إعداد: شفيق شقير

تزايد عدد المجموعات المعارضة للنظام العراقي بعد حرب الخليج الثانية، وقد أسهم في ذلك الدعم الأميركي المعلن والاحتضان الأوروبي وفتح أبواب واشنطن والحواضر الأوروبية أمامها، فأصبحت بالعشرات وتعددت انتماءاتها ما بين دينية وإثنية عرقية ووطنية متعددة الأطياف والألوان، فلا يجمع بينها سوى الخلاص من النظام الحاكم والحصول على موقع سياسي أساسي في النظام الجديد والمرحلة المقبلة.

أهم أحزاب المعارضة
تتراوح أحزاب المعارضة ما بين مجموعات صغيرة وأحزاب متوسطة الحجم وتجمع أحزاب، وأكثرها خارج الوطن. ولعل أبرزها في الوسط الشيعي المجلس الأعلى للثورة الإسلامية والذي يرأسه محمد باقر الحكيم وترعاه إيران إضافة إلى أحزاب شيعية أخرى. وفي الوسط الكردي يبرز الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني، والحزب الوطني الكردستاني الذي يتزعمه جلال الطالباني، وهما يتقاسمان السيطرة على الحكم الذاتي الكردي في الشمال منذ عام 1991 بعد حرب الخليج الثانية.

ويعتبر المؤتمر الوطني العراقي الذي يرأسه أحمد جلبي أبرز أحزاب المعارضة، وهو في الحقيقة تجمع لعدد من الأحزاب كما يعرف بنفسه، ويلقى رعاية أميركية خاصة حيث قدمت له الدعم المادي وأعانته على فتح قناة تلفزيونية معارضة "ليبرتي تي في" بدأت بثها من لندن العام الماضي ثم ما لبثت أن توقفت في الأول من مايو/ أيار العام الجاري بعدما أوقفت أميركا مد المؤتمر بالأموال الكافية. ومازال المؤتمر الوطني خيار أميركا الأبرز حتى الآن باعتباره رسميا يجمع كل أطياف المعارضة تحت العنوان الوطني، ولكنه فعليا أصبح طرفا يمثل مجموعة من الأشخاص وإن بقيت بعض الأحزاب ممثلة فيه رغم انسحاب أخرى منه، خاصة بعد أن جمد المجلس الأعلى للثورة الإسلامية -أقوى حزب شيعي- عضويته في المؤتمر، إضافة إلى بعض الأحزاب الإسلامية والشيوعية، في حين لايزال فيه ممثلان عن الحزبين الكرديين الرئيسيين سابقي الذكر، إلى جانب أن التيار الملكي الهاشمي يحظى بنفوذ واسع داخل المؤتمر لا سيما أن الشريف علي بن الحسين زعيم حزب الملكية الدستورية وسليل الهاشمية الملكية في العراق هو الناطق باسم المؤتمر ولعب دورا رئيسيا في الإفراج عن المساعدات الأميركية له.

وهناك أيضا تنظيمات ذات طابع عسكري في الخارج مثل حركة الضباط الأحرار ويترأسها العميد الركن نجيب الصالحي، وأصدرت في 25 يوليو/ تموز 2002 بيانا تحالفيا مع حركة سياسية مدنية هي حركة الديمقراطيين الأحرار، في خطوة تشير إلى طموحها للعب دور سياسي فضلا عن الدور العسكري.

خصائص المعارضة


الافتقار إلى الشخصيات المؤثرة والتشتت السياسي والتباين العرقي والانقسام المذهبي والتلوث المالي أبرز مشكلات المعارضة العراقية
تعاني المعارضة العراقية -وبإقرارها هي- من التشتت في الطاقات والتوجهات والبرامج، وتفتقر إلى الشخصيات الوطنية الجامعة، ومازالت تعتمد في محاولات توحيد صفوفها على الرعاية الأجنبية، حتى أصبح من عادة الصحافة البحث -في الدول الغربية على وجه الخصوص- عمن يقف وراء كل مؤتمر أو محاولة لتوحيد المعارضة.

وأسهمت مناطق الحظر الأميركية على الطيران العراقي (شمال خط العرض 36 وجنوب خط العرض 33) بدافع حماية الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب، في تكريس الانقسام وتعزيزه نفسيا في جموع المعارضة، وأعطت لطموحات الخصوصية الإثنية والمذهبية شرعية للتعبير عن نفسها. وسارعت الخصوصيات ومطالبها لتطفو على السطح، حتى إن الأقليات المجهرية نسبيا مثل الآشوريين الذين يتركزون في مناطق الحكم الذاتي الكردي والتركمان الذين يتركز وجودهم في كركوك، أصبح البعض منهم يدعون لأن تؤخذ خصوصيتهم بعين الاعتبار.

التباين العرقي


تختزن الساحة السياسية الكردية ميراثا مرا من الصراعات الدموية بين الطرفين تعود جذوره إلى أبعد من تاريخ الحكم الحالي

فمن الناحية العرقية ازداد الانقسام الحاد مع الحكم الذاتي الكردي في شمال العراق. وتختزن الساحة السياسية الكردية ميراثا مرا من الصراعات الدموية بين الطرفين تعود جذوره إلى أبعد من تاريخ الحكم الحالي، وشهدت الأيام الأخيرة في صفوف المعارضة ردودا متبادلة بين العرب والأكراد عندما طرح الحزب الديمقراطي الكردستاني مشروعا دستوريا لعراق ما بعد صدام يتضمن فكرة نظام جمهوري فدرالي على أساس القوميتين العربية والكردية وليس على أساس التقسيمات الإدارية أو المحافظات، وأن تشمل المنطقة الكردية كركوك الغنية بالنفط ومحافظات أخرى غير خاضعة للحكم الذاتي الحالي، وأن يكون للأكراد علم ونشيد خاص وأن تكون الكردية اللغة الرسمية للإقليم الكردي. مع الإشارة إلى أن حزبي الطالباني والبرزاني بينهما تاريخ حافل من الصراعات والمصالحات، ووصل الصراع أحيانا إلى حد الاستعانة بالنظام العراقي، حيث اتهم البرزاني عام 1996 بأنه استعان بالقوات العراقية ضد غريمه الطالباني.

الانقسام المذهبي
يشكل الشيعة أكثر من 65% من سكان العراق، ويطمحون للحصول على نفوذ سياسي يتلاءم مع حجمهم الديمغرافي، وفي هذا السياق فهمت بقية أطراف المعارضة الإعلان الأخير الذي عرف بإعلان شيعة العراق والذي يدعو لإلغاء الطائفية السياسية في العراق، مما صعد النقاش عن مخاطر حكم الشيعة وامتداداته الإيرانية.

وكان بعض أطراف المعارضة أيضا -بنفس السياق- قد قرأ دعوة المعارض وفيق السامرائي (المدير السابق للمخابرات العراقية للنظام الحالي) إلى توطين الفلسطينيين في العراق، باعتبارها دعوة إلى تعزيز الوجود السني في مقابل الوجود الشيعي العراقي، وأنها قد تفتح مخاطر استعمال الفلسطينيين في مواجهة الأكراد إذا ما وطنوا في الشمال العراقي.

عسكريون وملكيون


حضور ولي عهد الأردن السابق الأمير الحسن برفقة زعيم المؤتمر الوطني العراقي أحمد جلبي يعد إشارة واضحة لعودة خيار الملكية

اجتماع أكثر من 70 ضابطا من عراقيي الخارج في لندن بحضور مندوبين عن الحكومة الأميركية والبريطانية وتكوينهم مجلسا عسكريا من 15 عسكريا، أثار هواجس عسكرة العراق بعد حكم صدام حسين، برغم أن هؤلاء العسكريين قد حرصوا على دعوة جميع الأطراف السياسية لحضور الاجتماع، وتعهدوا بميثاق شرف بأن الجيش سيعود لثكناته بعد الإطاحة بصدام، وأن اجتماعهم لا أحد وراءه إنما قاموا به من تلقاء أنفسهم فقط.

والملاحظ أن عسكريي المعارضة أنفسهم عرضة للانقسام بعد تمييزهم ما بين الضباط النظيفين وغير النظيفين، حيث لم يدع القائمون على اجتماع لندن أصحاب الوصف الثاني كما يرون، مثل رئيس أركان الجيش العراقي السابق الفريق نزار الخزرجي الذي فر عام 1995 ويعيش حاليا في الدانمارك، واللواء وفيق السامرائي الذي كان يوما مسؤولا عن المخابرات الحربية.

واللافت في مؤتمر لندن الشهير حضور ولي عهد الأردن السابق الأمير الحسن برفقة زعيم المؤتمر الوطني العراقي أحمد جلبي، في إشارة واضحة لعودة خيار الملكية ودفع ظهور الأمير الحسن المفاجئ بهذا الشكل باحتمال ولادة تحالف ملكي واسع يضم أبرز فصائل المعارضة إلى الواجهة. وكان الدكتور نبيل الجنابي المقرب من الملكية العراقية قد أعلن أن تنظيما جديدا بدأ يظهر ويحمل اسم التحالف الملكي الديمقراطي وأنه يحظى بموافقة الدول العربية ماعدا مصر، وأن هذا التحالف سيضم تحت جناحيه جميع أطراف المعارضة وأنه لن يعلن عنه إلا بعد ضرب العراق. وبنفس الوقت تتوالى الأنباء والتقارير عن تفضيل أميركا للنظام الملكي الذي يعلو فوق القبائل والمذهبيات والبعيد عن الأيدولوجيات، مما أشعل خلافات بين بعض أركان المعارضة ومع الولايات المتحدة حول عودة الملكية، وتباينت الآراء المؤيدة والرافضة.

وهذا ليس نهاية الأمر، فالارتياح الأميركي للملكية ترافق مع تسويق للأمير الحسن بن طلال باعتباره شخصية مقبولة ستساعد على جمع المعارضة، مما لن يرضي بالتأكيد الأمير العراقي الشريف علي بن الحسين، وسيعرّض الملكيين لاختبار داخل صفوفهم لن يحسمه إلا الاختيار الأميركي.

وتبقى في النهاية صفحة المعارضة العراقية مفتوحة أمام مزيد من التغييرات والمفاجآت سوف تكشف عنها الأشهر القادمة.
ـــــــــــــــ
* قسم البحوث والدراسات - الجزيرة نت.
المصادر:
1- انظر مقالة علاء اللامي في القدس العربي 17/7/2002.
2- انظر مقالة السيد محمد بحر العلوم في الحياة 25/2/2002.
3-
kurdmedia