تجنب مؤسسو "الحركة" في الخمسينيات تسمية منظمتهم حزباً، لموقف يدين التجربة الحزبية في المشرق العربي ويحكم بفشل الأحزاب العربية، بعد تقسيمها إلى أحزاب محلية غير ثورية مثل حزب الوفد في مصر والكتلة الوطنية في سوريا تحترف السياسة البرلمانية وهمها الأول الوصول إلى السلطة، وأحزاب إقليمية معادية للقومية العربية كالقوميين السوريين والكتائب اللبنانية، وأحزاب دينية متعصبة مثل الإخوان المسلمين وحركة التحرير الإسلامي، وأحزاب رغم أهدافها القومية مثل "البعث" تبحث عن مكاسب للحزب وليس للقضية، إلا أنها الأحزاب الوحيدة التي دعت "الحركة" للتعاون معها.


كما انتقدت "الحركة" تعدد الأحزاب الذي يؤثر برأيها في توزيع الجهد النضالي، فالتعدد والتنوع من مقومات الارتقاء والإبداع في التجربة الإنسانية ككل، لكنه في الحزبية العربية أقرب لمقومات التعطيل لأنه ينجم عن الضحالة في التفكير الحزبي (59). وفسرت نفور الجماهير من العمل الحزبي، كنتيجة للظواهر السلبية لتجربة الأحزاب العربية، حيث الصراع الحزبي الحاد هو عنوان العلاقة الوحيد بينها (60)، ولافتقارها لمقومات الحزبية العقائدية التي يتوفر فيها الصدق والالتزام والأخلاق والتضحية. كما أعادت "الحركة" أسباب عزوف الجماهير لظاهرة الانقلابات العسكرية التي جعلتها تنتظر تحقيق أهدافها من خلالها، وأحياناً بسبب التأييد الشعبي لعبد الناصر ما بعد 1956 الذي هاجم الحزبية فجعل قطاعات واسعة تتهمها بالانتهازية. لكن رغم نظرة المواطنين السلبية لتعدد الأحزاب، رأت "الحركة" مبرراً لقيامها لاعتقادها بأن لديها جديداً في تحليل الواقع العربي ولطبيعة التنظيم الذي يصمد في معركة الأمة (61).


انتقلت "الحركة" بعد الانفصال السوري 1961 مباشرة لقبول التعدد الحزبي لكن فقط في مجال الأحزاب القومية الاشتراكية، مع انتقاد التوجه الخاطئ للقيادة المصرية في محاربة الحزبية كظاهرة شاذة، إذ اعتبرته موقفاً سلبياً يتناقض مع الوقائع الاجتماعية الإنسانية (62). إلا أنها عادت مرة أخرى للتحول من التعدد المقيد إلى تبني "الحركة العربية الواحدة" أي الحزب الواحد القومي الاشتراكي، ثم ليسار متحالف مع الناصرية، إلى الحزب البروليتاري بعد حزيران 1967 المتحالف مع الفلاحين والمثقفين.


طوال مسيرة "الحركة" لم تنشأ أي علاقة مستقرة مع أي حزب عربي آخر، وخاصة مع الأحزاب المشابهة في الأهداف، فالعلاقات الوحيدة شبه المستقرة هي علاقات الصراع، وذلك لأسباب عديدة أهمها اعتقاد "الحركة" والأحزاب الأخرى أن مبادئ كل منها هي الحقيقة المطلقة التي لا يمكن التنازل عن أي منها للتلاقي مرحلياً. حتى المواقف الآنية في أقطار وأزمان معينة لم تستوجب الاتفاق على علاقات تعاون إلا فيما ندر ولفترات قصيرة.


بررت "الحركة" قيامها بتوجيه نقد شديد لحزب البعث، فانتقدت تفككه التنظيمي وانعدام وحدته الفكرية ونمو الأجنحة والتيارات داخله، واعتبار الحزب غاية بحد ذاتها وليس وسيلة، ولاهتمامه باللعبة البرلمانية أكثر من العمل الثوري، ولخوضه النضال على جبهتين الخارجية الوطنية والداخلية الاشتراكية، بينما رأت "الحركة" أولوية الخارجية بالعمل للوحدة والتحرر كطريق لاسترداد فلسطين.


دعوتها للتعاون مع "البعث"، لم تنتقل إلى التوجه العملي إلا في لقاء محدود في الأردن عام 1957، فشل بعد اعتراض "الحركة" على مشاركة الشيوعيين فيه. إلا أنها تعاونت معه أثناء انتفاضة لبنان 1958، وفي العراق ضد حكم عبد الكريم قاسم. وعادت لشن حملة ضد الحزب بعد استقالة الوزراء البعثيين من حكومة الوحدة في العام 1959، فاتهمته بنظرة حزبية ضيقة والمطالبة بإبعاد المرشحين المنافسين للبعثيين في انتخابات الاتحاد القومي في سوريا، ثم بتأييد فك الوحدة عندما وقعت قيادته على وثيقة الانفصال. وبعد أن أعاد "البعث" النظر في موقفه من النظام الانفصالي، لم يؤد ذلك للتعاون مع "الحركة" لإسقاطه. وعندما حدث انقلاب 8 آذار 1963 وشاركت "الحركة" في الوزارة الأولى، لم يستمر ذلك أكثر من شهرين إذ اندلع الصراع بعد فشل إقامة الوحدة الثلاثية.


"البعث" من جهته كان يرى أن "الحركة" نشأت في الجامعة الأميركية في بيروت مما أثر في موقفها المعادي للاشتراكية، وهي تستغل دعم مصر الناصرية لها (63)، بينما رأت "الحركة" في اشتراكية "البعث" أفكارا رومنطيقية وشطحات ليبرالية، كبديل عن امتلاك النظرية العلمية للثورة الاشتراكية القومية، وهو يعتبر أنه الأصل في القيادة والعمل العربي الثوري بينما الأحزاب العربية الأخرى خاطئة أو منحرفة، وبالتالي فدولة البعث أهم من دولة الوحدة (64)، مما جعله موضوعياً في موقع اللقاء مع أهداف المعسكر الرجعي الذي يعتبر مصر الناصرية عدوه الأول (65). شاركت "الحركة" في إسقاط النظام البعثي العراقي في تشرين الأول 1963 واستمر صراعها مع نظام البعث السوري إلى أن تحولت عن الالتحام بالناصرية، فباتت ترى أنه لا مبرر لاعتبار "البعث" خارج حركة الثورة العربية، ودعت لجبهة تقدمية معه ومع الشيوعيين.


مسيرة الصراع الحاد بين "الحركة" و"البعث" لم تكن أقل في حدتها من الصراع مع الشيوعيين، فقد انتقدت "الحركة" الأحزاب الشيوعية العربية لتأييدها تقسيم فلسطين، ولدعوتها للصلح مع إسرائيل، ولأنها عارضت وحدة مصر وسوريا وتبعت بشكل دائم السياسات السوفياتية ورفضت سياسة الحياد الإيجابي. قيمت "الحركة" حتى عام 1958 مشاركة الشيوعيين في المعركة ضد الأحلاف، إلا أن ذلك لم يجعلها تعدل عن رفض التعاون معهم، مع عدم خلط العداء لمواقفهم مع العلاقات مع الاتحاد السوفياتي كدولة داعمة للعرب.



اعتبرت "الحركة" رفع الشيوعيين لشعار الديمقراطية في العام 1958 يهدف لتشويه الوجه التقدمي للجمهورية العربية المتحدة، ورأت أن الديمقراطية والحريات أقنعة يلبسها الشيوعيون حين يكونون خارج الحكم ويمزقونها حين تؤول السلطة إليهم

اعتبرت "الحركة" رفع الشيوعيين لشعار الديمقراطية في العام 1958 يهدف لتشويه الوجه التقدمي للجمهورية العربية المتحدة، ورأت أن الديمقراطية والحريات أقنعة يلبسها الشيوعيون حين يكونون خارج الحكم ويمزقونها حين تؤول السلطة إليهم، وهي صفة يمكن إطلاقها على معظم الأحزاب الثورية. فالشيوعيون يطالبون بالديمقراطية في المجتمعات غير الشيوعية، بينما هم الذين قمعوا انتفاضات ألمانيا الشرقية والمجر وبولونيا المطالبة بالديمقراطية (66).


انتهت هذه المرحلة من الصراع السياسي والفكري بعد مجيء عبد الكريم قاسم للسلطة والذي تحالف مع الحزب الشيوعي العراقي لتصفية القوميين العرب، فاصطبغ الصراع بالدم في شوارع المدن العراقية، وشملت الاعتقالات الآلاف في سجون العراق التي فتحت أبوابها لاستقبال القوميين عامة، كما استقبلت سجون دولة الوحدة الشيوعيين السوريين والمصريين. اتهمت "الحركة" الشيوعيين بأنهم من أشعل نار المعركة التي تلهيها عن المعركة ضد التجزئة والاستعمار والصهيونية، وأنهم قاوموا اتحاد العراق مع الجمهورية العربية المتحدة، فصنفتهم ضمن أعداء الحركة العربية الاشتراكية، كما رأت أن المعركة معهم ومع الاستعمار لن يحلها في المدى البعيد إلا قوة السلاح (67). إلا أنه بعد انعطاف "الحركة" نحو الاشتراكية العلمية تحولت "الصراعات" مع الشيوعيين إلى "خلافات"، فالأحزاب الشيوعية أدوات جامدة تتحرك بتوجيهات الاتحاد السوفياتي وتتبع ماركسية مذهبية جامدة(68)، وتطور هذا الموقف إلى دعوة لاشتراك الشيوعيين في جبهات تقدمية مع بدء التزام "الحركة" الواضح بالماركسية.

الجبهات:
ركزت "الحركة" في أدبياتها السياسية منذ نشأتها على تشكيل جبهات قومية، إلا أن حصيلة جهدها في هذا الاتجاه كانت محدودة، في الأردن 1957 في مؤتمر نابلس الذي لم يتجاوز عمله إصدار بيان واحد، وفي لبنان لبضعة أشهر أثناء الانتفاضة. إلا أن أطول فترة لجبهة كانت في العراق مع "البعث" و"الاستقلال" ضد حكم قاسم، لكن لم تمض أشهر على تشكيلها حتى شنت "الحركة" حملة ضد "البعث" واتهمته بالتخلي عن شعار الوحدة. واستمرت الجبهة في ظل صيغة ضعيفة من التنسيق وإصدار البيانات حتى تموز 1961، حيث انسحبت "الحركة" منها بعد تجميد نشاطها لفترة، بسبب صراع بين أجنحة "البعث" حول شعار الوحدة الفورية بين العراق والجمهورية المتحدة، رغم اتفاق أطراف الجبهة على العمل لإسقاط حكم قاسم ومقاومة الشيوعيين وهو الهدف المرحلي الذي يجمع الأحزاب المشاركة، فقد كان انسحاب "الحركة" لأسباب قومية عربية وليس عراقية (69).


كما فشل تشكيل جبهة قومية في سوريا بعد 8 آذار 1963 تضم البعث والحركة والأحزاب الوحدوية الناصرية، بسبب الخلاف بين مفهوم "الحركة" لجبهة متكافئة ومفهوم "البعث" لجبهة له أكثرية في قياداتها. أما في العراق فقد استبق "البعث" العراقي الحاكم إنشاء الجبهة القومية المقرة في مشروع الوحدة الثلاثية بالكشف عن "مؤامرة حركية" وشن حملة اعتقالات قطعت الطريق على إعلان الجبهة (70). وبعد إسقاط البعث في العراق أعلن عن جبهة قومية في كانون الثاني 1964 من "الحركة" والأحزاب الناصرية اقتصرت على الإعلان، إذ تم التحول عنها سريعاً للدعوة للحركة العربية الواحدة (71).


الجبهة الوحيدة التي أنشأتها "الحركة" واستمرت هي "الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل" التي أطلقت الكفاح المسلح ضد الحكم البريطاني في أكتوبر 1963 وتشكلت من "الحركة" وثماني منظمات صغيرة. اتهمت "الجبهة" بأنها لا تمثل سوى "الحركة" (72)، إذ لم تضم أحزاباً أساسية، خاصة حزب الشعب الاشتراكي ورابطة أبناء الجنوب اللذين دعيا لنضال سلمي من أجل الاستقلال، إلا أنهما بعد نجاحات الجبهة القومية طالبا بتنظيم جديد يضمهما مع الجبهة القومية التي لم تقبل ذلك، مما استدعى تدخل الجهاز الأمني المصري في شمال اليمن لفرض ضم الجبهة القومية قسراً إلى جبهة تحرير جديدة في يناير 1966.

قبلت قيادات "الحركة" في الجنوب على مضض الدمج القسري، لكنها بدأت بالتمرد ثم الخروج من جبهة التحرير ومن "الحركة" في نفس العام، بينما قيادات "الحركة" المركزية بناء على إستراتيجيتها العربية الشاملة اعتبرت أي صدام مع قيادة عبد الناصر انحرافاً تاريخياً. لذلك أعلنت الأمانة العامة أن لا علاقة لها بالجبهة القومية أو بفرع "الحركة" في اليمن الجنوبي.


شاركت "الحركة" في "جبهة الأحزاب والهيئات والشخصيات الوطنية التقدمية" في لبنان في العام 1965، إلا أنها انتقدت توجهها للمشاركة في الحكومات بدل العمل في أوساط الجماهير، فهي برأي "الحركة" عاجزة عن قيادة النضال ضد الرأسمالية. أما في الساحة الفلسطينية فقد شكلت "الحركة" مع منظمات فلسطينية أخرى "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" أواخر 1967، دون الاهتمام بعد الإعلان عن قيامها أن تخرج منظمة أو تأتي أخرى، فالمهم أن تأخذ "الحركة" زمام المبادرة وتعمل باسم جبهة وتصبح هي "الجبهة" فعلياً.


بعد هزيمة حزيران دعت "الحركة" لجبهات على أن يكون "اليسار" المعبر عن مصالح الطبقات الكادحة وأيديولوجيتها طليعتها تشبهاً بالتجربة الفيتنامية. وعندما أعلن عن "جبهة وطنية تقدمية" في سوريا عقب هزيمة حزيران، شاركت "الحركة" فيها ثم انسحبت في خريف 1968 مع انتقاد تركيبتها البرجوازية الصغيرة والدعوة لتشكيل الحزب الماركسي، فقد كانت هناك دعوات لجبهات لا تكون هدفاً بحد ذاتها بل مقدمة للحزب الواحد، مثل الدعوة لجبهة القوى الاشتراكية اللبنانية حول برنامج موحد وصولاً للوحدة التنظيمية في حزب واحد جديد.

الحزب الواحد:


قبلت "الحركة" بالاتحاد القومي كحزب واحد في دولة الوحدة، مع تبرير ذلك برفض تعدد الطبقات وبالتالي تعدد الأحزاب، ودعت لإنجاحه في الإقليم السوري كمثل أعلى لتجمع جماهيري منظم من نوع جديد

قبلت "الحركة" بالاتحاد القومي كحزب واحد في دولة الوحدة، مع تبرير ذلك برفض تعدد الطبقات وبالتالي تعدد الأحزاب (73). ودعت لإنجاحه في الإقليم السوري كمثل أعلى لتجمع جماهيري منظم من نوع جديد تختار الجماهير قياداته، لكنها اعتبرت أن من ثغراته بناءه من أعلى. ثم أعادت النظر فيه بعد الانفصال السوري، لتقر بأنه ليس من الضروري تمثل الاتجاه الاشتراكي الثوري دائماً في حزب واحد، فتعدد التنظيمات الاشتراكية له ظروفه الموضوعية لوجود خلافات حول التحليل الاجتماعي والاقتصادي وإجراءات النظام الاشتراكي وبرامجه، ولمواجهة مخاطر الحزب الواحد الذي قد يقع فريسة البيروقراطية وتنشأ له مصالح متميزة عن الجماهير فينحرف ويتسلط (74).


إلا أن بروز اتجاه في "الحركة" يقبل بتعدد الأحزاب في نظام اشتراكي ظل اتجاهاً متردداً، ورجحت "الحركة" في ذلك الوقت (1962) تعدد الأحزاب، لكنها حذرت من الانزلاق لصراعات ثانوية فيما بينها بالمقارنة مع التناقضات مع القوى الأخرى (75). حسمت "الحركة" ترددها في مؤتمرها لعام 1963 الذي رأى أن قيام عدة أحزاب تعلن نفسها اشتراكية دليل مرض، والتعدد كمرحلة طفولة في الوعي الثوري، لم يكن نتيجة الأخذ بنظريات مختلفة بل نتيجة غياب النظرية الواضحة التي تضع حداً بين ما هو اشتراكي وما هو ادعاء للاشتراكية، والتعايش مع أحزاب أخرى تعدد مؤقت ينتهي باستيعابها (76). كما رأت أن ربط الديمقراطية بتعدد الأحزاب يعبر عن ترسبات فكرية برجوازية. أقر الأمر في المؤتمر رغم اعتراضات رأت أنه لا ضمانة لعدم انحراف الحزب الواحد إلا بوجود حزب آخر معارض، بينما أصر تقرير المؤتمر على أن شرط نجاح الثورة الاشتراكية أن تقودها حركة واحدة ذات نظرية واحدة تنبثق من وحدة المصلحة الطبقية لجماهير المنتجين (77).


وعلى هذا الأساس النظري اعتُبرت الناصرية التيار الثوري الأساسي الذي يحتوي قيادة وقاعدة العمل الوحدوي الاشتراكي، ودخلت "الحركة" تجارب الحزب الواحد، الاتحاد الاشتراكي العربي. ففي سوريا أعلن عن قيام الاتحاد في تموز 1964 من أربعة أحزاب، وأعلنت "الحركة" حل نفسها شكلياً إلا أنها أبقت تنظيمها سراً. مارست "الحركة" تأثيرها داخل الاتحاد فتركت بصماتها في نظامه الداخلي: المركزية وتعيين القيادات و"نفذ ثم ناقش" والهرمية وسلطة واسعة للقيادات وتقيد الأعضاء بالأوامر ورفض التكتلات ومنع النقد الفوضوي (78). والحرية فقط لتحالف الطبقات الكادحة ولا حرية خارجها، رغم أن الاتحاد الاشتراكي كان في المعارضة حينها.


انسحبت "الحركة" من الاتحاد في العام 1966 بعد صراع داخله بدأ منذ تأسيسه، فسرت أسباب ذلك بصراع فكري بين "يسار" ملتزم بالاشتراكية العلمية تمثله "الحركة" (أراد "الاتحاد" حزباً ثورياً يمثل طليعة تحالف قوى الشعب العامل) و"يمين" تمثله قيادات ركبت موجة التيار الناصري ورفضت الفكر الاشتراكي العلمي (79).

بينما رأت القيادات الأخرى أن "الحركة" لم تخلص للدمج فلم تحل نفسها وسعت لفرض وصايتها على "الاتحاد" وادعت التميز واحتكار الثورية وتعصبت للمنظمة الخاصة مما اعتبر في المنهاج المرحلي "للاتحاد" أعلى درجات الخيانة، وزايدت في اليسارية بينما في "الاتحاد" لا يمين ولا يسار ولا وسط (80). وردت "الحركة" بأنها تفضل جبهة بين القوى الوحدوية لتذويب التناقضات ثم تبدأ تجربة العمل الموحد، إلا أن القوى الأخرى فضلت البدء فوراً بالاندماج في حركة واحدة (81).


لم تختلف التجربة كثيراً في الاتحاد الاشتراكي العربي بالعراق الذي تأسس في تموز 1964، وأعلنت المنظمات المشاركة فيه حل نفسها شكلياً، على الأقل بالنسبة "للحركة" التي احتفظت سرا بتنظيمها الخاص. عاش "الاتحاد" أزمة تصادم بين جناحي السلطة العارفي والناصري، وبعد سعي عبد السلام عارف للانفراد بالسلطة انسحبت "الحركة" والناصريون منه بعد سقوطه في يد "اليمين" (82)، حسب التعبير المستخدم عادة. ورأت "الحركة" أن العناصر الثورية في "الاتحاد" لم تستطع تسيير الصراع لصالحها للاستيلاء عليه، لذلك انتهت الأمور بالانشقاق للعمل باسم "الحركة الاشتراكية العربية" (83).

للتعليق والتعقيب اضغط هنا