شنتها قوات التحالف على أهداف ثابتة تم تحديدها مسبقاً لم تحدث خسائر ذات بال في صفوف المدنيين، وقد تجنبت القوات الجوية الأمريكية والبريطانية البنية التحتية المدنية بوجه عام؛ غير أن قوات التحالف حددت بالفعل أهدافاً معينة باعتبارها "مزدوجة الاستخدام"، بما في ذلك المنشآت الكهربائية والإعلامية. وقد تبين من تحقيقات هيومن رايتس ووتش أن الغارات الجوية على منشآت توزيع الطاقة المدنية بالناصرية قد تسببت في معاناة خطيرة للمدنيين، وأن مشروعية الهجمات التي وقعت على المنشآت الإعلامية مشكوكٌ فيها.

ويبدو أن معظم الإصابات المدنية التي عزيت لسلوك قوات التحالف في الحرب البرية قد نجمت عن استخدام ذخائر عنقودية أطلقت من الأرض؛ وفي بعض حالات القتال المباشر، خاصة في بغداد والناصرية، ربما كانت المشكلات المتعلقة بالتدريب على قواعد الاشتباك، فضلاً عن تلك المتعلقة بتعميمها ووضوحها، من العوامل التي أدت إلى وقوع خسائر في أرواح المدنيين.

وقد تسببت البقايا المتفجرة التي خلفتها الحرب في سقوط المئات من القتلى والجرحى من المدنيين أثناء العمليات الحربية الرئيسية وفي أعقابها، وما زالت تتسبب في وقوع مثل هذه الإصابات حتى اليوم. فقد خلفت قوات التحالف وراءها عشرات الآلاف من القنابل العنقودية "الخاملة"، أي القنيبلات التي لم تنفجر لدى ارتطامها بالأرض، ومن ثم فقد أصبحت بمثابة ألغام أرضية. وإذا كان معدل إخفاق هذه الذخائر في الانفجار هو خمسة بالمائة في المتوسط، فإن عدد القنابل العنقودية التي ورد أن قوات التحالف قد استخدمتها من شأنه أن يخلف نحو 90 ألف قنبلة "خاملة"؛ بل إن الأضرار الإنسانية والعسكرية التي نجمت عنها حذت ببعض الجنود الذين شاركوا في القتال في العراق إلى الدعوة لاستخدام بديل لهذا السلاح الذي يتخلف عنه مثل هذا العدد الكبير من القنابل غير المنفجرة. ومن جهة أخرى، خلفت القوات العراقية وراءها كميات هائلة من الأسلحة والذخيرة، مما أدى لإصابة أو مقتل المدنيين الذين كانوا يبحثون عن لعب للهو بها أو خردة لبيعها أو إعادة استخدامها.

وقد أكد القادة العسكريون والمدنيون، الأمريكيون والبريطانيون، مراراً التزامهم وحرصهم على تجنب إيقاع خسائر في صفوف المدنيين، أو إلحاق أي أضرار أخرى بهم؛ غير أن أياً من هذين البلدين لم يُجرِ تحقيقاً وافياً في خسائر المدنيين، ولم يقم بتحليل أسبابها؛ والمسؤولية عن النهوض بهذه المهمة - التي تُرك العبء الأكبر منها لمنظمات مثل هيومن رايتس ووتش - يجب أن تقع على عاتق أطراف الصراع؛ وينبغي للولايات المتحدة والمملكة المتحدة، باعتبارهما قادرتين على القيام بمثل هذا التقييم، توضيح الأسباب الدقيقة لأي خسائر توقعها قواتهما في صفوف المدنيين أثناء الصراع المسلح، حتى يكون بمقدورهما تقديم أقصى حماية ممكنة للمدنيين في أي صراع مستقبلي.

القانون الإنساني الدولي
في أثناء الحرب في العراق، كانت قوات التحالف والقوات العراقية محكومة بالقانون الإنساني الدولي، المعروف أيضا بقانون الصراع المسلح. ويطالب هذا القانون أطراف أي صراع مسلح باحترام وحماية المدنيين وغيرهم من الأشخاص الذين ليس لهم دور مباشر في القتال أو الذين لم يعد لهم مثل هذا الدور، كما يقيد القانون السبل والوسائل المسموح باستخدامها في الحرب. وتعتبر اتفاقيات جنيف الأربع المعقودة في عام 1949 وثيقة الصلة بهذا الموضوع، ومن بين أطرافها العراق والولايات المتحدة والمملكة المتحدة. كما تنطبق أيضا في هذا الصدد قواعد لاهاي الصادرة عام 1907، والتي صادقت عليها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، والتي تعتبر مقبولة على نطاق واسع لكونها تمثل القانون الدولي العرفي.

ولم يصادق العراق ولا الولايات المتحدة على البروتوكول الإضافي الأول الصادر عام 1977 والملحق باتفاقيات جنيف الأربع المعقودة عام 1949 (البروتوكول الأول)، لكن المملكة المتحدة طرف في هذا البروتوكول. ويقنن البروتوكول الأول القانون الحالي ويوسع من نطاقه إلى حد ما، خاصة فيما يتعلق بأسلوب القتال. واليوم تعتبر أحكام كثيرة من أحكامه، إن لم يكن معظمها، معبرة عن القانون الدولي العرفي.

ويعد مبدأ التمييز حجر الأساس في القانون الذي ينظم طريقة القتال، إذ يطالب أطراف الصراع بالتمييز في كافة الأوقات بين المقاتلين والمدنيين، فلا يجوز مهاجمة المدنيين ولا الأعيان المدنية، ولا يجوز توجيه العمليات إلا ضد الأهداف العسكرية.

وتضم الأهداف العسكرية أفراد القوات المسلحة، وغيرهم من الأشخاص الذين يقومون بدور مباشر في القتال طوال فترة مشاركتهم فيه، إلى جانب تلك الأعيان "التي تسهم مساهمة فعالة في العمل العسكري سواء كان ذلك بطبيعتها أو بموقعها أم بغايتها أم باستخدامها، والتي يحقق تدميرها التام أو الجزئي أو الاستيلاء عليها أو تعطيلها في الظروف السائدة حينذاك ميزة عسكرية أكيدة".

وبالإضافة إلى الهجمات المباشرة على المدنيين، فإن القانون الإنساني الدولي يحظر أيضا الهجمات العشوائية، وهي الهجمات التي "من شأنها أن تصيب، في كل حالة كهذه، الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين أو الأعيان المدنية دون تمييز". ومن أمثلة الهجمات العشوائية تلك الهجمات التي "لا توجه إلى هدف عسكري محدد"، أو التي تستخدم وسيلة قتالية "لا يمكن توجيهها إلى هدف عسكري محدد".

ومن صور الهجمات العشوائية أيضا الهجوم الذي يخالف مبدأ التناسب لأنه "يمكن أن يتوقع منه أن يسبب خسارة في أرواح المدنيين أو إصابة بهم أو أضرارا بالأعيان المدنية، ... [مما] يفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة".

وفي سياق إجراء العمليات العسكرية يجب اتخاذ الحيطة الدائمة لتجنيب السكان المدنيين والمنشآت المدنية آثار القتال. ولذلك يجب على أطراف القتال اتخاذ تدابير وقائية بغرض تجنب الخسائر العارضة في أرواح المدنيين وإلحاق الإصابة بهم والإضرار بالأعيان المدنية، أو تقليلها إلى أدنى حد ممكن على أي حال. وتتضمن هذه الاحتياطات ما يلي:

  1. أن يبذل مخطط الهجوم "ما في طاقته عمليا للتحقق" من أن المنشآت التي سيوجه إليها الهجوم أهداف عسكرية، وليست أفرادا مدنيين ولا أعياناً مدنية أو خاضعة للحماية الخاصة.
  2. اتخاذ "جميع الاحتياطات المستطاعة عند تخير وسائل وأساليب" الحرب تفاديا لإحداث "خسائر في أرواح المدنيين، أو إلحاق الإصابة بهم أو الإضرار بالأعيان المدنية، وذلك بصفة عرضية"، وعلي أي الأحوال حصر ذلك في أضيق نطاق.
  3. الامتناع عن شن أي هجوم "يتوقع منه، بصفة عرضية، أن يحدث خسائر في أرواح المدنيين أو إلحاق الإصابة بهم، أو الإضرار بالأعيان المدنية، ... ، مما يفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة".
  4. توجيه "إنذار مسبق بوسائل مجدية في حالة الهجمات التي قد تمس السكان المدنيين"، متى سنحت الفرصة لذلك.
  5. "حين يكون الخيار ممكنا بين عدة أهداف عسكرية للحصول علي ميزة عسكرية مماثلة" فإن شن الهجوم "يتوقع أن يسفر ... عن إحداث أقل قدر من الأخطار علي أرواح المدنيين والأعيان المدنية.".
  6. تجنب "إقامة أهداف عسكرية داخل المناطق المكتظة بالسكان أو بالقرب منها".
  7. العمل على "نقل ... السكان المدنيين والأفراد المدنيين والأعيان المدنية بعيدا عن المناطق المجاورة للأهداف العسكرية، ".

كما يحظر على أطراف الصراع استخدام المدنيين في "درء الهجوم عن الأهداف العسكرية"، أو استغلال وجودهم في "تغطية أو تحبيذ أو إعاقة العمليات العسكرية".

وتستفيد المنشآت الطبية والثقافية من الحماية الخاصة التي يكفلها القانون الإنساني الدولي. فالمستشفيات وغيرها من الوحدات الطبية يجب احترامها "وحمايتها"، ويجب ألا تكون هدفا لأي هجوم. ولا يجوز أن تستخدم "في محاولة لستر الأهداف العسكرية عن أي هجوم". ولكنها تفقد هذه الحماية إذا استخدمت لارتكاب "أعمال ضارة بالخصم".

كما يجب على أطراف الصراع الامتناع عن ارتكاب أي أعمال عدوانية ضد "الآثار التاريخية أو الأعمال الفنية أو أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب، ... [أو] استخدام مثل هذه الأعيان في دعم المجهود الحربي".

ثانيا- المنهج

سبق أن أوفدت منظمة هيومن رايتس ووتش عدة بعثات لتقييم أضرار المعارك بهدف التحقيق في سير الحرب وخسائر المدنيين، ومنها بعثاتها إلى يوغوسلافيا في عام 1999 وأفغانستان في عام 2002. وبينما يقوم العسكريون بإجراء مثل هذه التقييمات لتحديد مدى النجاح العسكري لعملية من العمليات، فإن هيومن رايتس ووتش تقوم بمراجعة نفس الحوادث من منظور القانون الإنساني الدولي. وفي حالة بعثتها إلى العراق، فقد أجرت المنظمة بحثها على ثلاث مراحل قبل البعثة وفي أثنائها وبعدها.

قبل إيفاد البعثة
في أثناء مرحلة القتال الفعلي، قامت هيومن رايتس ووتش بمتابعة التقارير الإخبارية الواردة من شتى أنحاء العالم عن المدنيين الذين أصيبوا أو قتلوا بسبب القتال، وفحصت كل تقرير منها من حيث موقع الحدث وتاريخه وتوقيته إلى جانب التكتيكات والأسلحة المستخدمة والقوات العسكرية المشتركة فيه. وتم جمع التقارير في صورة قاعدة بيانات إلكترونية يوما بيوم، الأمر الذي يسر لباحثي هيومن رايتس ووتش تحديد المواقع الأولية للتفقد والتحليل داخل العراق. كما تضمنت الجهود المبذولة قبل إيفاد البعثة إعداد خرائط للعراق ومدنه الرئيسية مجهزة خصيصا باستخدام برنامج "آركفيو" للمعلومات الجغرافية. والغرض من هذه الخرائط الرقمية هو استخدامها لعرض البيانات المجموعة داخل العراق عن مواقع الأعيان والأحداث المختلفة على وجه الدقة.

أثناء البعثة
أوفدت منظمة هيومن رايتس ووتش فريقا مكونا من ثلاثة باحثين إلى العراق في الفترة من 29 أبريل/نيسان إلى الأول من يونيو/حزيران 2003، للتحقيق في آثار الحرب الجوية والحرب البرية والأجواء التي سادت بعد القتال مباشرة على المدنيين. وتضمن هذا الفريق محللا عسكريا كبيرا خبيرا في الشؤون العراقية، ومحاميا خبيرا بالقانون الإنساني الدولي واستخدام الذخائر العنقودية، وباحثا أول، ويتمتع ثلاثتهم بخبرة سابقة في هذا النوع من البحث. وركز الفريق على الجوانب الأساسية للقتال في أودية نهري دجلة والفرات التي وردت أنباء عن وفيات المدنيين فيها. واستعان الفريق بداية بقاعدة البيانات المكونة من التقارير الصحفية، ثم بعد ذلك بالمعلومات التي حصل عليها من مصادر داخل العراق، وزار عشراً من المدن العراقية، هي أم قصر والفاو والبصرة والناصرية والشاطرة وبغداد والحلة وكربلاء والنجف الأشرف والفلوجة. وحصل على بيانات عن مواقع الهجمات التي تمت بالذخائر العنقودية من مركز العمليات الإنسانية بالكويت، وقام برسم هذه المواقع على الخرائط باستخدام برنامج "آركفيو"، كما زار العديد من المواقع الواقعة داخل المناطق السكنية. وتنقل الفريق بحرية سواء داخل المدن أو فيما بينها بسيارات خاصة، دون أن يكون مسلحا أو مصحوبا بحراسة عسكرية.

وحاول الفريق في كل موقع من المواقع التي زارها البحث في ثلاثة مصادر مختلفة للمعلومات، هي مسار المقذوفات والأطراف المتحاربة والضحايا.

آثار المقذوفات: تتضمن الأدلة المتعلقة بآثار المقذوفات الأضرار الناجمة عن انفجار المقذوفات وانتثار شظاياها، وبقايا الأسلحة خاصة في حالة الذخائر العنقودية. وقد ساعدت هذه المعلومات الباحثين على تحديد الأسلحة المستخدمة في حوادث بعينها والطريقة التي استخدمت بها.

الأطراف المتحاربة: حاول الفريق إجراء مقابلات شخصية مع عدد من الجنود من كافة الأطراف الضالعة في كل واقعة بعينها، الذين يمكن أن يعطوا معلومات عن طريقتهم في القتال في اشتباكات معينة، بما في ذلك التفاصيل الخاصة بالأسلحة والتكتيكات التي استخدموها في وقت الهجوم.

الضحايا: أجرى الفريق مقابلات شخصية مع الضحايا والشهود في الهجمات التي أضرت بالمدنيين لجمع المعلومات عن وقت هذه الوقائع وتواريخها ومواقعها وطبيعتها. كما راجع الآلاف من التقارير الطبية في أكثر من عشر مستشفيات في المدن التي زارها، وأجرى مقابلات شخصية مع الأطقم الطبية في هذه المنشآت. وبالإضافة إلى ذلك، سجل الفريق في كل موقع من المواقع الإحداثيات الدقيقة للمواقع الهامة باستخدام النظام العالمي لتحديد المواقع بالأقمار الاصطناعية، مثل حقول الأشلاء والفوهات المتخلفة عن القنابل والأضرار الناجمة عن الشظايا والأسلحة الصغيرة، ومواقع قوات التحالف والقوات العراقية طبقا لشهادة الشهود، وأماكن الوفيات والإصابات المدنية - وذلك باستخدام أجهزة يدوية متوافقة مع النظام العالمي لتحديد المواقع من طراز "غارمين". كما التقط الفريق آلاف الصور الفوتوغرافية الرقمية لتحليلها إلى جانب الأدلة السابق ذكرها.

ولابد أن نؤكد أن منظمة هيومن رايتس ووتش لم تتمكن، إلا في حالة واحدة، من إجراء مقابلات مع أفراد القوات المسلحة العراقية لتسجيل ردهم على ما نُسب إليهم من اتهامات بانتهاك القانون الإنساني الدولي، وآرائهم فيما يتعلق بالأسلوب القتالي لقوات التحالف. ولا يقيِّم هذا التقرير المزايا العسكرية لأي هجوم معين يتناوله بالوصف؛ بل يجب على أطراف الصراع القيام بمثل هذا التقييم في كل حالة على حدة قبل إقدامها على أي هجوم.

بعد البعثة
بعد عودته من العراق، قام فريق الباحثين بتجميع وتحليل كافة المعلومات التي جمعها أثناء البعثة؛ كما أجرى مقابلات للمتابعة مع المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين المعنيين.

خسائر المدنيين
لم تحاول هيومن رايتس ووتش إحصاء عدد الوفيات من المدنيين في العراق؛ فلا شك أنه من المفيد معرفة العدد الإجمالي للضحايا لإدراك آثار الحرب بصورة كاملة، ولإجراء تحليلات مقارنة مع صراعات أخرى حديثة، بيد أننا نعتقد أنه من الأهم فهم الظروف التي أدت إلى وقوع خسائر بين المدنيين.

وقد توجه باحثو هيومن رايتس ووتش إلى الكثير من المستشفيات في المدن العشر والبلدات الصغيرة العديدة التي زاروها أثناء البعثة؛ ووضع مديري المستشفيات والموظفون الطبيون، الذين كانوا يعملون في هذه المنشآت أثناء الصراع - وضعوا السجلات الطبية العراقية في متناول الباحثين ، مما سمح لهم باستخلاص بعض الاستنتاجات الإحصائية، ولكنها سلطت الضوء كذلك على التحديات التي تنطوي عليها أي محاولة لإجراء إحصاء دقيق لخسائر المدنيين.

وقد تفاوتت جودة هذه السجلات من استمارات المستشفيات المفصلة المعدة بواسطة الكمبيوتر إلى الدفاتر الملطخة بالدماء التي تحتوي على بيانات مسجلة بخط اليد. ولئن كان بعض المنشآت الطبية قد تمكنت من الاحتفاظ بسجلات شاملة، فثمة منشآت أخرى كانت سجلاتها غير كاملة، وكانت بعض أجزائها ناقصة؛ ومن البديهي أن حفظ السجلات لم يكن دائماً على رأس أولويات المستشفيات إبان العمليات العسكرية النشطة؛ وهذا هو أحد الأسباب التي تدفع إلى الاعتقاد بأن العدد الإجمالي لخسائر المدنيين في العراق لن يعرف على وجه الدقة أبداً. وثمة تحدٍ آخر يواجه من يحاول إحصاء خسائر المدنيين العراقيين، وهو أنه في هذا البلد المسلم تُدفن الجثث على الفور تقريباً. ورغم أن المستشفيات لديها سجلات بعض الوفيات التي وقعت أثناء الحرب، فإن نسبة معينة من الموتى لم ينقلوا إلى المستشفيات، بسبب تقاليد وأعراف دينية، ولا حتى لاستخراج شهادات الوفاة.

وأخيراً، ففي بعض الحالات، مثلما هو الحال في أي حرب، لا يكاد يوجد أي رفات يمكن من خلاله تحديد هوية الموتى.

ورغم أنه قد يكون من المتعذر إجراء إحصاء كامل لخسائر المدنيين، فقد بذلت بعض المحاولات لتحديد عدد الموتى؛ فعقب انتهاء العمليات القتالية الرئيسية، جمعت وكالة الأسوشيتد برس بيانات من ستين مستشفى من مستشفيات العراق البالغ عددها 124، وقدرت عدد المدنيين الذين لقوا حتفهم بما لا يقل عن 3420؛ ووصفت الوكالة هذا الإحصاء بأنه "ناقص"، وقالت "من المؤكد أن الحصيلة الكاملة - إن تم إحصاؤها على الإطلاق - سوف تكون أعلى من ذلك بكثير". وأجرت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" استقصاء لسبعة وعشرين مستشفى في بغداد والمناطق المحيطة بها، فتبين لها أن ما لا يقل عن 1700 مدني قد لقوا حتفهم، فيما أصيب أكثر من 8000 آخرين في العاصمة.

وتشير الإحصائيات المستقاة من سجلات المستشفيات إلى أن الحرب البرية تسببت في الغالبية العظمى من الوفيات؛ ففي الناصرية، لقي أكثر من 400 مدني حتفهم، من بينهم ما لا يقل عن 72 امرأة و169 طفلاً؛ وأصيب أكثر من 700 آخرين من النساء والأطفال. وقد نجمت الكثرة الغالبة من هذه الخسائر عن نيران الأسلحة الصغيرة عندما اشتدت ضراوة القتال في أحد الأحياء الكثيفة السكان بالمدينة. وكانت حصيلة القتلى والجرحى مرتفعة في بغداد أيضاً؛ وفي الحلة، تسببت الذخائر العنقودية التي أطلقتها القوات الأمريكية من الأرض في وقوع 90% من جميع خسائر المدنيين؛ وقتلت هذه الأسلحة أعداداً كبيرة من المدنيين في البصرة وبغداد أيضاً. وإذا كانت الحرب البرية قد تسببت في وقوع عدداً أكبر بكثير من الخسائر بين المدنيين، فإن الحرب البرية، ولا سيما الهجمات الفاشلة التي استهدفت القيادات العراقية، قد ساهمت في العدد الإجمالي للقتلى والجرحى من المدنيين.

ثالثا- التوصيات الرئيسية

تحث هيومن رايتس ووتش الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغيرهما من قوات التحالف على الأخذ بالتوصيات الرئيسية التالية:

  • يجب الامتناع عن شن هجمات جوية على أهداف القيادة، مثل تلك التي تم شنها في العراق، إلى حين تصحيح أوجه القصور فيما يتعلق بالمعلومات الاستخبارية وأسلوب تحديد الأهداف؛ ولا يجوز توجيه ضربات تستهدف القيادات دون إجراء تقدير كافٍ للأضرار الجانبية؛ ولا يجوز أن يكون الأساس الأوحد الذي تستند إليه هذه الضربات هو ما يتم اعتراضه من الاتصالات الهاتفية عبر القمر الاصطناعي؛ ولا يجوز توجيه ضربات لمناطق كثيفة السكان ما لم تكن هنالك معلومات استخبارية يُرى أنها جديرة بدرجة عالية من الثقة.
  • يجب إجراء تحقيق شامل ودقيق بشأن عمليات تقييم الأضرار الجانبية وأضرار القتال لمعرفة كيف يمكن الارتقاء بمستوى هذه العمليات على نحو يقلل من خسائر المدنيين، وإجراء التغييرات المناسبة.
  • يجب عدم استخدام الذخائر العنقودية التي يتم إطلاقها من الجو أو الأرض ما لم تُعالَج المشكلات الإنسانية المرتبطة بهذه الأسلحة؛ وبوجه خاص، يجب التوقف عن استخدام هذه الأسلحة ريثما يتسنى تخفيض معدل فشلها في الانفجار إلى حد كبير. وإذا ما تقرر استخدام الذخائر العنقودية، فلا يجوز استخدامها في المناطق الآهلة بالسكان أو بالقرب منها. ويجب الامتناع عن استخدام الكميات المخزونة من القنابل العنقودية القديمة غير الموجهة، التي لا يمكن الاعتماد عليها، مهما كانت الظروف.
  • يجب استخدام القذائف الموجهة بدقة كلما أمكن ذلك، خصوصاً حينما تكون الأهداف في مناطق آهلة بالسكان.
  • يجب توخي أقصى درجات الحذر عند استهداف مرافق الطاقة الكهربائية؛ وبوجه خاص، لا يجوز على الإطلاق مهاجمة مرافق توليد الطاقة الكهربائية. وإذا ما تقرر شن هجوم على مرافق توزيع الطاقة الكهربائية، فيجب أن يتم ذلك على نحو لا يسبب سوى تعطيلها مؤقتاً.
  • يجب الامتناع عن مهاجمة المنشآت الإعلامية ما لم يكن من الواضح أنها تساهم مساهمة فعالة في العمل العسكري، وأن تدميرها يحقق مزية عسكرية أكيدة.
  • يجب أن تجري قوات التحالف تدريباً أفضل على تطبيق قواعد الاشتباك، وبخاصة في حرب المدن وفي الظروف التي قد يرتدي فيها العدو ثياباً مدنية. ويجب على القوات الأمريكية ضمان عدم وقوع أي خلط بين قواعد الاشتباك المكتوبة والشفهية، والتحقق من أن قواعد الاشتباك يتم تعميمها على أفراد الجيش في الوقت المناسب.
  • يجب تكريس المزيد من التخطيط والأفراد والموارد للتعامل مع الأسلحة غير المنفجرة والكميات المخزونة المهجورة من الأسلحة والذخيرة، سواء أثناء الصراع أو فور انتهائه.

______________
المصدر:
منظمة هيومن رايتس ووتش