بقلم: موفق محادين

إلى ما قبل مانهاتن (أحداث تفجير مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع الأميركية البنتاغون في 11 سبتمبر/ أيلول 2001) كان الإستراتيجيون الأميركيون يقسمون التاريخ الأميركي إلى ما قبل حادثة بيرل هاربر وما بعدها، ويعتبرون غارات الانتحاري الياباني على الأسطول الأميركي في بيرل هاربر وتدميره عن بكرة أبيه مقدمة ليس لدخول الولايات المتحدة الحرب الثانية واستخدام القنابل النووية ضد المدن اليابانية، وإنما لإعادة إنتاج العالم على مقاس المصالح والسيطرة الأميركية. وبعد يوم واحد على "يوم العار" الأميركي في منهاتن كتب كيسنجر في الواشنطن بوست أن على الولايات المتحدة أن تجعل من هذا اليوم انطلاقة جديدة للهيمنة والسيطرة كما حدث بعد بيرل هاربر.

وكتب على غراره أيضا وزير الدفاع السابق كاغان وليام كوهين والباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى تشارلز كراتهامر, مع التركيز على ما أسمياه بمراكز الإرهاب العربية: سوريا والعراق وليبيا بالإضافة إلى إيران، وهو ما يفهم منه أن الإستراتيجيين المذكورين يعتقدون أن الوقت قد حان لمزيد من الهيمنة الأميركية على العالم وجر الجميع بما في ذلك أوروبا وروسيا خلف عربات المدافع الأميركية.

ورغم ما تنطوي عليه هذه الدعوات من جدية واضحة فإن شعارات "الحرب.. الحرب.. الثأر.. الثأر" ليست أقل سخافة وكاريكاتيرية من أفلام رعاة البقر البدائية وهي تحث معسكرات الجيش الفدرالي على الانتقام من "الأوباش" المسلحين ببنادق صيد قديمة.

توجهات أميركا بعد بيرل هاربر
إن أميركا ما بعد منهاتن ليست أميركا ما بعد بيرل هاربر، إذ تحكمها ثلاثة اعتبارات شديدة التداخل هي:

  • على الصعيد السياسي: آسيا الوسطى ونفط قزوين والاقتراب من الصين.
  • على الصعيد الأيدولوجي: إعادة إنتاج لنهاية التاريخ بمنطق هنتنغتون.
  • على الصعيد الاقتصادي: رائحة السلاح والمجمع الصناعي الحربي الذي فقد ذريعته الكبرى: الاتحاد السوفياتي.

على الصعيد السياسي أفغانستان أم هارت لاند:


آسيا الوسطى وليس الشرق الأوسط تحتل قائمة الاهتمامات الأميركية الجديدة، وما حدث في منهاتن أربك الولايات المتحدة وفرض عليها إيقاعات مبكرة ليس إلا
يعتقد بعض العرب أن الشرق الأوسط هو العنوان المفضل والدائم للولايات المتحدة، ويرى بعضهم أن جحيم الثلاثاء الأميركي عمل يهودي لزج الولايات المتحدة في حرب مع العرب، ويواصل هذا البعض تحليلاته المعروفة وكأن واشنطن في حيرة من أمرها في ما يخص الشرق الأوسط، وتحتاج لعملية سرية يهودية مثل حريق القاهرة في منتصف الخمسينيات.

وليست المسألة مقارنة بين الأجندة الأميركية في الشرق الأوسط أو قلب آسيا بل قراءة في الأجندة الجديدة كما أوحت بها تقارير هارفارد ومعهد واشنطن والخارجية الأميركية، وكتابات بريجنسكي المبكرة التي سنتناولها في هذه المادة والتي تولي أهمية خاصة لآسيا الوسطى والإسلام السياسي هناك.

ومن المفهوم أن ثمة أولويات دائما، لكن هذه الأولويات لا تلغي الأجندة الأخرى ولا تحيلها إلى الرف بقدر ما تحولها إلى مادة للضغط والمناورة أيضا.

ما نحاول أن نستنتجه هذه المرة هو أن آسيا الوسطى وليس الشرق الأوسط تحتل قائمة الاهتمامات الأميركية الجديدة، وأن ما حدث في منهاتن أربك الولايات المتحدة وفرض عليها إيقاعات مبكرة ليس إلا.

وهو ما يعني قطعا أن الولايات المتحدة وهي تمضي إلى طريق الحرير وبحر قزوين ستكون بحاجة إلى شرق أوسط غير متفجر، ولكن دون مبادرات كبرى ودون صدامات ساخنة حتى مع قائمة الأعداء الكبار، وستظل تدعو الجميع هنا إلى ضبط النفس، والحوار تلو الحوار بما لا يعكر عليها خيوط اللعبة بين جبال أفغانستان والبر الصيني الذي يتشكل كإمبراطورية بحرية حيث تعتقد الولايات المتحدة أنها سيدة الماء الوحيدة.

وبهذا المعنى فإن آسيا الوسطى وليست آسيا الغربية هي عنوان ما حدث وما سيحدث وذلك في ضوء التتابع المحايد للإستراتيجيات الكبرى كما رسمها ماكندر وسبيكمان وبريجنسكي.

الإستراتيجيات الكبرى


تهديد الأصولية الإسلامية جاء كعنوان ملائم للتضليل في صميم الإستراتيجية الأميركية الجديدة ومجالها الحيوي المنشود في قلب آسيا وبما يمكنها من السيطرة على نفط قزوين ومراقبة تهديد الصين واليابان عن قرب

الأول وهو بريطاني حين اعتبر روسيا قلب العالم "هارت لاند" ومن يسيطر عليها يسيطر على مفاتيح القوة العالمية، وكان ذلك في بدايات القرن العشرين، والثاني وهو الأميركي سبيكمان الذي اعتبر الطرف الآسيوي للهارت لاند وهو الصين قلب العالم، وكانت الجغرافيا السياسية حاضرة عند الاثنين بمعنى "المجال الحيوي".

ثم جاء بريجنسكي مستشار كارتر للأمن القومي وأعاد صياغة هذه التصورات في كتابيه "خطة لعب" و"رقعة شطرنج" واستفاد من سبيكمان خصوصا في استنتاجاته حول الصراع بين الإمبراطوريات البرية "تركيا ثم روسيا" والبحرية "بريطانيا ثم الولايات المتحدة". ولا يمكن النظر للتدخل الأميركي المسلح في كوريا ثم فيتنام والاستعداد الجاري للتورط في أفغانستان خارج التصورات المذكورة، مضافا لها وراثة موسكو في الجمهوريات الإسلامية السابقة، ونفط قزوين.

ولم يعد الخطر الروسي ولا الخطر الصيني الأيديولوجي هو المسوغ الأساسي لهذه التصورات، فروسيا لم تعد إمبراطورية برية كما كانت في العهود السابقة لبطرس الأكبر ولينين وستالين، والخطر الأيديولوجي الصيني فقد بريقه لمصلحة تعاظم جوانب أخرى من القوة الصينية وهي الجوانب الاقتصادية والإستراتيجية.. وإلى الشرق منها اليابان وسوقها المفضل في الأرخبيل والبر الآسيوي الشرقي، الذي يتمتع بكثافة سكانية كبيرة وأيد عاملة رخيصة وماهرة.

وبهذا المعنى فإن الهواجس السياسية والأمنية للإستراتيجيين الكبار السابقين ماكندر وسبيكمان تحولت إلى هواجس اقتصادية في ظل العولمة واستحقاقاتها الجديدة... ودخلت ملاحظات هنتنغتون وبريجنسكي حول الشعارات المطلوبة وتهديد الأصولية الإسلامية كعنوان ملائم للتضليل في صميم الأستراتيجية الأميركية الجديدة ومجالها الحيوي المنشود في قلب آسيا وبما يمكنها من السيطرة على نفط قزوين ومراقبة تهديد الصين واليابان عن قرب.

في هذا السياق يصبح تهديد أفغانستان والاستعداد للتورط فيها مسألة أكبر بكثير من ملاحقة أسامة بن لادن.. ومن المفارقة أن بريطانيا التي أسست أفغانستان كإمارة عازلة عام 1921** ضد التمرد الروسي وتهديده لشركة الهند الشرقية "البريطانية"، تكون قد أسست في الواقع طبقا للتصورات الأميركية حول هذا البلد بالذات وفي حقبة جديدة من السيطرة المالية للإمبراطورية البحرية في خليج نيويورك.

على الصعيد الأيديولوجي فوكوياما يقترب من هنتنغتون بعد ثلاثاء نيويورك وتحت عنوان عريض في الإندبندنت كتب فوكوياما "ما زلت على صواب.. وما زلنا في نهاية التاريخ..".

وقدم لمقالته الجديدة التي ستصدر قريبا في كتاب موسع -كما يقول- بالإشارة لثلاثة تعقيبات تناولت نهاية التاريخ بعد أحداث منهاتن: جورج ويل، فؤاد زكريا، وتلاميذ صموئيل هنتنغتون على حد تعبيره..

وما يهمنا هنا ليس تصوراته المعروفة حول نهاية التاريخ (المقالة والكتاب) وليس توظيفه الخاص لما كتبه هيغل وإعادة إنتاجه بتحويل التاريخ إلى سطح أملس مطلق لا مكان فيه سوى "للكريات الزجاجية" الشفافة في الشمال الأشقر... بل في إعلانه المفاجئ عن اختلافه واتفاقه مع هنتنغتون في الوقت نفسه.

فبعد أن أعلن سابقا أن صدام الحضارات يضعف نظريته حول نهاية التاريخ ويتناقض مع مفهوم هيغل الذي يتحدث عن تعاقب متصاعد للحضارات الجديرة بتمثيل الروح الكلي (الوحش الأشقر عند نيتشة) عاد فوكوياما للاتكاء على هذا الصدام ما دام بيركلي أستاذه الآخر غير قادر على نفي الوجود الموضوعي بإدارة الظهر له، وما دام هيغل نفسه يقدم الذرائع المطلوبة ويتقدم من قبره إلى فوكوياما عبر وسيط ملائم هنتنغتون.

ثمة حضارة واحدة تسود مرة كل بضعة قرون تاركة الغبار والتقاعد للحضارة المنهكة، وثمة عقل كلي يبحث عن الأمة المناسبة للتعين الحضاري المنشود.

تسوية معقولة بين الرجلين لتفسير حادثة الثلاثاء: التاريخ ينفصل عن تجلياته ويصبح محاذيا لنهاياته، والنهايات هذه مفتوحة ضمن قانون الرأسمالية الأبدية والاستراحة الأخيرة للعقل الكلي، والولايات المتحدة هي المخرج الممكن لهذه المعادلة، وما قبل التاريخ ماض برئة معطوبة، وثقافات تواصل البقاء بعناء شديد ولا تملك الحق في التعين والتكيف بوصفها زرافات قصيرة العنق كما كتب لامارك على هامش أصل الأنواع. ومن سوء حظنا في الشرق الإعلامي أن الثمار اليانعة هي في أعالي الشجر، ولا أحد سوانا يعاني من هذه الضائقة.

ولا نعرف على وجه اليقين إن كانت تسوية الثلاثاء بين نهاية التاريخ وصدام الحضارات مفيدة أم ضارة لنا، مثل الوجود الموضوعي الذي أنكره فوكوياما قبل صياح الديك ثلاث مرات وعاد للاعتراف به تحت ضغط تلاميذ هنتنغتون وبحاجة إلى أهداف من لحم ودم في قندهار وحول نفط قزوين.

كان فوكوياما يعتقد أن نهاية التاريخ لا تقبل شركاء من أي نوع، ولكنه منذ التسوية المذكورة بعد حريق نيويورك يتحدث عن سيناريو مختلف وهو يضع يده بيد هنتنغتون أخيرا ويكتشف أن نهاية التاريخ تستدعي شكلا من الصدام بأثر رجعي بين "الليبرالية التي لا تصلح للعمل في كل مكان، وبين الإسلام الذي يجعل المجتمعات الإسلامية تقاوم الحداثة" وتجعل نهاية التاريخ نهاية ملتبسة إلى حين!!.


بعد منهاتن وجراء الحملة على أفغانستان وضحت مؤشرات جديدة تماما وظهر أن قرن الثور قد أنهكت ولن تتحمل الكرة الأرضية لسنوات طويلة

وليس حديثه عن إمكانية التحاق الآخرين (السلاف والآسيويين من غير المسلمين) بالحضارة الغربية مجرد لفتة كريمة للقلاع الأمامية للإمبراطوريات البرية المندثرة، بل محاولة معيارية لتأكيد الاستثناء الإسلامي بالنسبة لكذا وكذا..

وينزلق فوكوياما من حيث لا ينتبه إلى أصابع السيد هنتنغتون ويخسر جولاته السابقة بأثر رجعي أيضا، فالمشكلة مع الدول والشعوب الإسلامية على إطلاقها -كما يقول- ليست مشكلة سياسية ولا تعود لموقف الولايات المتحدة من إسرائيل، بل هي مشكلة ثقافية في جوهرها، وهو ما يقوله هنتنغتون بالضبط ويجعل نهاية التاريخ مستحيلة بهذه الحدة من التناقضات الأبدية بين الحضارات والثقافات.

وهو ما يذكرنا أيضا بنظرية أرنست رينان وقبلهما أرسطو ومونتسكيو ونفوذها في أوساط شرقية أيضا على نحو ما كتب الجابري في ثلاثياته عن العقل العربي وخصوصا العقل الشرقي (الأسيوي) الذي يتراوح بين البيانية والعرفانية، يقابل البرهانية في مغرب ابن رشد وابن حزم الأندلسي.

إن ما التبس على فوكوياما ما قبل ثلاثاء نيويورك وما بعده وجعله يلتحق بخطوط التصدع الحضاري هو الفرق حقا بين أوهام الانتصار الليبرالي الأخير الذي رافق السقوط الاتحاد السوفياتي واستعادة الرئيس السابق كلينتون لخطاب كارتر حول حقوق الإنسان كأيديولوجيا ضد الشيوعية، وبين استنفاذ هذا الخطاب بعد ضمور الخطر الأحمر والعودة عن السياسات الكينزية وأزمة المجتمع الصناعي الحربي الذي يحبه الجمهوريون حبا جما، ولا يكترث لديمقراطية وليبرالية فوكوياما أما الأيديولوجيا الملائمة للدرع الروحي: صدام الحضارات.

على الصعيد الاقتصادي سوق السلاح

مثلت مرحلة الرئيس الأميركي الأسبق ريغان الحقبة الذهبية لصناعة السلاح الأميركي، والتي ازدهرت بصورة نوعية وتعدت الأسلحة التقليدية إلى المحيطات والفضاء الخارجي وكذلك هندسة الجينات والحرب الكيماوية التي ارتبطت بها..

وبقدر ما كان الاتحاد السوفياتي عدوا خطرا وكونيا كان الذريعة المناسبة لعسكرة الرأسمالية وتحويل العالم كله إلى سوق سلاح في الواقع.

كذلك بقدر ما كان المجمع الصناعي الحربي الأميركي سعيدا بانهيار موسكو وحلف وارسو كان يدرك أن هذا العدو لم يكن شرا مطلقا بالنسبة له، وكان عليه أن يتحسب كثيرا من نتائج هذا الفراغ.

ومن الواضح أنه أي المجمع استفاد كثيرا من حرب الخليج الثانية، ووجد فيها تعويضا جزئيا للمناخات الدولية التي تخدم لعبة السلاح وتسويقه بالقوة لمن يرغب ومن لا يرغب، ولم يعد سرا أن الولايات المتحدة أجبرت الدول النفطية وكذلك أوروبا واليابان على تسديد القسم الأعظم من فواتير هذه الحرب والتي قدرت بمئات المليارات صبت كلها في أرصدة الاحتكارات العسكرية الأميركية.

وظل الفراغ السوفياتي بحاجة إلى مزيج من البدائل ومناطق التوتر الكبرى ولا سيما مع تطور الأسلحة واتساع مظلتها الإستراتيجية على غرار الدرع الصاروخي.

ورغم التباين الضئيل بين الحزبين الكبيرين الديمقراطي والجمهوري في ما يخص الإستراتيجيات الخارجية إلا أن فترة كلينتون كما فترة كارتر والتركيز على التجارة العالمية واستثمار حقوق الإنسان لأهداف سياسية ليست هي الفترة التي تحتاجها شركات السلاح مقارنة بالخيارات الجمهورية الممثل لأبرز هذه الشركات، ولا يكمن الفرق في السوق الخارجي للسلاح بقدر ما يكمن في السوق الداخلي أيضا وحاجة المجتمع إلى مشترين من طراز خاص مثل وزارة الدفاع الأميركية نفسها.

ولذلك فإن السباق إلى البيت الأبيض بين بوش وآل غور كان انتصارا للمجمع الحربي قبل أن يكون انتصارا للمجمع الجمهوري الانتخابي ولم ير في "عار الثلاثاء" أكثر من ذريعة جديدة لإعادة إنتاج نفوذه وبرامجه الخرافية كما كانت قبل الانهيار السوفياتي.

استنتاجات

قرن الثور قد أنهكت
إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تعظيم الأرباح من دبلوماسية البوارج ووضع أطراف النظام العالمي تحت الابتزاز الدائم فإن ميزان الأرباح والخسائر الأميركي بعد منهاتن وجراء الحملة على أفغانستان يقدم مؤشرات جديدة تماما ويظهر أن قرن الثور قد أنهكت ولن تتحمل الكرة الأرضية لسنوات طويلة.

وباستثناء المجمع الصناعي الحربي الذي أدار السياسات الأخيرة معتمدا على أيديولوجيا هنتنغتون والعدو الموهوم في آسيا لتبرير سوق السلاح المرعبة فإن القطاعات الأخرى في الاقتصاد ومنظومة السيطرة الأميركية على العالم أمام استحقاقات جديدة أخطرها بالنسبة لهذه المنظومة:

المجتمع السياسي في مواجهة المجتمع المدني
فتحت شعار مكافحة الإرهاب ثمة حاجة إلى إعادة الاعتبار للطابع البوليسي الإقصائي للدولة، وتراجع كذبة فوكوياما أمام كذبة هنتنغتون الليبرالية ونهاية التاريخ أمام صراع الحضارات الأيديولوجيا الملائمة لاحتكارات السلاح.

اتفاقيات بريتون وودز في مواجهة الكينزية الجديدة
إن الولايات المتحدة بعد منهاتن وليس أوروبا بعد الحرب الثانية مضطرة لإعادة إنتاج الكينزية التي اعتبرت لسنوات طويلة الخطر الداخلي على العولمة الأميركية.

ولدينا الآن ومنذ 11-9 في منهاتن أكثر من مؤشر على أن هذه الاتفاقيات في طور المراجعة وربما الانهيار.

على الصعيد الاقتصادي: فإن الكساد من شأنه أن يعيد النظر بفكرة تحرير التجارة من أساسها ويعيد الاعتبار لأفكار كينز والسياسات الحمائية.

وعلى الصعيد المالي -النقدي- إذا استقرت أسعار الذهب بعد ارتفاعها الأخير فذلك مؤشر على أن الدولار فقد دوره كمعيار حاسم وربما يعاد الاعتبار للمعادل الذهبي التقليدي والفلسفة الأوروبية وخاصة الديغولية، ومن المعروف أن الاتفاقيات المذكورة حافظت بالتدريج على دور ضئيل للذهب كمعادل عالمي في المنظومة العالمية النقدية واحتياطي البنوك المركزية، وكان الفرنسيون والروس والصينيون يميلون لكوتا ذهبية أعلى لم تفلح في البقاء حتى الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول. وبدت نهاية الذهب صورة لما قاله أو اعتقده فوكوياما عن نهاية الأيديولوجيا والتاريخ على عتبات مركز التجارة العالمي في نيويورك.

الغريب والمدهش أن انتعاش الذهب بعد زلزال منهاتن سبقه اهتمام ملحوظ باحتياطي الذهب في روسيا والصين وفرنسا. وحسب دراسات عربية فإن موسكو أبدت ملاحظات مبكرة مسبوقة حول الانهيار الوشيك للدولار والنظام النقدي العالمي قبل أحداث نيويورك، وتحدثت عن الوقت الذي حان لسد الفراغ الناجم عن الانهيار غير المعلن لاتفاقيات برتون وودز منذ عدة سنوات.

وتؤشر على أن روسيا التي تمتلك أكبر احتياطي من الذهب في العالم هي المستفيد الأول من انهيار المكانة المعروفة للدولار في النظام النقدي العالمي.

وتضيف نقلا عن الكاتبة الأميركية راشيل دوغلاس أن هذا الموضوع رافق الرئيس بوتين كظله منذ عام 2000 وكان يوازي اهتمامه بالأمن الإسترتيجي لروسيا الجديدة، ونظم لهذه الغاية عدة حلقات متخصصة مع باحثين أميركيين بينهم المعارض ليندون لاروش المعروف بعدائه الشديد للنظام النقدي السابق ودعوته للنظرية الديغولية حول الذهب، ولم تكن روسيا الوحيدة التي اتخذت سياسات محددة وفق نظام احتياطي الذهب قبل أحداث نيويورك، فقد اتخذت الصين سياسات مماثلة، وكذلك ماليزيا، وتناقش اليوم في فرنسا على نطاق واسع.

خسارة الورقة الإسلامية
في ما مضى كانت الورقة الإسلامية رابحة ضد موسكو وبكين وعبد الناصر في آسيا الوسطى الشرق كما استخدمتها ضد أوروبا عبر الجماعات الإسلامية في يوغسلافيا السابقة ومن المفارقة أن واشنطن التي تواطأت مع هذه الجماعات في الشيشان وأفغانستان لطرد الروس تبحث عن تحالفات مع موسكو لتصفيتها.
_______________
كاتب وصحفي أردني
** الواقع أن أفغانستان قامت كدولة مستقلة عام 1747 وقد حدث تفاهم روسي بريطاني في منتصف القرن التاسع عشر على أن تبقى أفغانستان دولة محايدة عازلة وألا تتجاوز روسيا نهر آمو إلى الجنوب، وربما كان هذ الاتفاق التاريخي هو الأساس الذي اعتمدت عليه الولايات المتحدة في التدخل بقوة ضد الاحتلال السوفياتي لأفغانستان عام 1979. (المحرر)