حسام عبد الحميد*

إذا أردنا توصيفا لخصائص الحياة السياسية اليمنية نستطيع القول إنها لوحة تضم العديد من الخصائص والخصوصيات التي تمتد على مساحة طويلة بين الشيء ونقيضه لدرجة أنه لا يمكننا إلا أن نردد ما يقوله اليمنيون أنفسهم "أنت في اليمن" كدلالة على استغراب بعض الأمور وإن كان ذلك لا يعني خروجها عن طور المعقول، لكنها تظل متفقة مع خصوصية الشعب اليمني. ولا تعني هذه الخصوصية انعزال المجتمع اليمني بخصائصه السياسية عن بقية المجتمعات العربية، ولكنه يتقاسم معها كثيراً من أعراض وأمراض الحياة السياسية العربية مع انفراده ببعض الخصوصيات التي تحكم الحياة السياسية اليمنية.

وإذا كان من الصعب الإلمام بخصوصية الحياة السياسية اليمنية على امتداد تاريخ اليمن الطويل منذ عصور ما قبل الإسلام وحتى اليوم، فإنه يجدر الإشارة إلى هذه الخصائص منذ توحيد اليمن عام 1990م بعدما دخل طورا جديداً في الحياة السياسية يقوم لأول مرة في تاريخه على التعددية السياسية واعتماد الديمقراطية في إطار تفاعلي بين العروبة والإسلام وتمازج واضح بعادات وتقاليد هذا الشعب وبصورة لا تنفصل أيضا عن المظاهر السلبية التي يعاني منها المجتمع كالفقر والأمية والمرض.

فالحياة السياسية محكومة بكل هذه المعطيات التي يتداخل فيها القديم مع الجديد والأصالة مع المعاصرة والقبيلة مع الدولة لتنتج مجتمعا سياسياً تفرّد ببعض الخصوصيات.

قواسم مشتركة
كانت اليمن واحدة من الدول العربية التي أصابتها رياح الديمقراطية والتغيير استجابة للمتطلبات المحلية والدولية فسعت كغيرها من الدول من مثل مصر والأردن والجزائر وتونس وموريتانيا إلى الأخذ بالتعددية السياسية إلا أن هذه التعددية لم تحدث تأثيرا كبيراً في جوهر تداول السلطة وأسلوب ممارسة الحكم. فقد صدرت كثير من التشريعات والقوانين فرضت قيوداً وضوابط أدت إلى إضعاف العملية الديمقراطية والتعددية السياسية.

كذلك ظل النظام الحزبي في اليمن كغيرها من الدول العربية يتسم بهيمنة الحزب الحاكم بشكل تتداخل فيه الدولة مع الحزب والحزب مع الدولة، وفي مقابل ذلك فإن أحزاب المعارضة تعاني من الضعف وأحيانا التناحر فيما بينها.

كذلك غالبا ما تكون العملية الانتخابية عرضة للاتهامات بالتلاعب والتزوير والتدخل من قبل الدولة بأجهزتها ومؤسساتها وهذه الاتهامات غالبا ما تقلل من مصداقية الانتخابات ونتائجها.

وفيما يخص الفصل بين السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) فإن النص الدستوري وإن كان يؤكد على ذلك إلا أن سيطرة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية والقضائية تبدو واضحة من خلال استجابة السلطة التشريعية لعدد من القوانين التي تطلبها السلطة التنفيذية فيما يخص الحريات والحقوق العامة وغيرها من المجالات، ويبدو ذلك أيضاً واضحاً بالنسبة للسلطة القضائية التي قد تفقد استقلاليتها في بعض القضايا أو يتم توجيه أحكامها وجهة معينة.

كذلك غالبا ما تستخدم التعددية السياسية كوسيلة للتنفيس السياسي سواء في اليمن أو غيرها من الدول.

وتعاني الحياة السياسية في إطار ذلك في اليمن كغيرها من الدول العربية من التسلط السياسي ومحدودية التحول الديمقراطي نظراً لوجود العديد من القضايا والإشكاليات كغياب الثقافة السياسية وصعف المبادئ الديمقراطية الأساسية مثل التسامح والقبول بالآخر والمشاركة السياسية والثقافية واحترام الرأي والرأي الآخر.

يلاحظ أيضا ضعف القوى الحزبية وفقدانها الثقة في العملية الديمقراطية وافتقار بعضها للممارسة الديمقراطية داخل هياكلها التنظيمية وتدني قيم الديمقراطية لدى قطاعات عريضة من الشعوب العربية وافتقار بعض الأحزاب للقاعدة الجماهيرية وعجزها عن تجديد مناهجها الفكرية وخطابها السياسي وهيمنة شخصيات قيادية بعينها على مقدرات الأحزاب وجحود هذه القيادات وتمسكها بمناصبها القيادية وتأجيل المؤتمرات العامة بدعوى الظروف المحلية وحتى العالمية. يلاحظ أيضاً أن عملية التحول الديمقراطي في اليمن وغيرها من الدول العربية لم تشهد تحولاً حقيقياً ديمقراطياً على غرار ما حدث في كثير من الدول التي اعتمدت الديمقراطية نهجاً سياسياً حديثاً وأن كل ما تحقق في هذه الديمقراطية هو انفتاح سياسي أوجد هامشا من الحرية في الرأي والتعبير وتشكيل الأحزاب السياسية.

خصوصية يمنية
على الرغم من اشتراك اليمن في كل الخصائص السياسية التي ذكرناها آنفا فإن الحياة السياسية تتميز بطابع خاص وفقاً لمقومات هذا المجتمع القادم من عمق التاريخ.

فمنذ عام 1990 وبعد أن تم إقرار التعددية السياسية اندفعت القوى والتيارات السياسية اليمنية تتكشل، وتم التصريح لأكثر من 40 حزبا إلا أن الممارسة السياسية أفرزت نحو عشرة أحزاب لديها القدرة على العيش السياسي، في حين أفرزت صناديق الانتخابات نحو نصف العدد فقط هو القادر على المنافسة السياسية مع وجود درجات متفاوتة من هذه القدرة.

ولعل ذلك كان مرتبطاً بالفترة الانتقالية (90-1993) حيث شهدت عملية تفريخ لأحزاب صغيرة استخدمها الحزبان الحاكمان آنذاك (المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني) في مواجهة بعضهما.

وفي إطار الخصوصية أيضا، سمحت اليمن بتشكيل الأحزاب ضمن شروط لا تستبعد أيا من التيارات السياسية وبالذات الأحزاب الإسلامية، متجاوزة بذلك الحساسية الموجودة في الدول العربية تجاه هذه الأحزاب التي تعاني "الفيتو" أو حجب الشرعية في بعض الدول العربية الأخرى.

تميزت الحياة السياسية اليمنية كذلك بإمكانية التحالف بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة في حكم البلاد، وهي ميزة لا تتوفر إلا لدولتين أو ثلاث فقط، فقد قدم اليمن تجربة الحكومة الوطنية بعد انتخابات 93 إلا أنها لم تصمد بعد انتخابات 97 حيث انسحب التجمع اليمني للإصلاح إلى صفوف المعارضة كما كان في الفترة الانتقالية.

وتعاني الأحزاب اليمنية بشكل خاص من حالة الاستقطاب التي يمارسها الحزب الحاكم ضد بعض أحزاب المعارضة في محاولة لتقويض قاعدتها الجماهيرية وإحداث هزة في صفوفها وحرمانها من بعض القيادات الفاعلة من خلال الترغيب والإغراء لهذه القيادات بالانضمام للحزب.

كذلك لا يزال الوعي السياسي لدى غالبية الجماهيرية اليمنية ضعيفا إلى حد كبير وقد تكون الأمية الأبجدية هي السبب الرئيس في ذلك تدعمها أيضاً الأمية الثقافية بالعمل الحزبي وضروراته وعدم إلمام الأغلبية بالحقوق والواجبات، فضلاً عن أن التربية الشمولية في شطري اليمن قبل الوحدة أوجدت موروثا ثقافياً من الخوف تجاه الانفتاح وممارسة الحقوق السياسية.

كما تتميز الحياة السياسية اليمنية بغلبة مؤسسة القبيلة وسطوتها على الجماهير، فالولاء القبلي هو أول وأهم محدد لخيارات الفرد السياسية بغض النظر عن برنامج هذا الحزب أو ذاك.

وفي هذا الإطار أيضاً تتداخل مؤسسة القبيلة مع مؤسسة الدولة وأحياناً تتنازل الأخيرة لصالح الأولى عند الاحتكام في القضايا السياسية، ولعل أبرز دليل على ذلك محاولة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق حسن مكي على يد أتباع أحد المشايخ وتم حل القضية بشكل قبلي وذبح 7 ثيران، حسبما تقضي الأعراف القبلية.

وتلعب القبيلة دورا واضحا في حل مشكلة اختطاف الأجانب، صحيح أن معظم حالات الاختطاف تمت على خلفيات اقتصادية وتنموية إلا أنها في الوقت نفسه تمس هيبة وسيادة الدولة وبالتالي تصبح قضية سياسية إلا أن هذه القضايا يتم حل أغلبها عن طريق مشايخ القبائل الذين لعبوا دور الوسيط في هذه القضايا.

كذلك تتميز الحياة السياسية اليمنية منذ الوحدة عام 90 وحتى اليوم بوجود صمامي أمان هما الرئيس علي عبد الله صالح والشيخ عبد الله الأحمر اللذان يمثلان المرجعية الأخيرة في حل كثير من المعضلات التي تصل إلى حد الأزمات بين الحزبين الرئيسين (المؤتمر والإصلاح) إذا ما استثنينا ما حدث بعد انتخابات 93 وما تلاها من حرب عام 94 التي انتهت إلى شبه إبعاد للحزب الاشتراكي من الحياة السياسية والذي بدأ مع هذه الانتخابات يستعيد عافيته ويشارك في الحياة السياسية.

وفي إطار الخصوصية أيضاً ولكون الشعب اليمني شعبا مسلحاً فغالبا ما تصاحب العملية الانتخابية من صدامات مسلحة حتى التظاهرات السياسية، ولعل تظاهرة تأييد العراق الأخيرة قبل عدة أسابيع خير شاهد على ذلك، حيث راح ضحيتها طفل لا يتجاوز 11 عاما.

صحيح أن هذه الظاهرة قد توجد حتى من أكثر الدول العربية مدنية إلا أن وجود السلاح غالبا ما يشجع على الصدام.

ويبدو أن هناك تخوفا من وقوع أعمال شغب مسلح في هذه الانتخابات مما جعل المسؤولين اليمنيين وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية يدعون إلى اقتراع هادئ، فضلاً عما اتخذته اللجنة الأمنية من احتياطات للحيلولة دون وقوع تلك الأعمال يوم الانتخابات والذي سموه "يوما بلا سلاح".

وتتميز الحياة السياسية في اليمن كذلك فيما يتعلق بالانتخابات بتوفير آلية خاصة بهذه العملية تسمى "اللجنة العليا للانتخابات" وهي التي تتكفل بالإشراف على العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها، وهي لجنة مشكلة من مختلف الأحزاب وتشكل ضمانة -إلى حد ما- أفضل مما توفره وزارات الداخلية في كثير من الدول العربية.

ويلعب المال دورا ملحوظاً في الحياة السياسية اليمنية بسبب الأوضاع الاقتصادية المتأزمة في مجتمع لا يزيد متوسط دخل الفرد فيه عن 400 دولار سنويا، وبالتالي فإن هذه الأوضاع تغري الأحزاب على استخدام أسلوب شراء الأصوات واستمالة الناخبين وهذا يؤثر على عملية التطور الديمقراطي ويجعل الانتماء الحزبي وسيلة للبحث عن وظيفة أو مصلحة مادية، مما يصبغ العملية السياسية بالانتهازية والمصلحة الشخصية.

أخيرا فإن هذه الخصوصيات للحياة السياسية اليمنية ليست بالضرورة شيئا سيئا كما أنها ليست بالضرورة شيئا إيجابيا ويظل التواصل والحوار بين حزب السلطة (المؤتمر الشعبي العام) مع بقية الأحزاب المعارضة أبرز مميزات الحياة السياسية اليمنية عن بقية الدول الأخرى، وكان لهذا الدور -ولا يزال- الأثر الواضح في نزع فتيل أي أزمة حزبية وتخفيف الاحتقان وإحداث الحراك السياسي وضمان التوافق المشترك في القضايا الأساسية للديمقراطية والمجتمع.
______________
الجزيرة نت.