جندي أميركي يضع حذاءه على عنق أحد العراقيين المحتجزين
والمكدسين في سيارة تقلهم إلى أحد مراكز الاعتقال (الفرنسية-أرشيف)

محمد عبد العاطي

على مدى العام الماضي ومنذ إطلاق الرصاصة الأولى في الحرب الأميركية ضد العراق شغلت قضية حقوق الإنسان المعنيين بالأمر، وتساءلوا بقلق عن أوضاع المدنين العراقيين أثناء الحرب وبعدها.

ورغم أهمية هذه القضية فإن أسبابا كثيرة حالت دون حضور مكثف للمنظمات الدولية المتخصصة والمعنية برصد هذه الانتهاكات من أبرزها الأوضاع الأمنية المضطربة التي شهدها العراق والتي جعلت من نشاط هذه الفرق عملية محفوفة بالمخاطر، وعدم احتفاظ قوات الاحتلال في العراق بسجلات لأعداد القتلى والجرحى من المدنيين.

ومع ذلك فإن الأمر لم يخلُ من بعض الزيارات القصيرة التي قامت بها هذه المنظمات ورصدت خلالها أوضاع حقوق الإنسان هناك، ولم يخل كذلك من تقارير إعلامية ميدانية وثقت بعضا من هذه الانتهاكات والتي يمكن تلخيص بعض مظاهرها في العناوين التالية:


تقول القيادة الوسطى الأميركية إن قواتها استخدمت في العراق 10782 من القذائف العنقودية كانت تحتوي على 1.8 مليون قنيبلة، مما تسبب في مقتل ألف مدني على الأقل في الأيام الأولى للحرب
هيومن رايتس ووتش

استعمال أسلحة فتاكة بالمدنيين
كان أول ما لفت نظر المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان في العراق ذلك الاستخدام المفرط لأنواع من الأسلحة في الأيام الأولى للحرب، والتي لم يقتصر تأثيرها المدمر على العسكريين وحدهم وإنما امتد كذلك ليصيب أعدادا كبيرة من المدنيين.

ومن هذه الأسلحة القذائف العنقودية التي استخدمت "على نطاق واسع" من قبل القوات الغازية الأميركية والبريطانية. هذه القذائف عبارة عن مقذوفات كبيرة تحتوي على العشرات أو المئات من القنيبلات الصغيرة التي تنتشر عند انفجارها على نطاق واسع، محدثة قتلا كبيرا في صفوف المدنيين الذين تأثروا كثيرا بهذه الأسلحة خاصة في الأيام الأولى للحرب.

وبحسب القيادة الوسطى الأميركية فإن قواتها استخدمت 10782 قذيفة عنقودية كانت تحتوي على 1.8 مليون قنيبلة على الأقل، كما استخدمت القوات البريطانية 70 قذيفة من النوع نفسه أطلقت من الجو و2100 أخرى أطلقت من الأرض تحتوي على 113190 قنيبلة.

وبرغم أن شن الهجمات بالذخائر العنقودية محفوف بأخطار بالغة في المناطق الآهلة بالسكان "فقد عمدت القوات البرية الأميركية والبريطانية إلى استخدام هذه الأسلحة مراراً" كما تقول منظمة هيومن رايتس ووتش.

إطلاق النار العشوائي على الأحياء السكنية
ولم يقتصر "الاستهتار" على حد وصف المنظمة السابق ذكرها باستخدام مثل هذه الأنواع من الأسلحة الفتاكة، وإنما تعداه إلى إطلاق النار الكثيف وعلى مساحات واسعة من الأحياء المكتظة بالسكان.

ولم يكن لدى القوات الأميركية والبريطانية التي أقدمت على ذلك معلومات مؤكدة عن أهدافها، وإنما كان كل ما لديها عبارة عن معلومات استخباراتية غير دقيقة على حد تعبير تقارير العديد من المنظمات الدولية لحقوق الإنسان. وكان أغلب هذه المعلومات خاصة في الأيام الأولى للحرب يأتي عن طريق رصد مكالمات تلفونية بالهواتف المتصلة بالأقمار الصناعية (الثريا) وتوجيه النار مباشرة إلى مصدر هذه المكالمات، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى دون إصابة الهدف مباشرة. والسبب في ذلك هو أن هذه الهواتف لا تحدد بدقة بل على مساحة تتجاوز المائة متر لمكان مستخدمها.

استهداف منشآت غير عسكرية
أصابت قوات الاحتلال عن عمد -على حد وصف المنظمات الحقوقية الدولية- بعض المنشآت غير العسكرية ولا سيما منشآت الطاقة، الأمر الذي تسبب في معاناة كبيرة وخطيرة للمواطنين كما حدث على سبيل المثال في مدينة الناصرية.


الإفراط في استعمال القوة تسبب في مقتل أكثر من 10 آلف مدني عراقي لقوا حتفهم على أيدي قوات الاحتلال منذ اليوم الأول للحرب حتى الآن
IBC

الإفراط في استعمال القوة
ومن الأمور التي ألحقت أذى كبيرا واعتبرت انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في العراق، الإفراط غير المبرر في استخدام القوات الأميركية للقوة على نحو لا يتسم "بالحصافة والاعتدال والتناسب وحسن التقدير" كما ينص القانون الدولي.

هذا الإفراط غير المبرر في استعمال القوة أدى إلى مقتل ما يزيد عن 10 آلاف مدني بحسب إحصائيات IBC .*

إهانة المواطنين
ومثلت قضية أساليب تعامل الجندي الأميركي مع المواطن العراقي والتي تميزت بما أسمته منظمة هيومن رايتس بمنهج "رامبو" الذي يعتمد على الغطرسة والتعالي، أحد مظاهر انتهاكات حقوق الإنسان العراقي على مدى العام الماضي.

ومن الأمثلة التي استشهدت بها هذه المنظمات وضع الجنود الأميركان أرجلهم فوق رؤوس العراقيين الذين يوقفونهم للمساءلة قبيل اعتقالهم، وكذلك تفتيش المجندين الأميركان الذكور للمواطنات العراقيات و"لمس أجسامهن" بطريقة مهينة لكرامة ومشاعر الإنسان العراقي ذكرا كان أو أنثى بحسب ما جاء في تقارير تلك المنظمات.

تغمية العيون وتقييد الأيدي من وسائل تعامل الجندي الأميركي مع الموقوفين للتفتيش

انعدام المساءلة القانونية
وكانت قضية المساءلة القانونية للجندي الأميركي عن الأخطاء التي يرتكبها أثناء خدمته في العراق من الملامح المهمة التي رصدتها منظمات حقوق الإنسان واعتبرتها من الأسباب الرئيسية للعديد من مظاهر انتهاك هذه الحقوق على مدى العام الماضي، حيث إنه ووفقا
للأمر التنظيمي رقم 17 لسلطة التحالف المؤقتة "لا يجوز للمحاكم العراقية مقاضاة جنود التحالف".

هذا النص جعل كل الادعاءات المتعلقة بالإفراط في استعمال القوة وأعمال القتل الخطأ والقتل غير المشروع ومحاسبة القادة والجنود عن ذلك، أمرا غير خاضع لجهة محايدة بل تقوم به الجهات نفسها المتهمة بارتكاب مثل هذه الأعمال. وذلك كما يقول الخبراء القانونيون لمنظمات حقوق الإنسان خلق مناخا من الحصانة شعر من خلاله الكثير من الجنود الأميركان والبريطانيين أن بمقدورهم الضغط على الزناد دون الخضوع لأي محاسبة أو مراجعة.

إيذاء الصحفيين
وثقت منظمات حقوق الإنسان كذلك ما لحق بالصحفيين العاملين في العراق من أذى بدءا من التوقيف والتفتيش مرورا بالحبس والاعتقال وانتهاء بالقتل. وقد أحصت منظمة "صحفيون بلا حدود" أعداد من قتلوا من الصحفيين في العراق على مدى عام كامل بـ12 صحفيا كان من أوائلهم مراسل قناة الجزيرة طارق أيوب ومن أواخرهم مراسل قناة العربية علي الخطيب ومصورها علي عبد العزيز.

وغير بعيد عن ذلك ما تحدثت عنه بعض المؤسسات الصحفية العاملة في العراق من تعرضها لتمييز في المعاملة خاصة في ما يتعلق بفرص التغطية المميزة لبعض الأحداث والتي تمنحها القوات الأميركية لبعض المؤسسات وتحجبها عن الأخرى التي لا ترضى عن تغطيتها الإعلامية.

يتحدث من أفرج عنهم من المعتقلين العراقيين عن تعرضهم لسوء المعاملة

سوء معاملة المعتقلين
وتعتبر قضية المعتقلين العراقيين من الملامح البارزة في مشهد انتهاك حقوق الإنسان العراقي كما تقول المنظمات المعنية بذلك، حيث لا يعرف على وجه الدقة ومن مصادر محايدة أعداد هؤلاء المعتقلين، ولا يعرف كذلك وبصورة شفافة أوضاعهم داخل السجون والمعتقلات إذ إن أمر زيارة هذه السجون والاطلاع على أوضاعها ليس متاحا لكل المنظمات الحقوقية الدولية.

وكل ما أعلنته مصادر الاحتلال عن أعداد المعتقلين لديها أنهم بلغوا 13 ألف معتقل، في حين تذكر مصادر أخرى عراقية محلية أن العدد أكبر من ذلك بكثير.

أما المعتقلون أنفسهم فقد تحدث كثير منهم عن تعرضهم لسوء المعاملة كالضرب والتعذيب والحبس في زنزانات انفرادية دون تحقيق ودون توجيه أي تهمة قبل الإفراج عنهم دون تعويض.

تبقى قضية حقوق الإنسان من القضايا الحساسة للإنسان العراقي ليس فقط لأنها تؤثر عليه في مجريات حياته اليومية، ولكن لكونها أيضا متعلقة بحملات الدعاية الكثيرة التي صاحبت التحركات الأميركية قبل غزوها للعراق.
_____________
قسم البحوث والدراسات- الجزيرة نت

* IBC هي مؤسسة بحثية غربية مستقلة تخصصت في إحصاء أعداد القتلى من المدنيين العراقيين، واعتمدت على متوسط الأرقام التي تعلن عنها يوميا المصادر العسكرية الرسمية لقوات الاحتلال في العراق وما تجمع عليه ثلاث وكالات أنباء كبرى على الأقل إضافة إلى مصادر عراقية محلية.
المصادر:
1- تقارير المنظمة الدولية لمراقبة حقوق الإنسان عن العراق
2- تقارير منظمة العفو الدولية عن العراق
3- برامج قناة الجزيرة وخاصة برنامج المشهد العراقي
4- التقارير الميدانية لموفدي الجزيرة نت إلى العراق