*بقلم/ محمد ولد عبد الدائم

بدأت أزمة الديون على المستوى العالمي في الخمسينيات، واتضحت معالمها بشكل بارز في عقد التسعينيات عندما تفاقم حجم القروض نظرا لسوء توظيفها، لتنفجر عام 1982 حينما توقفت المكسيك وتشيلي والأرجنتين عن دفع أعباء ديونها الخارجية، ثم تبع ذلك عمليات إعسار مالي لعدد كبير من البلاد النامية، وشكل إعلان هذه الدول وقف دفع أعباء ديونها مؤشرا لانهيار نظام الائتمان الدولي.

وفي الدول العربية بلغ حجم الديون الخارجية حوالي 144 مليار دولار عام 2000 وفقا للتقرير الاقتصادي العربي الموحد.

ويقدم المقال إجابة على مجموعة من التساؤلات الضرورية مثل ما أسباب هذه الديون؟ هل هي أسباب هيكلية أم أنها أسباب ظرفية لا تعدو أن تكون اختلالات مالية؟ وذلك من خلال المحاور التالية:

- أزمة الديون كجزء من أزمة هيكلية متعددة الأبعاد
- الاستدانة.. الأسباب الخاصة

أزمة الديون كجزء من أزمة هيكلية متعددة الأبعاد

تعيش البلدان العربية أزمة اقتصادية خانقة منذ عقود عديدة، وهي أزمة بنيوية في طبيعتها، فلا هي أزمة ظرفية عابرة، ولا هي أزمة قطاعية أو دورية، بل أزمة هيكلية متعددة الأبعاد ازدادت تشابكا وتعقيدا منذ السبعينيات مع بروز العديد من الأزمات مثل أزمة النظام النقدي وأزمة المديونية وأزمة الطاقة وأزمة الغذاء وأزمة البطالة.. هذه الأزمة الهيكلية طال أمدها حتى أصبح الخروج منها أصعب بكثير من ذي قبل.


زيادة السكان لا تكون عقبة في طريق التنمية إلا عندما تكون حوافز الأفراد ونوعية مهاراتهم لا تتفاعل على النحو الذي يزيد حجم الإنتاج
وتنعكس هذه الأزمة بصفة خاصة في عجز الموازنات العامة وميل إلى التضخم مع الركود وأزمة مديونية خانقة. ويعتقد العديد من المسؤولين والمهتمين بالأوضاع الاقتصادية الدولية أن الأزمة لا تكمن في نمو السكان إذ إن زيادة السكان ما هي إلا زيادة بطيئة، لكن الخلل يكمن في بطء الزيادة في حجم الإنتاج وتدنيه.

فكل مولود يعتبر وحدة استهلاكية لكنه في الوقت نفسه وحدة إنتاجية ومن المفروض أن هذا الفرد له دخل يخصص جزءا منه للاستهلاك وجزءا للادخار وجزءا للاستثمار. فزيادة السكان لا تكون عقبة في طريق التنمية إلا عندما تكون حوافز الأفراد ونوعية مهاراتهم لا تتفاعل على النحو الذي يزيد الزيادة الكافية في حجم الإنتاج وهذا جوهر الأزمة الاقتصادية.

ولا سبيل إلى فهم الأزمة الممتدة منذ السبعينيات إلا بإمعان النظر في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية, فالسمات البارزة للأزمة والتي تشكل قاسما مشتركا بين الأقطار العربية يمكن حصرها حسب المفكر الاقتصادي المتميز محمد النوري في الظواهر التالية:

1- أزمة نمو:
برزت هذه الأزمة في وسط السبعينيات في بعض الأقطار العربية وبداية الثمانينيات في أقطار أخرى، وتمثلت في تباطؤ معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي وهبوطها إلى مستويات دنيا وصلت دون الصفر في بعض الأحيان. وقد أنتج هذا الوضع هبوطا في الإنتاج ولاسيما في الإنتاج الزراعي الذي تحكمه عادة في هذه المنطقة العوامل الطبيعية أكثر من العوامل البشرية، إذ زادت الفجوة الغذائية (19 مليار دولار) نتيجة تخلف هياكل الملكية الزراعية وأساليب الاستغلال الزراعي من جهة، وسيطرة الدول الكبرى على التجارة الدولية للغذاء من جهة أخرى. وبرزت الأزمة الغذائية معززة أزمة النمو العام لتكريس التخلف والتبعية في هذه البلدان.

2- تدهور مستوى الدخل الحقيقي للفرد:
تميل مستويات المعيشة في البلدان العربية نحو الهبوط بين الغالبية العظمى لسكانها، وتتضح هذه الحقيقة ليس فقط بين الدول الفقيرة (دول العجز كما يسمونها) مقارنة ببعضها بعضا، وإنما أيضا بين الفقراء والأغنياء داخل القطر الواحد. ويعتمد الاقتصاديون معيارا متوسط الدخل الحقيقي للفرد كمقياس لدرجة التخلف الاقتصادي في بلد ما، فإذا كان هذا المعيار في انخفاض فإن ذلك تعبير عن تدهور مستوى المعيشة للأفراد كما وكيفا ويترجم ذلك في صورة دخل حقيقي منخفض (قياسا بالمؤشر العام للأسعار) وسكن غير ملائم وصحة متدهورة وتعليم متواضع ومعدلات وفيات أطفال مرتفعة ومتوسط عمر قصير وبصفة عامة إحساس مختلط من عدم الارتياح واليأس معا.

وحتى لا تكون الصورة قاتمة تماما فإن متوسط دخل الفرد الحقيقي في أغلب البلدان العربية لم يشهد النمو المطلوب قياسا بالتطور المستمر للأسعار وتكاليف المعيشة من جهة وتدهور القوة الشرائية نتيجة التخفيض المتواصل في قيمة العملات المحلية. وإن كان الأمر متباينا بعض الشيء من قطر لآخر, فإن الاتجاه العام هو تدني مستوى دخول الأفراد باستثناء الدول النفطية, الشيء الذي يعكس مستويات معيشة منخفضة، إذ أصبح دخل الفرد لا يكفي لمواجهة الاحتياجات الأساسية للغالبية العظمى من السكان (الغذاء، السكن، الصحة، التعليم، المواصلات، الخدمات الأساسية..).

3- أزمة تضخم:
اصطحبت أزمة النمو في السنوات الأخيرة بتسارع معدلات التضخم واتجاه الأسعار الارتفاعي التصاعدي مع ركود الإنتاج والتجارة وانتشار البطالة. وليس بخفي ما للتضخم من آثار وخيمة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي, فهو يؤثر سلبا في ميزان المدفوعات لأنه يضعف من الموقف التنافسي لصادرات الدول في السوق العالمية, إذ يؤدي التضخم إلى ارتفاعات شديدة في أسعار واردات هذه الدول في الوقت الذي تتدهور فيه حصيلة صادراتها من المواد الأولية. وفي الوقت نفسه يدفع إلى مزيد من الاستيراد حينما تصبح أسعار السلع المستوردة التي لها مثيل محلي منخفضة عن الأسعار المحلية وبالتالي يحدث الاختلال في التجارة الخارجية بانخفاض الصادرات وتزايد الواردات من جراء التضخم ويتفاقم عندئذ عجز الميزان التجاري.

بالإضافة إلى ذلك فإن التضخم يؤدي إلى تدهور سعر الصرف للعملة المحلية ويشجع على هروب الأموال المحلية إلى الخارج ويضع العراقيل أمام قدوم الاستثمارات الأجنبية الخاصة, ونتيجة لذلك تتسع الفجوة المالية الدولية فتضطر هذه الدول للاستدانة الخارجية.

كما أن للتضخم آثارا اجتماعية لا تقل خطورة عن آثاره الاقتصادية، وهو العدو الأول للعدالة الاجتماعية بما يسببه من تدهور للمقدرة الشرائية للأفراد نتيجة اشتعال الأسعار وهبوط قيمة العملة المحلية. ولعل من أفدح آثار التضخم الاجتماعية ما يلحقه بالفئات المتوسطة الدخول عن طريق ابتلاعه مدخراتها.

إن انتشار ظاهرة التضخم في بلداننا وتحولها من خلل طارئ في بعض الظروف إلى معضلة مزمنة تنخر جسم الاقتصاد يشير إلى أن التضخم أصبح سياسة مقصودة ومنصوحا بها من خبراء المؤسسات المالية الدولية باعتبارها إحدى آليات هيكلة الاقتصاد لصالح المجموعات الاحتكارية دون اعتبار تكلفتها الاجتماعية وتناسيها لضروريات العيش لشرائح هامة من المجتمع.

4- أزمة بطالة:
سجلت السنوات الأخيرة ارتفاعا لمعدلات البطالة بلغ ما بين 15 و20% في أغلب البلدان العربية -خصوصا غير النفطية- نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وانسداد الآفاق وبروز ظاهرة الهجرة المضادة.

والملاحظ في هذا الصدد شيوع ما يسمى بالبطالة الهيكلية وهي ذلك الشكل من البطالة الذي يظهر في عدم التناسب (أو الإخلال) بين الوفرة المتزايدة لليد العاملة مقابل ندرة العوامل الاقتصادية الإنتاجية الأخرى مثل الموارد الطبيعة ورأس المال والتنظيم.

5- أزمة عجز في ميزان المدفوعات:
هذه معضلة أخرى من المعضلات الهيكلية التي تعاني منها الاقتصاديات العربية والتي لم تستطع الاختيارات الاقتصادية مواجهتها. إننا في حقيقة الأمر إزاء حلقة دائرية خبيثة، فأزمة النمو تنتج حالة من الركود مصحوبة بموجة تضخمية حادة, ينعكس التضخم بدوره في تردي شروط التبادل التجاري مع الخارج وهذا يزيد عجز ميزان المدفوعات ويدفع إلى مزيد من الاستدانة الخارجية ويزيد التضخم الذي يؤدي إلى الركود ومن ثم إلى هبوط معدلات النمو وهكذا.

إن استمرار عجز موازين المدفوعات إنما يعبر عن الخلل الهيكلي الكامن في اقتصاديات تلك البلدان التي تعتمد على تصدير المواد الأولية أساسا واستيراد المواد الاستهلاكية الأساسية والسلع والآلات الرأسمالية الوسيطة للإنتاج.

هذا الخلل لا بد أن يؤدي إلى تراكم التدهور لشروط التبادل التجاري مع الخارج نتيجة ميل أسعار المواد الأولية للانخفاض والارتفاع المستمر في أسعار الواردات الاستهلاكية والصناعية.

وهذا هو جوهر قضية التنمية المطروحة على البلدان المتخلفة بإلحاح بصورة عامة. لقد وقعت أغلبيتها الساحقة في فخ التنمية ذات التوجه نحو الخارج، بمعنى تحويل هياكل الإنتاج المحلي نحو التصدير وتوجيهها كليا لاحتياجات الأسواق الخارجية بهدف الحصول على مزيد من العملات الأجنبية لتحسين ميزان المدفوعات. ولكن نظرا لتخلف البنية الاقتصادية والاجتماعية بتلك الدول وقلة الموارد التقليدية لتمويل الإنفاق العام لجأت هذه البلدان إلى الإسراع بالتنمية وتغطية عجز ميزان المدفوعات عن طريق التمويل الخارجي.


بينما لم يتجاوز معدل نمو الإنتاج الزراعي السنوي في الأقطار العربية 2.5% في العقدين الماضيين, كان معدل نمو الطلب على المنتجات الزراعية نحو 6% سنويا في المتوسط مما أدى إلى فجوة غذائية خانقة

6- أزمة غذائية:
نتيجة لتخلف قطاعات الإنتاج من جانب, والنمو المتسارع في استهلاك الغذاء من جانب آخر, شهدت اقتصاديات الدول العربية أزمة هائلة في المجال الغذائي تمثلت في تفاقم العجز الغذائي وحصول فجوة غذائية حادة وانتشار ظاهرة الجوع وسوء التغذية في البعض من هذه الأقطار.

والمقصود بالفجوة الغذائية الفرق بين الحاصل من إنتاج المواد الغذائية والطلب عليها من أجل الاستهلاك، وهو تعبير عن عدم قدرة البلد أو البلدان على تأمين المواد الغذائية اللازمة لتغذية السكان بشكل يلبي الاحتياجات الضرورية والأساسية لنمو السكان وبقائهم في صحة جيدة.

ونظرا لخطورة الأزمة لم تعد مشكلة العجز الغذائي مجرد مشكلة اقتصادية زراعية بل تعدت ذلك لتصبح قضية سياسية إستراتيجية ترتبط بالأمن الوطني والإقليمي. وأصبح الغذاء سلاحا إستراتيجيا في يد الدول المنتجة والمصدرة للحبوب تضغط به على الدول المستوردة لتحقيق أهداف سياسية.

ولا شك في أن هذه المساعدات الغذائية تجعل الدول التي تحصل عليها في تبعية غذائية من شأنها أن تربطها بسياسة الدول المحتكرة للغذاء وتمنعها من ممارستها حقها في الاختيار.

وقد تفاقمت نسبة الفجوة الغذائية وانخفضت نسبة الاكتفاء الذاتي في معظم الدول العربية في السنوات الأخيرة ولم تستطع خطط التنمية الزراعية في العقود الماضية تحقيق تقدم يذكر في الإنتاج الزراعي في أغلب الدول العربية يمكّن من تقليص العجز الغذائي والقضاء نسبيا على الفجوة الغذائية كما فعلت بعض البلدان النامية الأخرى (الهند مثلا).

وقد أدى هذا الظرف إلى ازدياد الاعتماد على استيراد المواد الغذائية من المصادر الأجنبية بنسب متصاعدة، فبينما لم يتجاوز معدل نمو الإنتاج الزراعي السنوي في الأقطار العربية مثلا 2.5% في العقدين الماضيين, كان معدل نمو الطلب على المنتجات الزراعية نحو 6% سنويا في المتوسط، وقد أدى هذا التفاوت بين معدلي نمو الإنتاج والطلب إلى فجوة غذائية خانقة.

7- أزمة مديونية:
لقد ترتب على الاختلال المزمن في موازين المدفوعات للدول العربية تراكم المديونية الخارجية وتفاقم أعبائها بشكل يثير الانتباه ويدعو للفزع، فقد بلغ حجم الدين القائم في ذمة الدول العربية المقترضة حوالي 156 مليار دولار عام 2000 (التقرير الاقتصادي العربي الموحد, سبتمبر/أيلول 2001).

وأدى انفجار أزمة الديون على صعيد دولي إلى تفاقم حدة هذه المديونية في بداية الثمانينيات, ووجد صندوق النقد الدولي مبررا أساسيا للتدخل بشراسة في الشؤون الداخلية للعديد من البلدان المدينة ذات الأوضاع الحرجة, ومن بينها بعض الدول العربية. فاستجابت تلك الدول الواحدة تلو الأخرى لنصائح صندوق النقد الدولي وتوجيهاته وسعت لتطبيق سياساته بكل إخلاص وأمانة.

الاستدانة.. الأسباب الخاصة


أزمة المديونية للدول العربية هي أزمة بنيوية خطيرة وعميقة نابعة من عدم ملاءمة السياسات الاقتصادية المتبعة في الواقع الاقتصادي العربي مع خصوصيات هذه الدول

لماذا الاستدانة حسب الفكر الاقتصادي؟ تعتبر الكتب الاقتصادية المقررة في المناهج التربوية أن الأفراد أو العائلات والمنشآت وكذلك الدول (الحكومات) تستدين للأسباب نفسها، فعندما لا تكفي الموارد المالية المتاحة لتلبية الغايات وعندما تكون تكلفة الدين أقل من الربح المتوقع أو الذي يجنى منه, تنشأ المديونية. غير أننا نعتبر أن هذا التبسيط مخل، ونعتبر كذلك أن مفهوم التكلفة والربح يختلف بالنسبة للعناصر الثلاثة السابق ذكرها. وإذا ما حاولنا التركيز على أسباب استدانة الدول وخصوصا الاقتراض من الخارج فيمكن القول إن الدول تستدين من أجل تمويل العجز في ميزان مدفوعاتها، هذا بصفة عامة. أما بالنسبة للدول العربية فإن هناك عوامل عديدة تضافرت منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي لتأزيم وضع الديون وتفاقمها وانفجارها في السنوات الأخيرة في معظم الدول ذات الأوضاع الحرجة أصلا. ومن أهم تلك الأسباب:

أولاً: الأسباب الداخلية
1- الميل إلى الاستثمار من أجل التنمية
ويتطلب كثافة رأس مالية وتكنولوجيا متقدمة وهو ما تفتقر إليه تلك الدول, مما اضطرها إلى الاقتراض الخارجي لشراء الآلات والمعدات والتعاقد مع الخبراء الأجانب وشراء براءات الاختراع وحقوق الصنع.

2- سوء توظيف القروض
لقد كانت المبالغة الملحوظة في اللجوء إلى الاقتراض الخارجي هي سمة السبعينيات وذلك على أمل السداد من مشروعات طموحة تم الاقتراض من أجلها, لكن سوء التخطيط وتغير السياسات الاقتصادية وتخبطها من فلسفة اشتراكية إلى ليبرالية ومن ليبرالية إلى اشتراكية أدى إلى فشل الكثير من المشروعات. وقد اقترنت عملية الاقتراض في العديد من الأحيان بزيادة كبيرة في الاستهلاك الترفي وفساد الحكومات التي تقترض كثيرا للرفع من مستوى معيشة شعوبها بشكل مصطنع كرشوة لشراء ولاء الشعب وسكوته.

فإذا ما قمنا بمقارنة بين توظيف الأموال الأجنبية في الدول الرأسمالية وبين توظيفها في الدول العربية سنلاحظ أن الأولى ركزت على استيراد المواد الخام الأولية ذات الأسعار المنخفضة اللازمة للتنمية الصناعية وأخذت بتصدير السلع ذات الأسعار المرتفعة, لتنتقل في مرحلة لاحقة إلى تصدير رأس المال الأجنبي إلى الدول النامية، فقد أدركت أن الدول النامية تعتبر أرضية خصبة لاستثماراتها. أما الدول العربية فقد ركزت على استيراد السلع الاستهلاكية والرأسمالية ذات الأسعار المرتفعة وأخذت بتصدير الكثير من مواردها الطبيعية على شكل مواد خام وبأسعار زهيدة. هذا التخصص في إنتاج المواد الأولية أدى إلى تعريضها إلى آثار الأزمات الاقتصادية التي تعرضت لها أسواق هذه المواد والتناقضات التي شهدتها الأنظمة الاقتصادية.

3- تهريب رؤوس الأموال إلى الخارج
في الوقت الذي كانت فيه سياسة الإقراض على قدم وساق لسد الفجوة التمويلية للمشروعات التنموية, كان الفساد الإداري والمالي والسياسي يعم أجهزة الدولة ومؤسساتها في معظم الدول العربية. وقد نجم عن هذا الفساد نهب جانب كبير من القروض الخارجية وتهريبها إلى الخارج وتم إيداعها في البنوك الأجنبية لحساب أصحاب النفوذ والسلطة ورجال الأعمال القريبين منهم, وأدت هذه الظاهرة إلى تراكم الديون وفشل التنمية.

4- الاهتمام بالصناعة على حساب الزراعة
أدى هذا التوجه إلى تزايد الحاجة إلى الواردات الغذائية وإهمال الزراعة كدعامة هامة لاقتصاديات تلك الدول, والاهتمام بالصناعة التي تتطلب بطبيعتها كثافة رأسمالية تفوق طاقات أغلب الدول العربية –غير النفطية خاصة- مما أدى للجوء إلى الاقتراض الخارجي لتمويل هذه الصناعات.

5- العجز المتزايد في ميزان المدفوعات
أدى العجز المستمر لموازين المدفوعات في معظم الأقطار العربية الناجم عن تزايد الواردات السلعية على حساب الصادرات إلى اختلال تجاري واضح تسبب باللجوء إلى الاقتراض الخارجي وتفاقم المديونية.

ثانياً: الأسباب الخارجية
1- ارتفاع أسعار الفائدة
كان للارتفاع الشديد الذي طرأ على أسعار الفائدة في أسواق المال الدولية دورا حاسما في استفحال أزمة المديونية, إذ تجاوزت في العديد من البلدان الفوائد الزائدة المدفوعة قيمة التمويل الإضافي الصافي وتكبدت البلدان المدينة مبالغ متزايدة عبر السنين وأصبح بند خدمة الدين يمثل نصيبا هاما من صافي الديون ويستحوذ على مبالغ كبيرة من النقد الأجنبي.

2- انخفاض الأسعار العالمية للمواد الخام
أدى انخفاض أسعار المواد الأولية المصدرة إلى الأسواق العالمية (كالبترول والمواد الخام الأخرى) إلى تدهور شروط التبادل التجارية للبلدان المصدرة لهذه المواد، مما أدى إلى تفاقم عجز ميزان المدفوعات الذي يزيد من الميل إلى الاستدانة الخارجية.

3- آثار الركود التضخمي السائد في معظم الدول الرأسمالية
نظرا لاندماج معظم الدول النامية -ومنها الدول العربية- في النظام الاقتصادي العالمي وتبعيتها له تجاريا وغذائيا ونقديا وتكنولوجيا فضلا عن التبعية العسكرية والسياسية, فإن ما يحدث في هذا النظام من تقلبات وأزمات يؤثر تلقائيا في الأوضاع الاقتصادية لهذه البلدان.

ومنذ بداية الثمانينيات أفرزت السياسات الانكماشية التي طبقتها معظم الدول الرأسمالية الصناعية حالة من الركود الاقتصادي مصحوبة بالتضخم أصبحت تعرف بالتضخم الركودي الذي أثر كثيرا في الأوضاع المالية وانخفض حجم العملات الأجنبية فيها, في الوقت الذي تزايدت فيه مدفوعات خدمة الدين وتفاقمت صعوبات الاقتراض الخارجي وخاصة بعد انفجار أزمة الديون الخارجية عام 1982.

خلاصة
نخلص مما سبق إلى أن أزمة المديونية للدول العربية هي أزمة بنيوية خطيرة وعميقة نابعة من عدم ملاءمة السياسات الاقتصادية المتبعة في الواقع الاقتصادي العربي مع خصوصيات هذه الدول. وهي حقيقة أكدتها التقارير الاقتصادية الدولية والدراسات القطرية الخاصة بتحليل أوضاع هذه الدول.

فالتوجهات الاقتصادية لأي أمة من الأمم يجب أن تكون نابعة من التوجهات الكبرى لمنهجها الحضاري وأن تستمد منهجها الاقتصادي من خصوصيات الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يخصها.

إضافة إلى هذا السبب المركزي تضافرت عوامل داخلية وأخرى خارجية عملت على تفاقم الأزمة، فعلى المستوى الداخلي أدى سوء توظيف الأموال المقترضة وتهريبها والاهتمام بالصناعة على حساب الزراعة إضافة إلى العجز المستمر في ميزان المدفوعات إلى تفاقم الأزمة.

أما على المستوى الخارجي فتتمثل أهم أسباب المديونية في ارتفاع سعر الفائدة في الأسواق المالية الدولية وانخفاض أسعار المواد الأولية التي تعتبر أهم صادرات الدول النامية عموما -ومنها الدول العربية- إضافة إلى التضخم الركودي.

غير أنه يجب أن نشير إلى أن أزمة الديون الخارجية يجب ألا نحصرها ونفسرها بأنها مجرد مشكلة سيولة دولية, فهي ذات علاقة وثيقة بصميم الهيكل الاقتصادي والاجتماعي السائد في تلك البلدان.

فهل تستغل هذه الأموال المقترضة في تمويل الاستهلاك التجاري أم الاستثمار؟ وما معايير الاستفادة من القروض الخارجية؟ وهل يمكن أن تسهم في تحقيق التمويل الذاتي في المستقبل؟

وفي الأخير إذا ظلت الدول العربية تقترض لشراء السلع الاستهلاكية الضرورية والإنفاق على شراء الأسلحة التي يبدو أنها في الأزمات والتحديات الكبرى لا تفتك بالعدو ولا تشكل حتى رادعا له -وما الأحداث الأخيرة في فلسطين عنا ببعيد- فإن الدول العربية ستظل في حاجة إلى الاستدانة الخارجية.

________________
* باحث اقتصادي
المصادر:
1- محمد النوري، "الأزمة الاقتصادية والحل الإسلامي"، الإنسان, مجلة فكرية تحليلية, العدد السابع, السنة الثانية, باريس 1992.
2- محمد مرحوم حسني، "ترشيد الفهم العربي لنقل التكنولوجيا"، المستقبل العربي, 74, أبريل 1985.
3- رمزي زكي، "الموقف الراهن للجدوى من ظاهرة التضخم الركودي ومدى ملاءمته لتفسير الضغوط التضخمية"، مناقشات وبحوث, الكويت, ط1, 1986.
4- التقرير الاقتصادي العربي الموحد, سبتمبر/أيلول 2001.
5- Berthélemy J.C et Vourc’h A. « Allégement de la dette et la
Croissance » OCDE, 1994.
6- Dembinsk P.H « l’Endettement international » PUF.1989.
7- Duprat M. H. « la Dette latino-américaine : Quelle politique pour Quelle crise ? » Masson 1991.
8- OCDE « Financement et dette extérieure des pays en voie de
Développement » Etude 1991, Paris.