* إعداد: محمد عبد العاطي

وصل إلى العراق مخترقين الحظر الجوي المفروض عليه منذ أحد عشر عاماً حوالي 12 وزيراً للتجارة والاقتصاد والخارجية والمئات من رجال الأعمال، ضمن وفود رسمية مثلت 45 دولة. كما نظمت عشرات الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية رحلات جوية مماثلة. وكان الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز هو أول مسؤول على هذا المستوى يصل إلى بغداد منذ عام 1990. ولكل من الجهود الرسمية والشعبية دوافعها وآلياتها الخاصة التي نحاول رصدها وإلقاء الضوء عليها.

الجهود الرسمية العربية
اتفقت معظم الدول العربية على رفع الحصار، وطالب العديد من مسؤوليها وفي أكثر من مناسبة الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالعمل على ذلك. وكانت الأردن هي الدولة الأبرز بين الدول العربية التي تحركت واتخذت خطوات عملية في هذا الشأن، وتوالت تلك الدعوات بصورة يصعب حصرها، ووصلت طائرات كثيرة خرقت الحظر الجوي المفروض على بغداد، لكن وبالرغم من الخطاب العاطفي الذي استند إليه معظم المسؤولين العرب الذين وصلوا إلى العراق فإن المراقب لا يستطيع أن يغفل دور العامل الاقتصادي الذي حرَّك هذه الدول بعد طول سبات.

أول طائرة أردنية
تخرق الحظر الجوي على العراق
الأردن
يمكن القول إن الأردن هي أكثر الدول العربية مناداة بالدعوة إلى رفع الحصار عن العراق، كما أنها الدولة العربية الأولى التي أرسلت طائرة محملة بمواد إغاثة إنسانية مخترقة الحظر الجوي، وظلت دائماً منذ فرض الحصار قبل أحد عشر عاماً تمثل الرئة والمتنفس للعراق. ونشط في ذلك المسؤولون الحكوميون، بدءًا من الملك الراحل الحسين بن طلال وابنه الملك عبد الله الثاني ومروراً بولي العهد السابق الأمير الحسن بن طلال ورؤساء الوزراء الكباريتي والروابدة وأبو الراغب.

ففي ديسمبر/ كانون الأول 1998 زار ولي العهد الأمير الحسن بن طلال الحدود العراقية الأردنية وشدد على ضرورة اتخاذ خطوات عملية فاعلة لتقديم المساعدات الإنسانية، إلا أنه قال بأن تلك المساعدات ينبغي ألا تكون بديلاً عن رفع الحصار. وتكررت الدعوة نفسها فيما بعد من قبل رئيس الوزراء السابق عبد الرؤوف الروابدة.

وفي خطوة عملية لكسر الحظر الجوي حطت طائرة أردنية في مطار صدام الدولي في سبتمبر/ أيلول 2000 وكان على متنها وفد شعبي ورسمي وعدد كبير من الإعلاميين. ثم كانت زيارة رئيس الوزراء الأردني علي أبو الراغب الذي يعتبر أول مسؤول عربي على هذا المستوى يزور بغداد جواً. وكانت العلاقات الاقصادية بين البلدين باعثاً هاماً في إقدام الحكومة الأردنية على تلك الخطوة، فحجم التبادل التجاري بين البلدين يبلغ قرابة الملياري دولار وبينهما اتفاقية للتبادل التجاري تحصل الأردن بمقتضاها على حوالي 418 مليون طن من النفط العراقي الخام، نصف هذه الكمية مجاناً والنصف الآخر تحصل عليه بأسعار تفضيلية بلغت عام 1999 تسعة دولارات للبرميل.

اليمن
تعد هي الأخرى واحدة من أكثر الدول العربية تعاطفاً مع العراق بالرغم من ضعف العلاقات التجارية والاقتصادية بينهما، وقد ظهر ذلك بوضوح من خلال المظاهرات الشعبية أثناء حرب الخليج الثانية.

أرسلت اليمن ثاني طائرة إغاثة عربية إلى العراق يوم 29/9/2000 كان على متنها وفد رسمي وشعبي وأعضاء في البرلمان يمثلون مختلف القوى السياسية. وقد رفضت السلطات السعودية مرورالطائرة اليمنية فوق أجوائها إلا بعد الحصول على نسخة من تصريح لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن، الأمر الذي اضطرها للعودة مرة أخرى إلى مطار صنعاء، ثم عادت واستأنفت رحلتها بعد اتصالات بين الرئيس اليمني علي عبد الله صالح والمسؤولين السعوديين.

والملاحظ على التحركات الرسمية اليمنية أنها جاءت متماشية مع حملة إعلامية قوية طالبت بإلغاء الحظر المفروض على العراق، مشيرة إلى أن "ما يواجهه العراق يعتبر كارثة إنسانية تلحق أبلغ الضرر بـ 22 مليون عراقي هم وحدهم من يدفع الثمن، وأن العرب لم يعد بمقدورهم الجلوس في مقاعد المتفرجين وهم يشاهدون شعباً بأكمله يتعرض للتدمير والاحتضار" كما جاء في صحيفة الثورة شبه الرسمية.

سوريا
كانت العلاقات الاقتصادية واضحة في تسريع التقارب السوري العراقي، فالرئيس الجديد بشار الأسد يهمه إعادة ترتيب البيت السوري من الداخل وتنشيط الاقتصاد المترهل أكثر من الخلافات القديمة التي كانت موجودة بين جناحي حزب البعث الحاكمين في البلدين والتي وصلت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1980. ومع مطلع عام 1997 راح البلدان يحسنان علاقاتهما بالتدريج، ففتحا حدودهما المشتركة أمام رجال الأعمال والمسؤولين، ودعا وزير خارجيتها فاروق الشرع في أكثر من مناسبة إلى إنهاء الحصار عن العراق.

خط سكة حديد حلب - الموصل
وفي عام 1998 وقع البلدان اتفاقا يتناول إعادة إصلاح خط أنبوب النفط الذي يربط حقول كركوك في شمال العراق بمرفأ بانياس السوري على البحر الأبيض المتوسط والذي توقف منذ عام 1982.

وقد أقلق تنامي العلاقات العراقية السورية الولايات المتحدة الأميركية، وحرص وزير خارجيتها كولن باول أثناء زيارته لدمشق أواخر فبراير/ شباط 2001 على الحصول على تأكيدات من الرئيس السوري بشار الأسد بأن سوريا ستخضع أنبوب النفط العراقي الذي يمر عبر أراضيها لمراقبة الأمم المتحدة، الأمر الذي سيحرم العراق من حوالي مليوني دولار يومياً تدخل الخزانة العراقية خارج إطار برنامج النفط مقابل الغذاء.

وفي مارس/ آذار 2000 فتح العراق شعبة لإدارة مصالحه في دمشق. وفي يونيو/ حزيران من العام نفسه زار وزير الخارجية العراقي محمد سعيد الصحاف العاصمة السورية وأعلن أن العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين ستعود قريباً.

وجاء الإعلان عن تدشين خط سكة حديد حلب - الموصل في يوليو/ تموز 2000ليستكمل إخراج العراق من عزلته ومحاولة جديدة لكسر الحصار، واقتصر نشاط الخط على نقل الركاب، في حين كان العراق يأمل في الحصول على موافقة الأمم المتحدة لاستغلاله في استيراد البضائع الأوروبية عبر سوريا.

وفكرة خط سكة حديد حلب – الموصل هي جزء من فكرة سورية أكبر تشمل الربط بين سوريا وتركيا وإيران، وهي السكة المعروفة منذ الماضي بـ "قطار الشرق السريع"، ولكن المشروع يحتاج إلى إجراء وصلة بين شبكة السكك العراقية والإيرانية بين مدينتي البصرة وخرّم شهر الإيرانية، ولاتزال الاتصالات بين الأطراف الأربعة جارية في هذا الشأن.

مصر
أما مصر التي يأمل كثير من العرب منها اتخاذ أدوار أكثر جرأة فيما يتعلق بالحصار على العراق، فإن مواقفها الدبلوماسية تميزت بالحذر، ثم لم تلبث في الآونة الأخيرة أن أصبحت أكثر قوة وأكثر حدة في المطالبة بوضع حد للحصار المفروض على العراق.

ثم تسارعت وتيرة العلاقات المصرية العراقية وتتابعت زيارات المسؤولين العراقيين لمصر، وكان أهمها زيارة نائب رئيس الوزراء العراقي طه ياسين رمضان أوائل فبراير/ شباط 2001 وتوقيع البلدين اتفاقاً للتجارة الحرة تلغى بموجبه الحواجز الجمركية والبيرقراطية أمام انتقال البضائع.

وفي 19 فبراير/ شباط 2001 وصل وزير التجارة المصري يوسف بطرس غالي إلى بغداد على رأس وفد كبير ضم 180 من رجال الأعمال المصريين. ووصلت في اليوم التالي طائرة أخرى لوفد آخر من رجال الأعمال، وأصدر الرئيس العراقي صدام حسين أوامره بمنح تأشيرات فورية للمصريين.

سلطنة عمان
وصدرت دعوات مماثلة من كل من سلطنة عمان التي دعا وزير خارجيتها يوسف بن علوي في خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الخامسة والخمسين، إلى اتخاذ الآليات الكفيلة بإنهاء الحصار ووقف معاناة الشعب العراقي.

المغرب وموريتانيا
وفي المملكة العربية المغربية جاءت دعوة الملك محمد السادس قوية في التحذير من آثار الحصار على الشعب العراقي وبخاصة على أطفاله، ودعا إلى رفعه. وتكررت الدعوة نفسها على لسان الرئيس الموريتاني معاوية ولد سيدي أحمد الطايع الذي قال في أكثر من مناسبة إن الحصار حرم العراق من أبسط حقوق الحياة.

قطر
سبقت المبادرة القطرية لرفع الحصار عن العراق زيارات متبادلة من قبل المسؤولين في البلدين، وكانت أبرز الجهود الرسمية في هذا الشأن هي المبادرة التي طرحها وزير الخارجية الشيخ حمد بن جبر آل ثاني في ندوة "مستقبل العلاقات الكويتية العراقية" التي عقدت بالكويت في مايو/ أيار 2000، والتي نظمتها لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الأمة الكويتي بالتعاون مع مركز الدراسات الاستراتيجية المستقبلية بجامعة الكويت، لإنهاء الحصار على العراق. ونوقشت المبادرة على هامش اجتماعات الدورة الـ76 للمجلس الوزاري لدول مجلس التعاون الخليجي الذي عقد اجتماعاته بالرياض نهاية عام 2000.

تتضمن المبادرة أربع مراحل يتم بعدها رفع الحصار نهائيًّا، وتبدأ هذه المراحل بـ:
- قبول العراق أولاً استقبال لجنة مفتشي أسلحة الدمار الشامل الجديدة، وبالتالي الاعتراف بقرار مجلس الأمن رقم 1284 كقاعدة لها.

- يتم تحديد مدة زمنية لعمل اللجنة في العراق، على أن تكون هذه المدة مختصرة جدًّا، ويبدي خلالها العراق تعاونًا كاملاً وفعالاً مع اللجنة الدولية.

- عند انتهاء المدة المختصرة يتم فورًا إعلان رفع للحظر يدوم لفترة تجريبية قصيرة.

- يتم بعدها الإعلان عن الرفع النهائي للحظر المفروض على العراق.

وكان رد الفعل العراقي على المبادرة القطرية غير متوقع، إذ وصفها وزير الخارجية العراقي محمد سعيد الصحاف بأنها "سلبية ومشوشة ولا قيمة لها وولدت ميتة".

منظمة المؤتمر الإسلامي
اعتبرت القمة الإسلامية التاسعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي التي عقدت بالدوحة في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2000 تحركاً على مستوى رسمي عال نحو مزيد من الانفتاح على العراق. وأشار البيان الختامي الصادر عن القمة إلى أن منظمة المؤتمر الإسلامي لا تضع أي عقبات أمام الرحلات الجوية إلى العراق أومنه.

وعلى هامش المؤتمر نجحت قطر –الدولة المضيفة– في إقناع الكويت والسعودية بتغيير عبارة "إثر العدوان العراقي على الكويت" التي استخدمت لفترة طويلة في بيانات المنظمة واستبدال عبارة "الحالة بين العراق والكويت" بها. ودعا البيان الختامي دول مجلس الأمن إلى بدء حوار مع بغداد لتنفيذ الالتزامات الدولية على نحو عادل وشامل.

وكان من نتائج تلك القمة كذلك اللقاء الذي جمع بين نائب رئيس مجلس قيادة الثورة عزت إبراهيم والأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، والذي أسفر عن اتفاق على بدء حوار شامل "دون شروط مسبقة".

مؤتمرات وزراء الخارجية العرب
شارك العراق في معظم اجتماعات وزراء الخارجية العرب، وكانت مؤتمراتهم في الأغلب الأعم تدرج مسألة رفع العقوبات عن العراق في جدول أعمالها، إلا أن الكويت والسعودية اعتادتا الإصرار على تضمين البيان الختامي جملة "ضرورة تنفيذ العراق لكافة قرارات الأمم المتحدة ذات الشأن"، مما كان يغضب الوفد العراقي الذي كان كثيراً ما يخرج من الاجتماع غاضباً، وتثور من جديد حملة إعلامية بين العراق ودول الخليج وبالأخص مع الكويت.

حدث ذلك على سبيل المثال في مؤتمر وزراء الخارجية العرب في القاهرة يوم 24/1/1999، والذي أعرب في بيانه الختامي عن استيائه من استخدام الخيار العسكري من قبل الولايات المتحدة الأميركية في تعاملها مع العراق وطالب باعتماد الحل الدبلوماسي، لكنه في الوقت نفسه أعرب عن رفضه لما أسماه بالمواقف الاستفزازية للعراق مع جيرانه، مما أدى إلى إغضاب العراق وعقد وزير خارجيته مؤتمراً صحفياً هاجم فيه الاجتماع وجامعة الدول العربية برمتها.

وتكرر الأمر نفسه في اجتماعات وزراء الخارجية اللاحقة، وإن كان الاجتماع الأخير الذي تم في مقر الجامعة العربية بالقاهرة في مارس/ آذار 2001 قد تميز بجو من الهدوء، خاصة بعد تصريحات الكويت بعدم ممانعتها دعوة العراق للقمة العربية في عمان في مارس/ آذار الجاري.


الاقتصاد عامل مشترك بين التحركات العربية وغير العربية في رفع الحصار
الجهود الرسمية غير العربية
لم تقتصر الدعوات الرسمية لإنهاء حصار العراق على الدول العربية فقط بل ارتفعت دعوات من العديد من دول العالم الأخرى ولا سيما من روسيا وفرنسا والصين والهند وماليزيا وفنزويلا وإندونيسيا وفيتنام، وكانت بعض الدول الغربية ذات صوت عال في المنتديات والهيئات الدولية مثل روسيا وفرنسا والصين، ولم يغب العامل الاقتصادي في تحريك تلك الدول كما لم يغب في مواقف الحكومات العربية.

وزير الخارجية الروسي في مطار صدام الدولي
روسيا
روسيا هي أولى الدول الأجنبية التي بادرت بإرسال طائرة إغاثة مدنية إلى بغداد، مبررة ذلك بأن الأساس القانوني للرحلات الجوية المدنية لم يكن واضحا في قراري العقوبات رقمي 661 و670، وأنه يكتفى فقط بإشعار لجنة العقوبات وليس الحصول على موافقتها.

وكانت أولى الطائرات الروسية التي حطت بمطار صدام في 17/8/ 2000 تحمل على متنها 80 شخصاً من بينهم وزير الطوارئ الروسي وعدد من المسؤولين الحكوميين الآخرين، بالإضافة إلى وفد كبير من خبراء النفط وفريق لكرة القدم وحمولة من الأغذية والأدوية تبلغ خمسة أطنان.

وقد لعبت لجان الصداقة الروسية العراقية دوراً مهماً في تسيير العديد من الرحلات المشابهة بعد ذلك، علما بأن روسيا والعراق تربطهما علاقات اقتصادية وتجارية وعسكرية خاصة.

فرنسا
وكانت فرنسا هي الدولة الأجنبية الثانية التي خرقت الحظر الجوي وأرسلت طائرة إغاثة إلى بغداد أوائل يوليو/ تموز 2000، واستندت وزارة الخارجية الفرنسية كذلك إلى عدم وجود نص صريح من مجلس الأمن بفرض الحظر على العراق كما هو الحال بالنسبة لصربيا.

وقبل أن تصل أولى الرحلات الجوية الفرنسية إلى العراق أصدرت وزارة الخارجية في باريس بياناً في الرابع من يوليو/ تموز 2000 قالت فيه إن الحظر موجود كأمر واقع، لكن لا شيء يمنع نقل المسافرين مادامت لا توجد مبادلات اقتصادية أو مالية.

وبحسب مصادر عراقية فإن فرنسا خسرت حوالي 35 مليار دولار على مدى السنوات الإحدى عشرة التي فرض فيها الحصار على العراق.

خرازي والصحاف في بغداد
إيران
تشكلت لجان مشتركة بين إيران والعراق عام 1997 لكنها ظلت عديمة الجدوى في دفع العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين إلى الأمام. وظلت العلاقات بينهما تراوح مكانها إلى أن قام وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي بصحبة وفد حكومي كبير يوم 13/10/2000 بزيارة العراق جواً، في رحلة هي الأولى من نوعها لمسؤول إيراني على هذا المستوى منذ عشر سنوات.

واهتمت الزيارة ببحث المشكلات العالقة بين البلدين وبخاصة قضية أسرى الحرب، وعودة الطائرات المدنية والعسكرية العراقية التي لجأت إلى إيران خشية تعرضها للتدمير في الحملة الجوية الغربية على العراق عام 1991.

الهند
دعت الهند إلى رفع الحصار وذكرت أنها خسرت حوالي خمسة مليارات دولار عبارة عن استثمارات ومنشآت تجارية لها في العراق توقفت منذ حرب الخليج عام 1990، وتبادلت الدولتان وفوداً اقتصادية وتجارية على مستوى الوزراء، ففي 24/9/2000 وصل وزير الدولة الهندي للشؤون الخارجية آر آل ناريان على متن طائرة أقلت وفداً حكومياً واقتصادياً كبيراً، وكان من نتائج تلك الزيارة التوصل إلى توقيع عدة عقود لتزويد العراق بقطع الغيار اللازمة لإعادة تأهيل المنشآت النفطية والكهربائية وتزويده بالمستلزمات الطبية والغذائية. وأكد وزير الخارجية الهندي أثناء زيارة له إلى بغداد على ضرورة رفع الحصار.

ماليزيا
ولم يختلف الحال بالنسبة إلى ماليزيا التي أعلنت رفضها للعقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق وتحدثت عما ورد في تقارير اليونيسيف من موت أربعة آلاف طفل عراقي شهرياً من جراء الحصار، وبأن أكثر من نصف مليون طفل آخرين قد ماتوا على مدى السنوات العشر الماضية. وأصدرت وزارة الخارجية الماليزية بياناً يوم 23 مارس/ آذار 2000 قالت فيه إن الحصار أثر على الشعب العراقي، ودعت إلى رفعه فوراً وإعادة إعمار البنية التحتية وما خربه الحصار في العراق.

فنزويلا
وكانت فنزويلا الدولة الوحيدة التي زار رئيسها بغداد في أغسطس/ آب 2000، وتحدث الرئيس هوغو شافيز عن معاناة الشعب العراقي وأثر الحرب والحصار على الأطفال، ودعا إلى فك الحظر المفروض قائلاً أعتقد بأن الوقت قد حان لإنهاء هذه المأساة. وبالرغم من أن الإعلان عن الزيارة جاء في إطار الإعداد لاجتماعات قمة أوبك فإنها اكتسبت أبعاداً سياسية ومثلت خرقاً مهماً للحظر الجوي المفروض على العراق.

وقد قوبلت تلك الزيارة بردود فعل غاضبة من الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن الرئيس الفنزويلي علق على الغضب الأميركي قائلاً إن بلاده دولة مستقلة ذات سيادة ولها الحرية في اتخاذ القرارات التي تخدم مصالحها.

إندونيسيا
وتكررت الدعوة نفسها من الرئيس الإندونيسي عبد الرحمن وحيد أثناء زيارة الرئيس الفنزويلي لجاكرتا في أغسطس/ آب الماضي حيث أعلن أنه ينوي زيارة بغداد التي أمضى سنوات سعيدة من عمره دارساً في جامعتها ويتمنى إنهاء الحصار، لكن ظروف الاضطرابات السياسية التي تشهدها بلاده حالت دون ذلك.

فيتنام
دعت فيتنام إلى رفع الحصار، وأرسلت وفداً حكومياً برئاسة نائب رئيس الوزراء غيان غونغ تان إلى بغداد في رحلة هي الأولى لها منذ فرض الحصار، وكان على متن الطائرة مائة من كبار الموظفين الحكوميين ورجال الأعمال من بينهم وزراء التجارة والصناعة والخارجية. وعقد الوفد العديد من العقود والصفقات التجارية، ودعا إلى إنهاء الحصار على العراق خاصة بعد أن أكملت لجنة التفتيش على أسلحة الدمار الشامل عملها، حسب قوله.

تركيا
أرسلت تركياً بالرغم من العلاقات المتوترة بينها وبين العراق بسبب الضربات الجوية التي تنطلق أحيانا من قاعدة إنجرليك، وفدا حكوميا على متن طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية التركية حطت في مطار صدام الدولي يوم 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2000 برئاسة وزير الدولة والمتحدث باسم الحكومة تونجا طوقصاي.

وكان للزيارة أبعاد اقتصادية تمثلت في الوفد الكبير لرجال الأعمال الذي صاحب الوفد الحكومي، وعبر الوزير التركي عن هذه الأبعاد بقوله إن بلاده كانت أكبر دولة تتعرض لخسائر جرّاء تطبيق الحصار على العراق، وإن زيارته الرسمية لبغداد تأتي في إطار سياسة حكومته الرامية إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التعاون بين البلدين.

أما رئيس غرفة الصناعة والتجارة التركي حسام الدين أوزكان فكان أكثر تحديداً في تقدير الخسائر الاقتصادية التي تعرضت لها تركيا جراء استمرار الحصار على العراق، إذ ذكر أن الاقتصاد التركي خسر أكثر من 40 مليار دولار على مدى السنوات العشر التي فرض فيها الحصار.

الجهود الشعبية العربية لرفع الحصار
وكانت الجهود الشعبية العربية لرفع الحصار وبالرغم من كثرة فعالياتها المتمثلة في تنظيم المسيرات وعقد الندوات وجمع التبرعات والتجاوب الشعوري الحار مع معاناة الشعب العراقي فإنها ظلت عاجزة عن تقديم ما يقيم أود تلك الملايين الفقيرة من الشعب العراقي. وجاءت الجهود الشعبية الأردنية لتمثل أبرز تلك الجهود وأقدمها، حيث بدأت مع السنوات الأولى لفرض الحصار، ومع قلة المساعدات التي قدمتها الشعوب العربية فإن تأثيرها النفسي على الشعب العراقي كان كبيراً.

اللجنة الشعبية الأردنية
وهي إحدى اللجان التي تكونت بهدف العمل على مساعدة الشعب العراقي، وتمثلت فعالياتها في عقد المؤتمرات وتنظيم المسيرات وتوجيه رسائل إلى المسؤولين الدوليين والأردنيين.

ونظمت تلك اللجنة التي تضم في عضويتها تيارات إسلامية وقومية مؤتمرات جماهيرية في العديد من المحافظات الأردنية، كان أشهرها في محافظة إربد أوائل عام 1989 حيث وقع المشاركون في المهرجان الجماهيري على عريضة رفعوها إلى البرلمان الأردني ورئيس الوزراء وسفيري الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا في عمان.

الفنانون العرب
كان للفنانين العرب تحرك بارز ومبكر لكسر الحصار وذلك عبر زيارات العديد منهم بصورة فردية وجماعية، خاصة وقت الاحتفال بمهرجان بابل الدولي الذي يعقد في أكتوبر/ تشرين الأول من كل عام، والذي استؤنف عام 1992 وشارك فيه العديد من الفرق الفنية من مختلف البلدان العربية والأجنبية، حيث شاركت وفود فنية من الجزائر واليمن وسوريا ومصر وكذلك من دول أجنبية مثل فرنسا وبلجيكا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبية وآسيوية أخرى.

البرلمانيون العرب


البرلمانيون العرب: حصار العراق
غير قانوني
بدعوة من الأمير الحسن بن طلال ولي العهد الأردني السابق، اجتمع البرلمانيون العرب في عمان في الـ 27 من ديسمبر/ كانون الأول 1998، وطالب النواب الحكومات العربية اتخاذ موقف عربي موحد برفع الحصار باعتباره غير قانوني. وكان أبرز المتحدثين في المؤتمر رئيس المجلس الوطني العراقي (البرلمان) سعدون حمادي حيث شرح للنواب آثار الحصار وحجم الخسائر التي لحقت ببلاده.

وتماثل الحال في العديد من الدول العربية حيث تكونت لجان تابعة للأحزاب والنقابات مهمتها تحريك الرأي العام العربي في المغرب وموريتانيا ومصر والسودان وغيرها، ويلاحظ على معظم تلك الجهود عدم توثيق فعالياتها وقلة المعلومات عنها.

الكنائس العربية
ناشد راعي الكنيسة الأرثوذكسية في القدس الأب الدكتور عطا الله حنا المجتمع الدولي العمل على رفع الحصار عن العراق، معتبراً أن آلام هذا الشعب هي آلام لكل مسيحي العالم.

الجهود الشعبية غير العربية
أما الجهود الشعبية غير العربية فالصورة هناك مغايرة، فقد أنشئت في العديد من الدول الأجنبية الكثير من المنظمات غير الحكومية واللجان الشعبية، وتميزت تلك الجهود بالتوثيق المعلوماتي من خلال إنشاء مواقع على الشبكة العالمية للمعلومات "الإنترنت". وكانت أبرز تلك الجهود هي ما قامت به جمعية الـ CASI البريطانية ومنظمة أصوات في البرية الأميركية.

الـ CASI
وهي جمعية مستقلة أنشأها عام 1997 الطلاب البريطانيون المهتمون بحقوق الإنسان، مسجلة في جامعة كمبردج في المملكة المتحدة، تهتم بالتعريف بآثار الحصار على الشعب العراقي، وتدعو الشعوب والمنظمات غير الحكومية للضغط على الحكومات للعمل باتجاه رفع الحصار عن العراق، كما تهتم بجمع التبرعات ومساعدة المرضى العراقيين.

وعلى الرغم من دعوة جمعية الـ CASI إلى رفع الحصار الاقتصادي فإنها تؤيد بقاء استمرار الحصار العسكري. كما أنها لا تعارض في توجيه ضربات جوية إلى النظام العراقي إذا لزم الأمر. وتبرر ذلك بقولها إن النظام في بغداد يتحمل جزءا من المسؤولية عما لحق بالشعب العراقي من جراء هذا الحصار.


الطفلة العراقية مريم

قافلة مريم
تعتبر قافلة مريم التي قادها النائب البريطاني جورج جلوي ورئيس رابطة المحامين العرب في بريطانيا المحامي صباح المختار يوم 8 سبتمبر/ أيلول 1999 واحدة من أهم الجهود التي لفتت الأنظار بقوة إلى معاناة أطفال العراق.

وسميت القافلة باسم مريم نسبة إلى الطفلة العراقية مريم المصابة بسرطان الدم (اللوكيميا)، وطافت القافلة بعدة عواصم غربية وعربية قبل أن تصل إلى بغداد.

جمعية رفع الحصار عن العراق الإسبانية
ومن أبرز الجمعيات التي تخصصت في تخفيف المعاناة الصحية عن أطفال العراق جمعية أطلقت على نفسها "جمعية رفع الحصار عن العراق" ولجنة شعبية أخرى تسمى "لجنة التضامن مع الشعوب العربية" قدمتا مساعدات علاجية لنحو تسعين طفلاً عراقياً تقل أعمارهم عن عشرة أعوام في شهر أغسطس/ آب 2000.

حملة أميركية ضد الحصار على العراق

جمعية "أصوات في البرية"
وفي الولايات المتحدة الأميركية نفسها التي يعتبرها العراق المسؤول الأول عن فرض الحصار واستمراره، كانت جمعية "أصوات في البرية" من أهم الجمعيات الناشطة في مجال رفع العقوبات عن العراق، وقد نظمت العديد من المظاهرات. وكانت المظاهرة التي نظمتها أمام البيت الأبيض في أغسطس/ آب 2000 والتي اشترك فيها أكثر من ثلاثة آلاف معظمهم من الأميركيين رغم هطول الأمطار الغزيرة، واحدة من أكبر المنظاهرات، حيث أنشد المتظاهرون أغاني كانت في الماضي ترمز إلى معارضة حرب فيتنام.

منظمة هيومان رايتس ووتش
خصصت هيومان رايتس ووتش وقتاً وجهداً كبيرين للحديث عن الشأن العراقي، واعتبرت الرئيس صدام حسين واحداً من المسؤولين عما وصل إليه الحال في العراق، وطالبت الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي برفع الحصار الاقتصادي.

منظمة العفو الدولية "أمنستي"
أما منظمة العفو الدولية "أمنستي" فقد أكدت في تقاريرها تأثير العقوبات الدولية على الشعب العراقي، واعتبرت تلك العقوبات انتهاكاً للحقوق المدنية، ودعت مجلس الأمن إلى رفع الحصار.

صندوق إنقاذ الطفولة
وهي منظمة غير حكومية مقرها بريطانيا تعمل على مساعدة أطفال العراق خاصة في المناطق الكردية. وقد وجه صندوق انقاذ الطفولة العديد من النداءات لإنقاذ أطفال العراق، واعتبر الحصار سلاح صامت مسلط عليهم، وأرسلت بعض الطائرات المحملة بمواد إغاثة منذ افتتاح مطار بغداد الدولي في أغسطس/ آب 2000.

اللجنة التركية لرفع الحصار
نظمت اللجنة التركية الأهلية لرفع الحصار عن العراق رحلتين إلى بغداد في مطلع أكتوبر/ تشرين الثاني 2000 حملتا مواد طبية ومساعدات غذائية. وكان لهاتين الرحلتين أثر طيب على الشعب العراقي الذي يعتبر الحكومة التركية مسوؤلة بصورة أو بأخرى عن الضربات الجوية التي تشنها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا انطلاقاً من قاعدة إنجرليك، وقد مهدت الرحلتان بعد ذلك لزيارة وفود رسمية.

البرلمانيات الغربية


لوبيات برلمانية
لرفع الحصار
تشكل ما يمكن تسميته بلوبيات برلمانية في العديد من دول العالم، كان أهمها تلك التي تكونت في الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وكندا وهولندا والبرلمان الأوروبي، وكلها طالبت برفع الحصار.

نواب الكونغرس الأميركي
ففي الولايات المتحدة وقع سبعون من نواب الكونغرس على خطاب رفعوه إلى الرئيس بيل كلينتون في فبراير/ شباط 2000 يطالبون فيه بتغيير العقوبات المفروضة على العراق والاقتصار على الحصار العسكري فقط، لكن لجنة العلاقات الأميركية الإسرائيلية الموجودة في الكونغرس أحبطت ذلك المطلب.

البرلمان الأوروبي
طالب البرلمان الأوروبي في أبريل/ نيسان 2000 مجلس الأمن برفع الحصار فوراً، وتحدثوا في رسالة موجهة إليه عن تأثير الحصار الذي وصفوه بالمأساوي على الشعب العراقي.

البرلمان الإيطالي


البرلمان الإيطالي يدعو لإلغاء الحصار والإفراج عن أموال العراق المجمدة
وكان للبرلمان الإيطالي كذلك صوت عال في المناداة برفع الحصار، فقد اتخذ قراراً في مايو/ أيار 2000 بأغلبية 302 صوت مقابل 95 وامتناع 55 عضواً، ينص على دعوة الحكومة الإيطالية للعمل على رفع الحصار عن العراق والإفراج عن أمواله المجمدة لديها، وتقديم المعونات الإنسانية العاجلة له.

وكان النائب فيتوريو سجاربي قبل ذلك قد قام برحلة إلى العراق عام 1999 مصطحباً الكاهن الكاثوليكي الفرنسي جان ماري بنغامين ورجل الأعمال الإيطالي نيكولا غروسو إضافة إلى الطيار كلوديو غاستانيا، حيث استأجر طائرة عبرت الأجواء الأردنية ووصلت إلى مطار صدام الدولي. وقد لاقت تلك الرحلة حفاوة بالغة من المسؤولين العراقيين.

ريتشارد بتلر
وكان اللافت للنظر أن يأتي الحديث عن العقوبات الاقتصادية من رئيس لجنة التفتيش على أسلحة العراق ريتشارد بتلر، حينما صرح لهيئة الإذاعة البريطانية قائلاً بأن العقوبات المفروضة على بغداد قد أضرت بالشعب العراقي ولم تعد قاصرة على حظر استيراد الأسلحة، وبقاؤها يعود لأسباب وأغراض أخرى، ودعا إلى إنهاء هذا الحصار.

سكوت ريتر
وتكررت المناداة من المسؤول السابق عن لجنة التفتيش على الأسلحة العراقية سكوت ريتر، حيث دعا إلى رفع الحصار في النواحي الاقتصادية مع بقاء الحصار العسكري قائلاً بأن الحصار قد أثر على 22 مليون عراقي وليس على صدام حسين والمقربين منه.

قراءة في الجهود الشعبية والحكومية لرفع الحصار
بعد هذا الرصد السريع الذي لم يغط كل الجهود الرسمية أو الشعبية عبر سنوات الحصار كلها، يمكننا تسجيل الملاحظات التالية:

1- اتخذت الجهود الرامية إلى خرق الحظر الجوي وكسر الحصار المفروض على العراق أشكالاً وصوراً متعددة، بعضها شعبي والبعض الآخر رسمي، وقد تشابهت في استنادها إلى أن قرارات مجلس الأمن بشأن الحظر الجوي على العراق لا تنطبق على الرحلات المدنية، واكتفى معظمها بمجرد إخطار لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن دون انتظار الحصول على إذن منها.

2- استخدمت الجهود الشعبية آليات مختلفة للتعبير عن رغبتها في رفع الحصار تراوحت بين تنظيم المظاهرات والاعتصامات وعقد الندوات والمحاضرات والكتابة إلى الهيئات والمنظمات الدولية ذات الشأن، ثم تطورت بعد ذلك إلى جمع التبرعات وشراء المواد الغذائية والمساعدات الطبية والتعليمية، وتشكلت لذلك جماعات وهيئات منظمة. وقد تميزت الجمعيات الغربية بالتنظيم والتوثيق وسهولة التعرف على فعالياتها، بعكس الجمعيات العربية التي لم تهتم بذلك واكتفت فقط بما ينشر عنها في وسائل الإعلام وقت الحدث.

3- ولدت الجهود الشعبية العربية والإسلامية الرافضة للحصار والمنددة بالعمليات العسكرية الأميركية مشاعر متزايدة من العداء والكراهية والشعور بالغبن تجاه الولايات المتحدة، إلى جانب مشاعر العداء التي ولدها انحيازها الواضح لإسرائيل وغضها الطرف عن القمع الوحشي الذي تمارسه ضد الشعب الفلسطيني في انتفاضة الأقصى.

4- على المستوى النفسي رفعت الجهود الشعبية من معنويات الشعب العراقي الذي وصل إلى حالة من الإحباط واليأس بسبب ما اعتبره تردداً وتخاذلاً من الحكومات العربية، مقارنة بالحكام الأفارقة الذين تحدوا الحظر الجوي المفروض على ليبيا ووصلوا بطائراتهم إلى هناك.

5- مثلت الجهود الشعبية عامل ضغط على الحكومات العربية مهدت لها الطريق ودفعتها فيما بعد لتوقيع عقود وصفقات تجارية والاتفاق على إنشاء مناطق للتجارة الحرة، كان أبرزها منطقتي التجارة الحرة بين العراق وكل من مصر و سوريا.

6- كشفت الجهود الشعبية والفردية في العالم العربي الفجوة الواسعة بين مواقف الشعوب وحسابات الحكام، ففي الوقت الذي طالبت فيه الشعوب بخرق الحظر وإنهاء الحصار وإعادة العراق إلى الحظيرة العربية اكتفت الحكومات العربية لوقت طويل بدعوة المجتمع الدولي الأخذ بعين الاعتبار الآثار الإنسانية للحصار دون أن تبادر هي بأخذ زمام المبادرة. ولم تجد الولايات المتحدة الأميركية صوتاً عربياً قوياً يطلب منها صراحة رفع الحصار، وقد عبر عن ذلك بوضوح وزير الخارجية الأميركي كولن باول في اختتام زيارته للمنطقة العربية أواخر فبراير/ شباط 2001 بقوله "لم يقل لي أي زعيم عربي تحدثت إليه إننا نسير في الطريق الخطأ".

7- كانت الجهود الشعبية تمنى بين الحين والآخر بانتكاسات كبيرة بسبب الحملات الإعلامية التي كانت تشتعل بين فترة وأخرى، مثل تلك التي حدثت في شهر يناير/ كانون الثاني 2001 بين العراق والإمارات أو بينه وبين الكويت والسعودية في ذكرى مرور عشر سنوات على حرب الخليج الثانية، الأمر الذي يصعب من مهمة إنجاح تلك المبادرات والمحاولات.

8- اختلفت الدعوات المؤيدة والرافضة لرفع الحصار في بواعثها، فالداعون إلى إنهائه تحدثوا عن آثاره الإنسانية والاقتصادية السيئة عليهم، والمؤيدون لبقائه قالوا بصراحة إنهم مستفيدون من ذلك كما جاء على لسان وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت حينما سئلت في مؤتمر صحفي عن رأيها في تسبب الحصار في موت أكثر من نصف مليون طفل عراقي "إننا نعتقد أن ثمرة الحصار تستحق ذلك".

بعد هذه الجولة الطويلة التي لم تشمل كل الجهود الشعبية والرسمية العربية وغير العربية لرفع الحصار عن العراق، يظل الأمل قائماً في عودة الحياة الطبيعية كحل لمشكلات شعب يرزح تحت الحصار منذ ما يزيد عن عقد من الزمان.


____________
قسم البحوث والدراسات، الجزيرة نت
المصادر:
-
العقوبات الذكية، الغارديان البريطانية
- العراق تحت الحصار: الأثر المميت للعقوبات والحرب، أنتوني آرنوف، عرض كتاب، الجزيرة نت
- حرب الخليج، انهيار التحالف الدولي، محطة cnn.
- أصوات في البرية
- هيومن رايتس ووتش
- منظمة العفو الدولية
- صندوق إنقاذ الطفولة العراقية في بريطانيا
- تصريحات بتلر حول رفع الحصار