* بقلم: د. إمريك شوبراد

من المستفيد؟
المحور الأميركي الإسرائيلي

يعيش العالم بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، إيقاع حروب أميركا الجديدة على أفغانستان و"الإرهاب الدولي" و"دول الشر" حسب الاصطلاح المفضل لدى الإدارة الأميركية. ومن حيث المسؤولية عنها تم وضع أسامة بن لادن وتنظيمه "القاعدة" في قفص الاتهام. ورغم الجهود الجبارة التي قامت بها أعظم قوة في العالم فإن قضية 11 سبتمبر/ أيلول مازالت لغزا لا حل له. فمن ذا الذي بإمكانه أن يدعي المعرفة القطعية بمن كانوا وراء هذه الهجمات؟

كان زعماء الحروب الماضية بين الدول معروفين وكان العدو مرئيا، لكن الوضع اختلف اليوم تماما، فأميركا تعمل جاهدة من أجل جر العالم وراءها في حرب ضد عدو غير مرئي بدرجة أصبحنا معها نتساءل: هل هذا العدو موجود فعلا؟

من المستفيد من الجريمة؟


عندما لا تترك الجريمة بعد وقوعها دليلا قاطعا على الفاعل فإن تحقيق الشرطة يطرح سؤالا أوليا هو: من المستفيد من الجريمة؟
عندما لا تترك الجريمة بعد وقوعها دليلا قاطعا حول الفاعل فإن تحقيق الشرطة يطرح سؤالا أوليا هو: من المستفيد من الجريمة؟ فلنحاول في البداية أن نفهم من استفاد على المستوى الجيوسياسي من الوضع الدولي المتلاحق من أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، ولنلاحظ بهذا الخصوص عدة تطورات أساسية بالنسبة للتوازنات الإستراتيجية في العالم:

أولا- لقد وضعت أميركا قدمها في أفغانستان -أحد محاور آسيا الوسطى- فأعطت بذلك لنفسها وسائل الإشراف على طرق النفط المستقبلية التي تربط بين بحر قزوين وآسيا الشرقية وخاصة الصين. لقد أصبح تقاسم النفوذ بين الأميركيين والروس أمرا واقعا، فالنمو الاقتصادي للدول الآسيوية الذي يقدر اعتماده اليوم على بترول الشرق الأوسط بحدود 70% (وسيصل اعتمادها بعد عشر سنوات إلى 90%)، لن يمكنه إطلاقا الحصول على نفط آسيا الوسطى الذي يشكل البديل التمويني لنفط الشرق الأوسط إلا في إطار النفوذ الإستراتيجي الأميركي. إن بكين استطاعت في الأشهر القليلة التي سبقت 11 سبتمبر/ أيلول أن تعزز مجموعة شنغهاي وأن تتقرب بذلك من روسيا ومن كثير من دول آسيا الوسطى. وقد أبدت واشنطن في ذلك الوقت استياءها من التقارب الصيني الروسي الذي قد يمنح بكين بديلا غير الشرق الأوسط للتزود من البترول الواقع تحت النفوذ الإستراتيجي الأميركي. ومنذ 11 سبتمبر/ أيلول مسحت أميركا ظلال هذه الصورة، فروسيا اقتربت من أميركا من خلال نزع التسلح الإستراتيجي المشترك والمفاوضات حول حلف الناتو وإمكانية تفاهم مشترك بين روسيا وأميركا حول البترول.

ثانيا- إن أميركا تحضر حربا ضد العراق من أجل إقامة نظام موال لها في بغداد، فالعراق -"الدولة الوقحة" حسب الاصطلاح الأميركي- مرتبط "بالإرهاب الدولي". ولعدم وجود أدلة حول انتشار الأسلحة النووية والكيماوية والجرثومية، فمن المتوقع في الأشهر القادمة أن تربط واشنطن بشكل صريح بين تنظيم القاعدة وصدام حسين، وهذا ما سيبرر هجوما كاسحا ستتعرض له بغداد، وستستعمل فيه دون شك "القنابل النووية الصغرى" من الجيل الجديد. وتمكننا المراهنة فيما يتعلق بالعدو غير المرئي على أن تنظيم القاعدة سيكون مفيدا لواشنطن في إستراتيجيتها ضد العراق، فهل من أحد اليوم يتساءل عن دوافع هجوم أميركا على العراق إلا من منطلق الخطاب الرسمي الأميركي الجاعل من العراق شيطانا؟ لنفترض أن العراق ومن بعده إيران أصبحا منضويين في فلك أميركا.. إن معنى هذا أن أغلب بترول العالم (الخليج، العراق، إيران، بحر قزوين، أميركا) سيصبح تحت النفوذ الإستراتيجي الأميركي، وهذا يعني أن واشنطن ستسيطر على المضخة التي تغذي النمو الاقتصادي للدول البارزة بدءا بالصين، ذلك العملاق الذي تتأكد قوته سنة بعد سنة وسيهدد بعد 20 عاما من الآن الهيمنة الأميركية على العالم.


زيادة الميزانية العسكرية الأميركية على خلفية أحداث سبتمبر ينذر بتدخلات أميركية جديدة وبتقليص هامش حرية الشعوب في العقود القادمة إذا لم يظهر توازن يحد من هذا التقدم العجيب
ثالثا- في الوقت الذي تتكون فيه أوروبا وتحاول أن تتقوى -خاصة أن بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا تدافع عن فكرة "أوروبا قوية" ومستقلة عن الرابط الأطلسي- فإن وضع "الإرهاب الدولي" يقوي وزن الولايات المتحدة على حساب الاتحاد الأوروبي. فالولايات المتحدة كانت خلال الحرب الباردة تصنف حركة عدم الانحياز على أنها حليف موضوعي للسوفيات، وبعد 11 سبتمبر/ أيلول صرح السيد بوش بوضوح أن واشنطن لن تحتمل أي عدم انحياز في الحرب ضد الإرهاب، وهذا يعني أن أي دولة أوروبية لا تسير خلف أميركا سوف تتهم بمساندة الإرهاب الدولي. ولم تبلغ التبعية الأوروبية للسياسة الأميركية مثل هذا الحد باستثناء فرنسا التي تحاول -وبميوعة شديدة من وجهة نظرنا- أن تنأى قليلا عن المجموعة الغربية، فمعظم الدول الأوروبية وعلى رأسها بريطانيا وإيطاليا تبارك الخيارات الأميركية، وها هو الاتحاد الأوروبي يفسح المجال لإسرائيل لخرق القانون الدولي وحقوق الإنسان، ولا نراه يقدم أي ثقل موازن وقوي لالتزام واشنطن الأحادي تجاه الملف الأميركي الإسرائيلي. كيف يتسنى للأوروبيين أن يتركوا لجنة التحقيق حول جرائم جنين تنتحر؟ وكيف يمكنهم أيضا أن يقيموا علاقات دبلوماسية واقتصادية مع دولة تفوق جرائمها عشرات المرات جرائم قادة دول موضوعة تحت الحصار مثل العراق أو يوغسلافيا؟ وكيف يمكن أن تستغرب الدول الأوروبية إذا لم تحظ خطاباتها حول القانون الدولي وحقوق الشعوب وحقوق الإنسان بمصداقية لدى دول الجنوب؟

رابعا- بعد شهرين من هجمات 11 سبتمبر/ أيلول فرض الأميركيون على الروس والأوروبيين مشروعهم حول الدرع المضاد للصواريخ والمتكون من نظام مضاد للصواريخ خاص بالتراب الأميركي (National Missile Defence) وقد أضيفت إليه أنظمة مضادة للصواريخ تدعى "دفاع المسرح" خاصة بحلفاء أميركا الأساسيين مثل إسرائيل وتايوان. إن الجميع يعرف أن هذا المشروع أحدث قطيعة خطيرة داخل توازن الردع النووي، وسيقود إلى زيادة نوعية في السباق نحو التسلح. والصين هي الهدف غير المعلن عنه بالنسبة لهذا المشروع لأنها تمتلك ترسانة غير كافية من الرؤوس النووية لاختراق الدرع الأميركي. فأميركا تشعر بضرورة أن تزيد من قدراتها في التدخل وأن تستفيد من قوتها الضاربة التي لا يعيقها اليوم سوى "قوة الآخرين النووية". وقد تم تقديم الدرع المضاد للصواريخ كما لو كان سلاحا دفاعيا، مع أنه في حقيقة الأمر سلاح سيزيد القدرات الهجومية للولايات المتحدة وسيقوي شعورها بالإفلات من العقاب. إن هذا الشعور بالإفلات من العقاب هو ما نشاهده اليوم عندما تحاول الولايات المتحدة أن تستثني نفسها من إمكانية مقاضاتها أمام المحكمة الدولية لجرائم الحرب.

خامسا- إن تقاربا تاريخيا بين أميركا وروسيا بدأ يتكون، ومن مظاهره الاتفاق الأخير بين واشنطن وموسكو حول تقليص عدد الرؤوس النووية. فأميركا بدأت تتقدم نحو حلمها الجيوسياسي: إنشاء كتلة أوروبية روسية أميركية تحت قيادة إستراتيجية أميركية. والفكرة هي الحيلولة من جهة دون تكوين "أوروبا قوية" ومستقلة، ومن جهة أخرى مواجهة بروز الصين التي ستكون أكبر ند لهذه القطبية الجديدة في القرن الواحد والعشرين. وتمثل إسرائيل في هذا الحلم الإستراتيجي الذي يشجعه مناصرو "الصدام الحضاري" من أمثال صموئيل هنتنغتن، رأس حربة تحالف يهودي مسيحي منظم وموجه ضد مجتمع إسلامي محروم من التنمية. وهذا المشروع الإستراتيجي غير عادل ليس لكونه يحرم شعوبا إسلامية وآسيوية عديدة من التنمية فحسب، وإنما لأنه خطير على التوازن الكوني كما هو جلي.
ويؤيد النهج الفرنسي الثابت في السياسة الخارجية الفرنسية -في ظل الملكية وفي عهد الجمهورية أيضا- التنمية البينية الأوروبية العربية والأوروبية المتوسطية خلافا لهذا المشروع الإسرائيلي الأميركي الذي يكرس القطيعة بين العالمين الغربي والإسلامي.


منذ 11 سبتمبر/أيلول وإسرائيل تستفيد من الأوضاع الراهنة في سعيها لطمس الهوية الفلسطينية في إطار مشروع الحرب الحضارية على الإسلاميين
سادسا- صادقت أميركا تحت ذريعة الوضع الدولي الجديد على زيادة في ميزانية الدفاع تتجاوز 100 مليار دولار منذ الآن وإلى غاية 2007، وهذا يعني أن ميزانية الدفاع الأميركية ستصل إلى 450 مليار دولار أي أكثر من ميزانيات الدفاع مجتمعة للدول الـ 190 الموجودة على الكرة الأرضية. وتأخذ أميركا بذلك تقدما كيفيا وكميا لا سابقة له مما ينذر أيضا بتدخلات جديدة وبتقليص هامش حرية الشعوب في العقود القادمة، هذا إذا لم يظهر توازن يحد من هذا التقدم العجيب.

سابعا- منذ 11 سبتمبر/ أيلول وإسرائيل تستفيد من الأوضاع الراهنة في سعيها لطمس الهوية الفلسطينية في إطار مشروع الحرب الحضارية ضد الإسلاميين. فالصهيونية -سواء كانت صهيونية الحكومة اليمينية أو اليسارية، إذ ينبغي أن لا ننسى أن مجزرة قانا في لبنان كانت في عهد حكومة عمالية- لم تقبل قط بتقسيم الأرض ولا الماء الذي لا يمكن الاستغناء عنه. ومشروع عرفات لإنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة لم يقبل قط لأنه يلغي مشروع "إسرائيل الكبرى"، إذ لم تكن إسرائيل بحدودها سنة 1948 -في أذهان الصهاينة- سوى مشروع دولة أي دولة جنينية أو مجرد نواة لدولة يراد لها أن تتمدد. كما أن استمرارية السياسة الإسرائيلية لا تعني سوى التوسع الميداني عبر احتلال الأراضي واستيطانها.
ووضع "الحرب الحضارية" ضد المحور الإسرائيلي الأميركي اليوم قد سمح لهذه السياسة الإسرائيلية بالتسارع، فها هي إستراتيجية شارون تتأسس أكثر فأكثر وتقوم على إقصاء خط عرفات وجعل الخط المتشدد ينتصر، أي خط الإسلاميين الطامحين إلى تحرير كل أراضي فلسطين. والإسرائيليون الذين لا يجدون أمامهم سوى عدو راديكالي سيجعلون من أنفسهم التمثال التاريخي للضحية، وهي صورة طالما سمحت لهم بالتقدم وإقناع الأوروبيين –الشاعرين دوما بالذنب تجاه الإسرائيليين- بأنهم الضحية الأولى لخطر مشترك ألا وهو الراديكالية الإسلامية.
إسرائيل تحلم دوما بمواجهة عامة بين غرب يهودي مسيحي موحد -وهو كتلة لم تظهر بعد لحسن الحظ ويعود بعض السبب في ذلك إلى فرنسا خلافا لما يعتقده غالبا الجانب العربي- وبين بعض دول العالم الإسلامي، وذلك لأن إسرائيل التي هي نتاج الصهيونية والحرب "الدائمة" لا يمكنها العيش في سلام وفي جو ينمو فيه العالم العربي. وفي عالم يسوده السلام حيث لا يكون للمدافع الإسرائيلية أي جدوى، ماذا سيكون حجم مستقبل الدولة العبرية في مواجهة مواءمة بين التطور الديمغرافي والتطور الاقتصادي للعرب بمن فيهم الفلسطينيون؟ وعلى ماذا ستقوم القوة الاقتصادية الإسرائيلية إذا لم تقم على عوامل ثلاثة أساسية وخارجية هي: العون المادي الأميركي "المكثف"، واستجلاب عمالة فلسطينية بسعر رخيص، والانتقال المكثف والمجاني للتكنولوجيا الأميركية والأوروبية نحو الدولة اليهودية نظرا للقوة الحيوية ليهود الشتات في العالم؟

المحور الأميركي الإسرائيلي


يمكننا القول دون أدنى مبالغة إن المستفيد الأول هو المحور الإسرائيلي الأميركي إذ لا تخفى المحاباة الأميركية للجرائم الإسرائيلية في فلسطين، كما لا يمكن قطعا أن يكون المستفيد من الأحداث هم العرب أو المسلمين عموما المتهمين بالظلامية والتطرف، ولا الأوروبيين الذين تتم "أطلستهم" شيئا فشيئا، ولا حتى الصينيين الذين بدؤوا يحسون بالاختناق تحت وطأة إستراتيجية الولايات المتحدة الكونية التي تهدف إلى اجتثاثهم من الخريطة الروسية
إن هذه النقاط السبع تسمح -من وجهة نظر جيوسياسية- بتحديد المستفيدَين الأساسيَين من هجمات 11 سبتمبر/ أيلول وهما الأميركيون والإسرائيليون. ويمكننا القول دون أدنى مبالغة إن المستفيد الأول هو المحور الإسرائيلي الأميركي إذ لا تخفى المحاباة الأميركية للجرائم الإسرائيلية في فلسطين، كما لا يمكن قطعا أن يكون المستفيد من الأحداث هم العرب أو المسلمين عموما المتهمين بالظلامية والتطرف، ولا الأوروبيين الذين تتم "أطلستهم" شيئا فشيئا، ولا حتى الصينيين الذين بدؤوا يحسون بالاختناق تحت وطأة إستراتيجية الولايات المتحدة الكونية التي تهدف إلى اجتثاثهم من الخريطة الروسية وتطويقهم داخل شبكة من الحلفاء الأقوياء (اليابان، كوريا الموحدة انطلاقا من الجنوب، تايوان..) ثم مراقبة نقاط تموينهم من الطاقة.
والروس من جهتهم انتهزوا هذه "الصفقة" لإقامة جيوسياستهم الداخلية (الشيشان)، فقد لعب السيد بوتين -ظاهريا على الأقل- بورقة الغرب كما كان يفعله القياصرة الروس قبله.

الآن وقد عرفنا المستفيد من الجريمة فهل بإمكاننا أن نخلص إلى المجرم الحقيقي؟ صراحة.. لا، لكن ينبغي أن نواصل التحليل.
ما هو تنظيم القاعدة الذي دخل اللعبة لأداء دور المجرم؟ وإذا كنا نعرف الدول معرفة جيدة فهل نعرف شيئا عن المنظمات المخترقة للدول والمخترقة للأمم خصوصا عندما تكون تلك المنظمات معتمة؟ نحن نعرف أن ما يسمى بالقاعدة شبكة يتزعمها الملياردير السعودي أسامة بن لادن وأن هذا الأخير قد عمل عن قرب ولسنوات طويلة خلال الحرب الباردة مع الاستخبارات الأميركية ضد السوفيات. أليس من الغريب أن زعماء المواجهة في أفغانستان -أي شبكة بن لادن والأوساط الأصولية الأفغانية والباكستانية والأجهزة الاستخباراتية الأميركية- على معرفة فيما بينهم منذ زمن طويل؟ ومما يسترعي انتباه المتخصص في الشؤون الإسلامية أن القاعدة لا تتشابه مع غيرها من التنظيمات الإسلامية التاريخية، فهي تظهر كـ"كشكول" إسلامي ضبابي بل أخطبوط تعمل أجنحته المسلحة داخل تنظيمات إسلامية معروفة. ومنازلة بعض المحاربين في الميدان أو سجنهم في غوانتانامو لا يجعلنا نعرف العقل المدبر لأخطبوط القاعدة، فهل استطاع بن لادن ومقربوه الإفلات من قبضة أعظم قوة بأجهزتها الاستخباراتية المدعمة بأجهزة الحلفاء وعلى رأسها الموساد؟ إن في المسألة سرا لا يدركه العقل.. يمكننا بدون شك -وكما يفعل بعض الصحفيين- أن نفسر غياب نتائج التفسيرات الأميركية بعدم فعالية الأجهزة الاستخباراتية. غير أن هذه الفكرة تبقى نشازا مادامت هذه الأجهزة الاستخباراتية ساهمت بشكل مستمر -ضد حرية شعوب كثيرة مع الأسف- في تقدم المصالح الأميركية. وكوننا نعارض السياسة الخارجية الأميركية لا يحول رغباتنا إلى حقائق حين نرمي الأميركيين بمثالب هم منها براء.

ولنعد إلى هذا الأخطبوط الغريب.. إنه تنظيم مخترق للدول ومخترق للأمم.. لقد ظل هذا النمط من التنظيمات موجودا في عالم الدول منذ أقدم العصور، فلم يتم قط تفكيك علاقة طائفة القتلة وتنظيم مالطا في القرون الوسطى بالدول في ذلك الوقت، بل إن هذه الدول وظفت تلك التنظيمات واستطاعت في الغالب أن تستعيد قوة هذه التنظيمات المخترقة للدول وأن تستغلها في سياساتها الواقعية "Realpolitik". وإذا كانت القاعدة تنظيما مستقلا عن الأنظمة الأمنية للدول في علاقاته السياسية والمادية والمالية، فهل بإمكانها أن تظل على قيد الحياة رغم التحالف غير الطبيعي لجميع القوى الدولية ضدها منذ عشر سنوات؟ وإذا كان قد أتيح لتنظيم القاعدة أن يبقى حيا فمعنى ذلك أن جزءا من العقل المدبر لهذا الأخطبوط ظل يتغلغل في نظام هذه القوى التي تحاربها رسميا.


إن النظرية التي ترى أن هنالك مصالح مشتركة بين الأجهزة الإسرائيلية وبعض الحركات الإسلامية ينبغي أن لا تلغى، وتاريخ الحركة الصهيونية يعطينا مثالا لأعمال مثيرة، فقد كانت هناك مصلحة مشتركة بين الصهيونيين الألمان والنازيين في إرهاب يهود ألمانيا حتى يتم دفعهم إلى "مقر وطني"
ولأنني بطبيعتي أميل إلى الواقعية والحذر فإنني أبعد تماما النظرية -التي لا يقبلها إلا المصاب بالهذيان- القائلة بأن الحكومة الأميركية -وبعبارة أخرى جهاز الدولة الأميركي- قد خططت لهذا العمل الفظيع ضد الشعب الأميركي. يمكننا بطبيعة الحال أن نتخيل كل شيء إلا أن السياسة الواقعية مهما كانت وقاحتها لا يمكن أن تتماهى مع الخيال العلمي. فلنبعد فكرة اتهام قمة السلطة التنفيذية الأميركية بالأمر، ولو ضربنا الووترغيت في 10 فإنها لن تصل إلى فظاعة 11 سبتمبر 2001.

ومعلوم أن السلطة في الولايات المتحدة -خلافا لفرنسا مثلا- ليس محصورة في السلطة التنفيذية. فكم يوجد بالولايات المتحدة من "دولة داخل الدولة".. هناك أربعة مراكز نفوذ على الأقل: اللوبي البترولي واللوبي العسكري الصناعي واللوبي اليهودي وبعض أوساط المضاربة المالية الشديدة القوة (أولئك الذين ينفخون فقاعات المضاربة حول تقنيات حديثة قبل أن يفجروها لصالحهم). إن كل واحد من هذه اللوبيات الأربعة له فائدة يجنيها من هذه الهجمات:
- لقد استفاد اللوبي البترولي في إطار إستراتيجية عامة للإشراف على تبعية الطاقة في آسيا.
- واستفاد اللوبي العسكري الصناعي حين دفع بالحكومة إلى زيادة الميزانية المخصصة للدفاع وبيع أسلحة متقادمة تحت طائلة الحرب، فحرب الخليج وقصف العراق يساهمان في هذا المنطق.
- واستفاد اللوبي الصهيوني في "إنقاذ" إسرائيل من السلام.
- كما استفادت الأوساط المالية القوية التي تضارب حول قفزة فجائية للوضع الجيوسياسي الدولي. وقد لوحظ في هذا المجال وجود بعض حركات المضاربة قبيل 11 سبتمبر في بعض المصانع والنشاطات الاقتصادية التي كان من المحتمل أن تعاني من هذا الوضع.


لقد أوقف مكتب التحقيقات الفدرالي عناصر من الموساد في اليوم السابق للهجمات في الأماكن التي ستهاجمها عناصر أخطبوط القاعدة، فكيف نفسر هذا الأمر؟
وقد اتهمت تلك الحركات في ذلك الوقت بالانتماء إلى القاعدة، وهنا نعود إلى السؤال المحوري: ما هي القاعدة؟

إن هناك أربع قوى مدهشة يمكنها أن تستفيد من إثارة مؤامرة توقع البلبلة وتستهدف التحريك المسرع للسياسة الخارجية الأميركية والدفاع الأميركي. ولهذه القوى تمثيل واسع في جهاز الدولة والاستخبارات الأميركية، كما تمتلك رجالا ووسائل مادية تسمح لها بالعمل على نطاق واسع. ولا مانع أن تكون قد أقنعت حركات إسلامية متشددة بالفائدة المشتركة الناتجة عن وجود وضع دولي راديكالي يتسم "بالصدام الحضاري".

ولنتقدم في التحليل أكثر.. لقد أوقف مكتب التحقيقات الفدرالي عناصر من الموساد في اليوم السابق للهجمات في الأماكن التي ستهاجمها عناصر أخطبوط القاعدة، فكيف نفسر هذا الأمر؟ فهل يقوم الموساد بإجراء الاستعدادات دون إنذار حليفه الأميركي أم أن عناصر الموساد يشاركون مع مناضلين إسلاميين في عمل مشترك؟

قد يلاحظ متتبعو الملف الإسرائيلي الفلسطيني حدسيا أن الحدود الفاصلة بين الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وبين الحركات الفلسطينية الإسلامية المتشددة قد تكون أحيانا دقيقة جدا: فإشارة من مخبر إسرائيلي قد تجعل مخبرا في الطرف المقابل يعلم أن هناك نقطة جغرافية بين إسرائيل والمناطق قابلة للاختراق فيتم تنفيذ هجوم انتحاري قبيل إحدى المفاوضات السياسية التي تنبغي إعاقتها.. إن النظرية التي ترى أن هنالك مصالح مشتركة بين الأجهزة الإسرائيلية والحركات الإسلامية ينبغي أن لا تلغى.

وتاريخ الحركة الصهيونية يعطينا مثالين لأعمال مثيرة، فقد كانت هناك مصلحة مشتركة بين الصهيونيين الألمان والنازيين في إرهاب يهود ألمانيا حتى يتم دفعهم إلى "مقر وطني"، كما أن الهجمات المنظمة في الخمسينيات من طرف الموساد ضد معابد اليهود في العراق كانت تهدف إلى تهجير هؤلاء نحو إسرائيل. فالعدو الرسمي ليس هو العدو الحقيقي دائما. إن فرضية وجود تواطؤ بين شبكات اللوبي اليهودي الأميركي والموساد وحركة أصولية مقتنعة بأن الوسيلة الوحيدة المتاحة لتغيير الأوضاع تكمن في التحالف مع الشيطان حتى يحدث التصادم النهائي، فرضية لا ينبغي إهمالها.

ويبقى من الصعوبة بمكان أن نصل إلى نهاية علمية لعدم وجود القرائن الحقيقية. إن الجغرافيا السياسية تقود إلى تصور عقلاني، ونحن نعتقد من جهتنا بأن هذا التصور يقود إلى طريق الأوساط الأميركية و/أو الإسرائيلية أو الأميركية الإسرائيلية لأنه من المهم أن نتذكر أن الازدواج الدولي مفيد. وطالما لم يطرح هذا السؤال في أوروبا فإن خطر المحور الإسرائيلي الأميركي على العالم سيشتد. إن إسرائيل قد أنشئت على أساس كونها ضحية المحرقة الفظيعة في الحرب العالمية الثانية. وتفوق المحور الإسرائيلي الأميركي سيتعزز بدوره على أساس كونه ضحية "الإرهاب الدولي" مع جعلنا نتناسى أنه هو نفسه يقوم على أساس إرهاب الدولة.
_______________
* أستاذ علم الجغرافيا السياسية بجامعة السوربون، فرنسا، ترجمة سيدي أحمد سالم، قسم البحوث والدراسات، الجزيرة نت.