أهالي ضحايا عرب يرفعون صور قتلاهم

*بقلم/ د. عبد الستار قاسم

تمر الحكومة الإسرائيلية بنوع من عدم الاستقرار يؤدي إلى تبكير موعد الانتخابات مما يؤدي إلى تقلب في البرامج المختلفة في إسرائيل، لم تصمد حكومة شارون كثيرا وقبل ذلك انهار باراك كرئيس للوزراء وانهارت حكومة نتنياهو، وقبل ذلك كان اغتيال رابين، إنه تقلب سريع وأظنه سيستمر لفترة لا بأس بها من الزمن. فهذا تقلب لم يأت من فراغ ولا يحصل في فراغ أو دون أسباب، إسرائيل اليوم ليست إسرائيل الأمس، إنها تشهد على مدى سنين خلت متغيرات متنوعة وتتأثر بعدد من العوامل الخارجية الإقليمية منها والعالمية، وستبقى تعاني من المتغيرات والمؤثرات لسنين قادمة، وربما تفقد معها البوصلة التي تهتدي بها نحو الاستقرار.

تعاقب المراحل السياسية
السلام مع العرب
مبادئ عامة لصناعة السلام: موافقات ومفارقات
العرب في انتظار الانتخابات
الخلاصة

تعاقب المراحل السياسية


مع فتور مرحلتي الحشد والاستنفار وتوجه العرب نحو السلام مع إسرائيل أو البحث عن حل سلمي معها، تراجعت ظاهرة الأبطال أو القادة الملهمين
يؤثر تعاقب المراحل السياسية على الحياة العامة للناس في أي دولة كانت، وكذلك على أوضاعهم النفسية واهتماماتهم ورموزهم وطبيعة خطاباتهم ونقاشاتهم المختلفة. مرحلة الثورة مثلا تؤثر على أنماط معيشة الناس وأساليب تناولهم لمشاكلهم ووسائل الإنتاج وسلوكيات الاستهلاك... إلخ. وهي تفرز رموزا معروفة بأعمالها المتميزة في مواجهة العدو، ولها تعريفها الخاص للبطولة وما يواكبها من أعمال. وهي مرحلة تختلف بالتأكيد عن مرحلة استقرار حيث لا أعداء ولا مثالب خارجية ولا شظف في العيش. هذه مرحلة لها خصائصها وميزاتها وهمومها.

بالنسبة لإسرائيل، انتهت مرحلة التأسيس وانتقلت إلى مرحلة "تأديب العدو" ثم مرحلة اللاسلم واللاحرب، ثم مرحلة السلم واللاحرب القائمة حاليا. تطلبت مرحلة التأسيس الحشد والتضحية وأفرزت بالتالي قادة كبارا كانوا قادرين على جمع الكلمة والإقناع والتوحيد.

بطبيعتها تفرز هذه المرحلة، بغض النظر عن الشعب أو المجتمع الذي يمر بها، رموزا يحتذى بها بسبب إقدامها وصبرها وتحملها للأذى والمعاناة وتقديمها لمختلف أنواع التضحيات. وهي تشبه إلى حد كبير مرحلة التحديات العظمى مثل تحدي عدو خارجي يهدد الوجود أو تفسخ اجتماعي يؤدي إلى اقتتال داخلي أو تدهور اقتصادي ينتهي إلى فقر مدقع وانحلال عام. هذه مرحلة تفرز قادة عظماء يمكن أن يوحدوا الناس ويقودوهم نحو الخلاص. وهم بتضحياتهم وقدراتهم القيادية يشكلون بؤرة استقطاب جماهيرية يتم التسليم لها حتى لو غابت المؤسسات الدستورية. مثل هؤلاء يعتمدون على ثقة الجماهير بهم المستندة على سجل تاريخي حافل بالعطاء وعلى الصفة الإلهامية التي اكتسبوها من خلال العطاء.

مع فتور مرحلتي الحشد والاستنفار وتوجه العرب نحو السلام مع إسرائيل أو البحث عن حل سلمي معها، تراجعت ظاهرة الأبطال أو القادة الملهمين، شأن إسرائيل في ذلك شأن الدول الأخرى. ففي فيتنام مثلا لن يظهر الآن رجل مهما كان عظيما يوازي في تاريخيته وقدرته على حشد الجماهير وكسب الثقة مثل هوشي منه. وكذلك الأمر في الصين التي ما زالت تُعرف بماوتسي تونغ، وفي يوغسلافيا تيتو، ومصر عبد الناصر، والجزائر بن بيلا. ما إن تبدأ مرحلة جديدة حتى تتكيف مقومات القيادة مع متطلباتها والتي هي بالتأكيد مختلفة عن متطلبات المرحلة السابقة.

أتاحت مرحلة فتور التحديات أمام الإسرائيليين فرصة التحول إلى نمط استهلاكي وما يتبعه من تكيفات اجتماعية واقتصادية، وإلى نمط استرخاء نفسي ومادي مختلف عن مرحلة التوتر العالي والخوف من الخطر الخارجي. وفي هذا بدأت إسرائيل مرحلة تحول تتسم بزعزعة أنماط سلوكية شبه عسكرية إلى أنماط أخرى متناسبة مع تطلعات رأسمالية ومجتمع مرفه. وحيث إن مرحلة الصراع العربي الإسرائيلي لم تنته بعد، وقعت إسرائيل أفرادا وجماعات وقيادات في مأزق تجاذب ما بين المرحلة الفتورية التي تبلورت ومرحلة التحدي التي ما زال شبحها قائما.

حالة التجاذب المتعاكس هذه تشبه إلى حد كبير حالة عدم الاستقرار التي تعاني منها عدد من الدول في انتقالها من حالة التخلف نحو حالة من الرقي. إنها حالة تتميز بضعف في الوضوح وضبابية في الأهداف وحيرة في الوسائل. ولهذا من الصعب أن تظهر قيادات تاريخية قادرة على حشد الناس واستنفارهم حسب بوصلة واضحة الاتجاه. عدد من دول العالم الثالث أفرزت قيادات تاريخية في مرحلة التحرر، لكنها تاهت في التخبطات السياسية والأخلاقية في مرحلة الاستقلال وعجزت عن تحقيق الاندفاع الذي يشكل البيئة الخصبة لبروز قيادات والتفاف الجماهير حولها.

السلام مع العرب


السلام بالنسبة للإسرائيليين لا يحمل تعريفا واحدا لدى مختلف الأحزاب، وحتى إن أعضاء الحزب الواحد مختلفون في تعريفاتهم
من ناحية أخرى، أثارت مسألة السلام مع بعض الحكومات العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية مشكلة عدم وجود رؤية واضحة أو موحدة حول السلام المنشود. كانت مسألة إقامة الدولة واضحة تماما لدى الجميع وواضحة الوسائل والآليات، وكذلك بالنسبة لمواجهة التحديات الخارجية، وبالتالي لم يكن من الصعب تكتل أغلبية حاسمة لصالح حزب معين أو قائد واحد. لكن السلام بالنسبة للإسرائيليين لا يحمل تعريفا واحدا لدى مختلف الأحزاب، وحتى إن أعضاء الحزب الواحد مختلفون في تعريفاتهم. معسكر اليمين منقسم على ذاته، وفي داخله معسكرات متعددة الرؤى والطروحات، وكذلك بالنسبة لمعسكر القوميين العلمانيين "واليساريين". لم تقم إسرائيل على فكرة السلام ولا توجد آراء إسرائيلية متجذرة حول السلام، وهذا على نقيض الرؤى الحربية والفلسفات العسكرية. ولهذا وقع الإسرائيليون في حالة من الفوضى السياسية منذ بدأت عملية السلام تأخذ منحى جديا بعد حرب الخليج الثانية. حتى إن المحلل السياسي يتوقع مسبقا أن التكتلات السياسية التي تتبلور لا تدوم طويلا، وهي في الغالب عبارة عن تحالفات ضد الغير وليس قناعة بالحليف. أي أن التحالف اليساري القومي يتطور كنوع من الدفاع ضد اليمين وليس لأن المتحالفين مقتنعون بتوحدهم حول رؤية معينة.

أسهم السلام المتحقق أيضا في عملية التردد السياسي في اتخاذ القرار وفي تعثر رسم سياسة سلمية واضحة، فعلى الرغم من أن اتفاقيات السلام قد تم توقيعها مع كل من مصر والأردن إلا أن السلام بقي إلى حد بعيد بين حكومات. ترفض الشعوب العربية حتى الآن السلام مع إسرائيل وليس من المتوقع أن تقبله مستقبلا، خاصة في غياب الغشاوة الإعلامية التي كانت تفرضها الحكومات على شعوبها. إسرائيل لا تسعى إلى عمل سلام مع حكومات وإنما مع شعوب لكي تسارع في عملية التطبيع وقبول إسرائيل كجزء لا يتجزأ من المنطقة. فضلا عن أن إسرائيل ترى غياب مؤسسة الحكم الحديث عن الوطن العربي وما يعنيه ذلك من عدم استقرار الحكومات العربية وبالتالي عدم استقرار أي اتفاقية سلام تتم معها. من جهة، لا تستطيع إسرائيل أن ترفض يد السلام التي تمدها بعض الحكومات العربية، ومن جهة ثانية لا تستطيع الاعتماد على هذه اليد. وفي مثل هذا الوضع، لا تستطيع حكومة إسرائيلية أو رئيس وزراء أن يتقدم ببرنامج سلام واضح أو أن يطبقه دون تردد وتراجعات.

مبادئ عامة لصناعة السلام: موافقات ومفارقات


الليكود والعمل متفقان على بقاء الأرض المحتلة ضمن قدرة إسرائيل على التصرف بها وعليها في الوقت الذي تراه مناسبا

في تعرفنا على مواقف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أو رؤساء الوزراء المتعاقبين، من المهم أن ننظر إلى مجموعة من المواقف التي يتفق عليها القطبان السياسيان الكبيران وإلى تلك التي يتفارقان فيها، ننظر أولا إلى الخطوط العريضة والتي يمكن تلخيصها كما يلي:

  1. إسرائيل لا تريد حكم الفلسطينيين ومن سياستها ومنذ الاحتلال عام 1967 البحث عن عربي يأخذ على عاتقه حكما ذاتيا يريح إسرائيل من همّين كبيرين وهما الظهور أمام العالم كدولة محتلة وإدارة شؤون السكان اليومية. أيد الليكود والعمل إقامة حكم ذاتي فلسطيني منذ زمن طويل وسعيا نحو إقامته بوسائل مختلفة، والمرشحان الحاليان يؤيدان استمراره واستمرار السلطة الفلسطينية.
  2. الحكم الذاتي يخلو من السيادة الحقيقية ويجب ألا يوجد جيش عربي غرب نهر الأردن، أي أن الحكم الذاتي للناس وأي تصرف بالأرض من قبل القائمين عليه يجب أن يكون بموجب صلاحيات ممنوحة وليس أصلية، بمعنى أن الليكود والعمل متفقان على بقاء الأرض ضمن قدرة إسرائيل على التصرف بها وعليها في الوقت الذي تراه مناسبا.
  3. بناء عليه لا يوافق أي من الحزبين الكبيرين أو المرشحين لرئاسة الوزراء على إقامة دولة فلسطينية حقيقية، وإنما بإمكان أهل الحكم الذاتي إقامة كيان يسمونه دولة، إنهما لا يمانعان التسمية وإنما يمانعان الدولة الفعلية.
  4. إقامة الكيان الفلسطيني والمحافظة عليه مرتبطان بالمصالح الأمنية الإسرائيلية، على الفلسطينيين أن يحرصوا على أمن إسرائيل وأن يحاربوا ما يسمى بالإرهاب ويلاحقوا كل فلسطيني يحاول أن يمس بأمن إسرائيل من قريب أو بعيد، أي على الفلسطينيين أن يعملوا حراسا لبني إسرائيل شأنهم في ذلك شأن أي عربي يريد إقامة سلام.
  5. الإبقاء على القدس موحدة تحت سيادة إسرائيل والاحتفاظ بمناطق في غور الأردن واللطرون وشرق الخليل ومناطق ذات استيطان كثيف مثل منطقتي قلقيلية وعصيون (المنطقة بين مدينتي بيت لحم والخليل).
  6. عدم السماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم والاستعداد للمساهمة في عملية توطين وتعويض في البلاد العربية.
  7. لا حدودا حرة للكيان الفلسطيني مع أي دولة عربية ولا تنقل من الكيان إلى العالم الخارجي وبالعكس دون إشراف إسرائيلي أو دولي يلبي الشروط الإسرائيلية.
  8. عدم تسليم سوريا كامل الأراضي المحتلة عام 1967.
  9. في كل الأحوال وتحت مختلف الظروف وصنوف الاتفاقات تبقى متطلبات إسرائيل الأمنية ذات أولوية على كل طرف عربي أن يتمسك بها ويحترمها إذا شاء أن تستمر أوضاع السلام. الأمن بالنسبة لإسرائيل فوق الخلافات السياسية ويتعدى الأحزاب والانتخابات والحكومات مهما كان شكلها وتركيباتها والتحالفات التي تميزها. الجيش وقوى الأمن المختلفة تحدد متطلبات إسرائيل الأمنية وعلى الحكومة أن تعمل على تلبيتها، وبدورها لا تتهاون الحكومة في صنعها لأي نوع من السلام مع العرب في شروطها الأمنية.


على من يريد صلحا مع إسرائيل ضمن منطق الحلول الوسط الذي يتضمن تنازلا عن حقوق أن يأمل بفوز العمل. وعلى من يريد تحرير فلسطين واستعادة كامل الحقوق العربية أن يجلس أمام شاشة التلفاز متسليا بمجريات الانتخابات الإسرائيلية إن رأى ذلك مسليا. وعموما فإن طروحات حزب العمل لا تلبي تطلعات الفلسطينيين الباحثين عن سلام مع إسرائيل

أما إذا أردنا الخوض في التفاصيل، وهذا ما يريده إجمالا المؤيدون للمفاوضات مع إسرائيل نلحظ فروقات تبدو كبيرة أحيانا. وهنا ألمس على أهم هذه الفروقات:

  • لدى العمل واليسار عموما الاستعداد أن يمنح الكيان الفلسطيني صلاحيات على مساحات من الأرض أكثر اتساعا من المساحات التي يمنحها الليكود. تناقلت وسائل الإعلام أخبارا عن إمكانية إعطاء الكيان الفلسطيني حوالي 95% من مساحة الضفة الغربية مخصوما منها مساحة القدس، وهذه إمكانية بعيدة جدا عن طرح الليكود وشارون. بالطبع لم نسمع تفصيلات حول وضع هذه النسبة من الأراضي وكيفية تفصيلها ووضعية كل تصنيف إذا تم تصنيفها. وبالرغم من عدم الوضوح في طرح حزب العمل إلا أنه ليس من المتوقع أن يقترب الطرح الليكودي من هذه النسبة.
  • يسمح العمل بنوع هش من الاتصال الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية. أي ذلك النوع الذي لا يضع عراقيل أمام تحرك الجيش الإسرائيلي إذا أراد السيطرة على مفارق الطرق وعزل الأماكن السكنية بعضها عن بعض. وهذا ما يجعل فكرة الانسحاب من حوالي 95% من الضفة الغربية مضللا إلى حد كبير. أما الليكود فغير واضح في طروحاته بعد على الرغم من وجود أفكار عامة تشير على أنه مستعد لتسليم السلطة الفلسطينية ما يتراوح بين 40% و50% من الضفة.
  • يريد الليكود أن يحتفظ بشريط واسع في غور الأردن قد يتراوح عمقه عشرين كيلومترا، لقد سبق لحزب الليكود أن طرح فكرة الاحتفاظ بكل الأغوار، أي من نابلس شرقا حتى نهر الأردن، وكذلك من ناحيتي بيت لحم ورام الله مع عدم الاحتفاظ بتلك القرى التي تحد المدن الرئيسية من الشرق. هذه مساحة كبيرة نسبيا وتشكل حوالي 30% من مساحة الضفة الغربية. أما بالنسبة للعمل فإن لديه الاستعداد لتسليم الأغوار للسلطة مع الاحتفاظ بشريط ضيق على طول نهر الأردن يتراوح عمقه الأقصى ثلاثة كيلومترات. وهو شريط يهدف إلى الاطمئنان إلى بقاء ضفتي الأردن مفصولتين وإبقاء الحدود تحت إشراف إسرائيلي مباشر.
  • لدى العمل الاستعداد لإخلاء عدد من المستوطنات قد يصل إلى ستين مستوطنة، لكنه لا يوافق على إخلاء جميع المستوطنات. يرى العمل أن بعض المستوطنات المعزولة وصغيرة الحجم تشكل عبئا أمنيا وماديا على إسرائيل ولا تشكل في الوقت نفسه مصلحة إستراتيجية تبرر الاحتفاظ بها. إنه لا يرى في الانتشار الاستيطاني مصلحة إسرائيلية ويفضل البقاء فقط في المواقع الاستيطانية الحيوية التي تشكل تجمعات يسهل استيعابها ضمن شبكة الطرق والمواصلات والدفاع عنها دون ثمن باهظ، إنه يريد الاحتفاظ بالأطواق الاستيطانية حول القدس وبالاستيطان الذي يحافظ على ما يدعيه من حق اليهود في الحرم الإبراهيمي في الخليل، وبالتجمعات الاستيطانية في مناطق اللطرون (جنوب غرب رام الله) وقلقيلية حتى مشارف نابلس وعصيون التي تقطع الطريق بين بيت لحم والخليل.
    أما بالنسبة لليكود فقد تم الإعلان عن نيته عدم إخلاء أي مستوطنة واستمراره في زيادة أعداد المستوطنين في الأرض المحتلة عام 1967. وقد أعلن شارون أنه ينوي توسيع المستوطنات دون بناء مستوطنات جديدة. ومن المعروف أن الليكود يقيم نقاطا استيطانية جديدة تبعد عن المستوطنات القائمة كيلومترين أو ثلاثة ويسميها توسيعا لما هو قائم، إنه من المتوقع أن يستخدم الليكود هذا الأسلوب إذا فاز في الانتخابات القادمة وأن يستمر في استيطان قمم الجبال حسب الدعوة التي أطلقها منذ عدة سنوات.
  • من المتوقع أن يعطي العمل السلطة الفلسطينية صلاحيات إدارية في الأحياء العربية في القدس دون أن يعطي سيادة حقيقية، وهناك حديث حول تقاسم السيادة على الأحياء العربية، ومن الممكن أن يكون الأمر شبيها بالمناطق المصنفة "أ" في الضفة الغربية، لقد تبين بعد التجارب المتعددة أن مناطق "أ" ليست إلا مجرد محميات بشرية قابلة للخنق في الوقت الذي تراه إسرائيل مناسبا ووفقا لمتطلباتها الأمنية ومن المحتمل أن يكون الطرح العمالي مجرد ذر رماد في العيون. ومهما يكن فقد فتح العمل في السابق ملف القدس وأخضعه للمناقشة ولديه الاستعداد أن يعطي شيئا.
    يرفض الليكود وضع القدس على طاولة المفاوضات ويصر على تكثيف الاستيطان فيها، وحيث إنه متحالف مع قوى متدينة تؤمن بأن رضا الرب مرتبط بوحدة المدينة المقدسة وغفرانه لن يتحقق إلا بإقامة هيكل سليمان فإنه لن يجازف بهذا التحالف معرضا نفسه للخروج من الحكم. من المتوقع أن تتسارع وتيرة الاستيطان في القدس ووتيرة تحرش اليهود بالسكان العرب إذا فاز الليكود وهدأت الأوضاع في الضفة الغربية.
  • من المتوقع أن يمنح العمل السلطة الفلسطينية حرية حركة تتوسع مع الزمن وأن يعطيها احتراما على الأقل في العلن، لكنه ليس من المتوقع أن يحاول الليكود متعمدا أن يلحق بها بعض الإهانات العلنية وأن يستغل أخطاءها للتشهير بها والتأثير سلبيا على مصداقيتها محليا وعالميا. وحسب التجارب لن ينقص السلطة السلوكيات التي تعينها على ذلك. وقد لوحظ أن العمل أكثر حرصا على التكتم على أعمال الفساد الذي تمارسه السلطة من الليكود والسبب بالتأكيد لا علاقة له بمصلحة الشعب الفلسطيني.
  • يتساهل العمل في عودة بعض اللاجئين الفلسطينيين إلى الضفة الغربية لكن الليكود لن يسمح بذلك.
  • يرفض الليكود الانسحاب من الجولان على اعتبار أنها منطقة إستراتيجية وحيوية بالنسبة لأمن إسرائيل، وسيعمل على زيادة عدد المستوطنين وربما عدد المستوطنات. أما العمل فلديه الاستعداد للانسحاب في الجولان وليس من الجولان، وأعلن مرارا أنه لن ينسحب إلى خطوط الرابع من يونيو/ حزيران 1967. يخشى حزب العمل على منابع نهر الأردن ومياه بحيرة طبريا وليس لديه الاستعداد لوضع حوالي ثلث مصادر إسرائيل المائية بيد سوريا. علما بأنه من المحتمل أن ينسحب حزب العمل حتى الخطوط المذكورة لكن ضمن ترتيب يضمن عدم وضع سوريا يدها على المياه.

ولهذا فإن على من يريد صلحا مع إسرائيل ضمن منطق الحلول الوسط الذي يتضمن تنازلا عن حقوق أن يأمل بفوز العمل. أما من أراد تحرير فلسطين واستعادة كامل الحقوق العربية فإن عليه أن يجلس أمام شاشة التلفاز متسليا بمجريات الانتخابات الإسرائيلية إن رأى ذلك مسليا. وفي كل الأحوال، لا تلبي طروحات حزب العمل تطلعات الفلسطينيين الباحثين عن سلام مع إسرائيل.

أما بالنسبة للسلطة الفلسطينية فإنه من المتوقع أن تعيش أياما صعبة إذا فاز الليكود، أما إذا فاز العمل فستجد نفسها مستمرة في المفاوضات بناء على برنامج كلينتون الذي لم يطرح له مثيل عبر السنين. ستجد السلطة نفسها في نوع من الارتياح ضمن برنامجها من التنازل وضمن ما هو متوقع من رئيس وزراء إسرائيلي. لقد طرح باراك في السابق على السلطة أفكارا لا سابق لها على المستوى الإسرائيلي، ولا شك أنها تشكل عناصر تفاؤل يمكن أن تجعل المهمة التفاوضية مع حزب العمل أقل تعقيدا.

أما على الجبهة الشمالية من بلاد الشام فإنه ليس من المتوقع أن تقبل القيادة السورية بطروحات الليكود. بل من المحتمل أن نشهد تطورات عربية إيجابية على هذه الجبهة والتي تشمل سوريا ولبنان ومن معهما من الفلسطينيين، أي من المتوقع أن يستمر حزب الله في استعادة حقوقه المائية وفرض ثقل عسكري على إسرائيل يجعل ضربه غير سهل عليها.

العرب في انتظار الانتخابات


فشلت قوى الأرض في إرغام إسرائيل على القبول بالحلول السلمية أو العودة إلى طاولة المفاوضات، وجاء متسناع الآن ليرغمها على ذلك إن فاز وإن لم يفز فإن الإستراتيجية لا تتبدل وهي الانتظار حتى الانتخابات القادمة

أذكر تماما عندما جاءني أحد قيادات نابلس عام 1982 شبه ملهوف يزف إلي نبأ تكليفه من قبل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية بتشكيل وفد من المدينة لمقابلة شمعون بيريز الذي كان معارضا لحزب الليكود الحاكم آنذاك. طلب مني أن أنضم إليه على اعتبار أن المقابلة بتكليف وطني ولأغراض وطنية، وأن شمعون بيريز من الراغبين بإقامة سلام مع الفلسطينيين إذا صعد إلى الحكم في الانتخابات الإسرائيلية القادمة، رفضت الانضمام لأسباب مبدئية ولمعرفتي بالطروحات السياسية لمختلف الأحزاب الصهيونية، تشكل الوفد وزار بطل السلام الموعود وصدر ضدهم بيان بعنوان عصابة الأحد عشر، ولما يأت السلام.

جاءت انتخابات إسرائيلية وتلتها انتخابات أخرى، وشعبنا الفلسطيني يرى بعض أبنائه يبنون آمالهم على نتائجها. يراهن هؤلاء البعض على أن الانتخابات ستفرز الحمائم الذين يحبون السلام وتطيح بالصقور الذين يقبلون على الحرب وسفك الدماء. شارك فلسطينيون منذ الثمانينيات في الحملات الانتخابية لصالح حزب العمل ووظفوا أموالا عبر فلسطينيين من داخل فلسطين المحتلة عام 1948 علهم يفوزون بعطف مستقبلي تجاه حل للقضية الفلسطينية. جاء بيريز وذهب، وجاء رابين وباراك وذهبا ولم يتحقق السلام الذي تنشده القيادة الفلسطينية. وفي كل مرة هناك ندب حظ ولطم خدود. المأساة واقعة إن فاز الليكود وقادمة بعد أن يثبت أن حزب العمل ليس على قدر المسؤولية المتوقعة.

البطل الآن هو متسناع الذي يعد بالأيام الجميلة وبأوراق الورد الخميلة. يطلع علينا فلسطينيون منذ اللحظة الأولى بآمال معقودة على رئيس حزب العمل الجديد ويدعون إلى دعمه انتخابيا من أجل أن يحصل السلام على فرصة. وقد بلغ بأحدهم التحدث عن العلاقات الشخصية القائمة بينه وبين متسناع ولكن دون أن ينتبه إلى التطبيع الذي كان من المفروض أن تحاربه أجهزة السلطة الفلسطينية. دب الحماس في أحد وزراء السلطة كثيرا ودعا الشعب الفلسطيني علنا إلى مساندة البطل الجديد لأن المصلحة الوطنية تقتضي ذلك. لقد فشلت قوى الأرض في إرغام إسرائيل على القبول بالحلول السلمية أو العودة إلى طاولة المفاوضات، وجاء متسناع الآن ليرغمها على ذلك، هذا إن فاز بالانتخابات. وإن لم يفز فإن الإستراتيجية واضحة لا تتبدل وهي الانتظار حتى الانتخابات القادمة.

ليس الفلسطينيون وحدهم هم الذين ينتظرون الانتخابات الإسرائيلية وإنما الأنظمة العربية أيضا. تهتم الأنظمة العربية بالانتخابات الإسرائيلية من المنطلق الفلسطيني نفسه والمرتكز على أمل صعود قائد يهودي إلى رئاسة الوزراء يعطي العرب شيئا يحفظ لهم ماء الوجه. هكذا جرت العادة منذ عقود وما زال الأمل قائما بأن يأتي من يحل للعرب مشاكلهم. طرح العرب العديد من المبادرات السلمية واصطدموا دائما بالرفض الإسرائيلي، وعلى الرغم من التنازلات التي قدموها إلا أن الحظ لم يحالفهم حتى الآن في أي رئيس للوزراء. وما دامت الطروحات العربية غير مقبولة فإنه من المهم انتظار المبادرات الإسرائيلية.

يبحث المرء عند العجز عن قوى خارجية تدفع عنه الأذى، وكذلك الأمم عندما تفقد ثقتها بالذات والقدرة على المبادرة. لكن البارز عند بعضنا الفلسطيني والعربي أنهم يلجؤون إلى العدو لحل مشاكل الشعب الفلسطيني التي صنعها هذا العدو. هذا يعكس مدى الضعف العربي في صياغة السلام أو صناعته، وكذلك ضعفهم في ممارسة الحرب. ومن الواضح تاريخيا أن أولئك الذين لا يستطيعون صنع الحرب لا يقوون على صنع السلام وعليهم أن ينتظروا ما سيفعله الغير بهم.

الخلاصة

تبدو آفاق السلام ضيقة جدا بصرف النظر عمن سيفوز بالانتخابات. لا يملك الليكود مشروعا للسلام وإنما مشروعا للتمدد الاستيطاني. أما حزب العمل فهو أجبن من أن يصنع سلاما بسبب تردده السياسي وخلافاته الداخلية. يبدو متسناع الآن أنه قريب من طرح السلطة الفلسطينية، لكنه آخذ في التراجع عن بعض المواقف مع اقتراب الانتخابات. في هذا لا يشذ متسناع عن سابقيه من رؤساء حزب العمل الذين لا يملكون سوى مهادنة الشارع الإسرائيلي. الشارع الإسرائيلي ما زال أكثر تطرفا من بعض قادة حزب العمل.

من ناحية أخرى، لا مفر من أخذ المقاومة الفلسطينية في الحسبان والتي ترى أن إسرائيل لا تقر بالحقوق الفلسطينية إلا بالقوة. إنه من المتوقع أن تستمر أعمال المقاومة الفلسطينية حتى لو فاز حزب العمل بالانتخابات لأنها تنطلق في الغالب من تقديرات ذاتية وليس بناء على ردود فعل تجاه سياسات إسرائيلية. ربما تجد بعض فصائل المقاومة طريقا نحو المهادنة المؤقتة لكن ذلك لن يمنع مواصلة العمل المقاوم. مثل هذا يعقد الأمور أكثر أمام حزب العمل ويحشره في زاوية من الإحراج أمام الأحزاب الإسرائيلية اليمينية وأمام قطاع واسع من الشارع الإسرائيلي.
______________
* - أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح الوطنية بنابلس.