الانتخابات البرلمانية الكويتية

* بقلم/ عبد الرحمن النعيمي

تتناول هذه الورقة الأولية خمسة محاور رئيسية وفقا لما جاء في ورقة منهج إعداد أوراق اللقاء الخامس والعشرين لمنتدى التنمية حول "إصلاح جذري.. رؤية من الداخل". وسوف يتم تنقيح الورقة على ضوء المناقشات التي ستدور حول هذه القضية في اللقاء.

توصيف الخلل السياسي
رصد أبعاد الخلل ومخاطره وتداعياته
الأهمية الإستراتيجية لإصلاح الخلل
إمكانية إصلاح الخلل علميا
مستويات متطلبات إصلاح الخلل

عبد الرحمن النعيمي

جدير بالتأكيد أنه سوف يتم التطرق إلى مفهوم الديمقراطية المنشودة باعتبارها السبيل إلى تفكيك الاستبداد في الحياة السياسية وطوق النجاة لحياة أفضل. كما سوف يتم تحري القواسم المشتركة لقيام حركة ديمقراطية فاعلة.

توصيف الخلل السياسي

تسيطر على السلطة السياسية في (دول مجلس التعاون ) أسر حاكمة، وقد وصلت هذه الأسر إلى الوضعية الراهنة عبر تطور تاريخي، سواء لدورها في عملية التحرر من السيطرة الأجنبية (كأسرة البوسعيد التي قاد مؤسسها الإمام أحمد بن سعيد عملية تحرير البلاد من السيطرة الفارسية، أو عبر اعتناقها لمذهب ديني، واعتبرت أن عليها رسالة نشر هذا المذهب في أرجاء المنطقة، كما هو الحال مع البيت السعودي الذي تحالف مع الداعية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليقيم الدولة السعودية الأولى في القرن الثامن عشر، ويعيد بناء الدولة بعد كل انهيار لها، وتمكن الملك عبد العزيز من إعادة بناء الدولة السعودية الثالثة بعد استيلائه على الرياض بداية القرن المنصرم، أو نتيجة وضعها القبلي وتوقيعها اتفاقيات الصلح مع بريطانيا مطلع القرن التاسع عشر، كما هو حال الأسر الحاكمة في الإمارات السبع المشكلة لدولة الإمارات العربية المتحدة، أو نتيجة غزوها واستيلائها على مقاليد الأمور في منطقة أخرى كما هو الحال في البحرين حيث استولت الأسرة الحاكمة على جزر البحرين وحررتها من السيطرة الفارسية) وبالتالي فإن هذه الأرضية التاريخية التي حصلت على الدعم السياسي والعسكري لاحقاً من القوى الأجنبية قد جعلها القبيلة المهيمنة في تلك المنطقة، واعتبرت نفسها فوق المجتمع لاحقاً، ولها امتيازات يتوارثها الأبناء عن الآباء واعتبرت أن الأرض وما عليها وما تحتها ملك للأسرة الحاكمة، يحق لها المصادرة والاستيلاء على أراضى المواطنين تحت ذرائع الفتح (وهو تعبير غير موفق حيث أن الفتح ارتبط بالفتوحات الإسلامية لبلاد يسكنها من لم يكونوا على ملة الإسلام، أو النصر على القبائل الأخرى، وأعطت نفسها حق التصرف بحرية المواطنين الآخرين سواء بتقريبهم إليها أو حرمانهم من المواطنة أو الإبعاد أو المصادرة أو التضييق عليهم في سبل العيش. وتميز سلوكها بالتمييز القبلي أو الطائفي أو العرقي.. وقد حصلت على الدعم الأمني والسياسي والعسكري من المستعمر البريطاني أو الأميركي لاحقاً.


بات متعارفاً عليه أن هناك وزارات سيادة مقصورة على أبناء الأسر الحاكمة كرئاسة الوزراء أو الخارجية أو الداخلية أو الدفاع أو الأمن

وبالرغم من أن هذه الأسر الحاكمة قد استولت على السلطة قبل اكتشاف النفط، إلا أنها كانت تتصرف على أنها الفئة المدعومة من قبل القوى الأجنبية وتتمتع بموقع ممتاز في الخارطة الاجتماعية/ الطبقية سواء بالنسبة للتجارة أو مصائد اللؤلؤ أو الأراضي الزراعية. وقد تحققت لها نقلة نوعية بعد اكتشافات النفط، حيث تدفقت على البلاد ثروات كبيرة عوضتها عن الاعتماد على المجتمع، واعتبرت الدخل النفطي ملكية خاصة لها وليس ملكية للمجتمع، وتغيرت وضعية الاعتماد المتبادل بينها وبين البيوتات المالية أو التجارية، حيث باتت متداخلة مع الدولة الحديثة، تعتبر المال العام ملكاً خاصاً لها، وبدأت تبني جهاز الدولة لتكون هي عموده الفقري، وأقامت المؤسسات الأمنية والعسكرية التي تربع أفرادها على قمتها.

ومع تزايد الثروة النفطية تزايدت هيمنة الأسر الحاكمة، حيث لم تكتف بالسيطرة على العائدات المالية وإنما أرادت أن يكون التطور الاقتصادي مبنياً على الامتيازات التي تحصل عليها، وامتدت سيطرتها على الأراضي والعقارات وكافة ثروات البلاد، واستخدمت نفوذها السياسي للحصول على المزيد من الثروة، وترتيب الولاءات المحلية بناء على العلاقات بين أفراد الأسرة الحاكمة وبقية البيوتات التجارية أو المالية أو الصناعية في البلاد، حيث بات معروفاً أهمية وجود أفراد الأسر الحاكمة في أية مشاريع أو صفقات من مختلف الأنواع، تحصل عبرها على العمولات أو حصة في المشاريع.

يمكننا ملاحظة سيطرة البيت الحاكم على مفاصل الدولة، بل وعلى مواقع كثيرة في الجهاز التنفيذي أو المناطق، وبات متعارفاً عليه أن هناك وزارات سيادة لا يمكن لأي مواطن أن يكون مسؤولاً عنها، كرئاسة الوزراء أو الخارجية أو الداخلية أو الدفاع أو الأمن. بل إن بعض الأسر الحاكمة قد تمدد نفوذها بحيث استولى أفرادها على الكثير من الوزارات الأخرى التي يمكن من خلالها الحصول على المزيد من الثروة والنفوذ. وحيث أعادت تقسيم البلاد إلى محافظات أو ولايات، فقد عمدت إلى وضع أفراد من الأسرة الحاكمة في المراكز الأولى في مثل هذه المحافظات (محافظين أو أمراء مناطق)، وخاصة في المناطق التي تتمتع بأهمية عسكرية أو أمنية أو مالية. ومع تطور الوضع الإداري فإننا نشاهد المزيد من تغلغل أفراد الأسرة الحاكمة في مواقع أخرى من الجهاز التنفيذي سواء كوكلاء وزارات أو مديرين عامين يتمتعون بحقوق وامتيازات تفوق الوزراء الآخرين من غير أبناء الأسرة الحاكمة.

وفي عملية التأسيس، وخاصة بعد تدفق الثروة النفطية، بنت هذه الأسر الحاكمة بالتعاون مع الدول الأجنبية الأساسية ذات المصلحة (الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا.. ) جيوشاً وأجهزة أمنية ضخمة، تربعت على سدتها ورسخت الولاء لها بالدرجة الأساسية، وجعلت عقيدتها العسكرية والأمنية مرتبطة بالولاء للأسرة الحاكمة، وبالتفكير المذهبي السائد، كما نشاهد في المملكة العربية السعودية، حيث بنيت الدولة على التحالف بين البيت السعودي وبيت آل الشيخ. وغدا المجتمع يتمتع بسيطرة الأسرة الحاكمة من جهة والنفوذ الديني الكبير لجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما ضاعف من الاستبداد السياسي والمذهبي الذي تمارسه السلطة على المواطنين والسكان عموماً.

وفي الوقت الذي اعتمدت الأسر الحاكمة على التحالفات القبلية والأسرية في المرحلة السابقة للنفط، فإنها فتحت الباب على مصراعيه لتدفق العمالة العربية والأجنبية التي تزايدت أعدادها بدرجة كبيرة، لكنها جموع لا تتمتع بأية حقوق سياسية وتبيع قوة عملها لصالح فئات اجتماعية محلية، لكنها تتيح المجال لبقاء الأسر الحاكمة في قمة الهرم السياسي والاقتصادي في البلاد، وتضعف قدرات القوى الاجتماعية المحلية ذات المصلحة من تشكيل الضغوطات على هذه الأسر الحاكمة للتنازل عن الامتيازات السياسية أو الاقتصادية الكبيرة.

وفي عملية التأسيس للدولة أو المجتمع، اعتمدت هذه الأسر على تفكيك المجتمع عبر تقسيمه إلى درجات من المواطنية ومن السكان غير المحليين الذين لا يتمتعون بأية حقوق سياسية، وحرم الكثير منها المرأة من أية حقوق، بل ويمارس عليها الاضطهاد الاجتماعي والحرمان من أبسط الحقوق كما نشاهد في المملكة العربية السعودية.

وانطلاقاً من كونها أسرا مالكة وحاكمة، فإنها تعتبر المواطنين رعايا، وأن من حقها التاريخي الموروث أن تتصرف بالبلاد والعباد كما تراه مناسباً، مما أفرز تطوراً ملحوظاً باتجاه الملكيات المطلقة والاستبداد السياسي الذي يعاد إنتاجه باستمرار عبر المزيد من هيمنة أفراد الأسر الحاكمة على السلطة والمال العام والأراضي وعدم استعدادهم لتطوير الوضع السياسي بحيث تشترك معهم فئات اجتماعية أخرى،
وتقوم الأسر الحاكمة بتوزيع المواقع بين أفرعها أو شخصياتها الأساسية مما وضعها في صيغة الحزب الحاكم، وتسيطر على المفاصل الأساسية للسلطة كالدفاع والداخلية والمالية وغيرها من وزارات السيادة.

فالملك أو الأمير أو السلطان هو صاحب صلاحيات مطلقة إلى درجة كبيرة، مما يعني أن النظام يعيد إنتاج نفسه بتقوية مواقعه مع كل تطور تشهده البلاد، عبر الانفراد بالمخصصات من المال العام والاستيلاء على المواقع الحساسة في الجهاز التنفيذي أو استيلائه على المزيد من الأراضي بوضع اليد عليها، أو هيمنته على مفاصل الوضع الاقتصادي بحيث تحولت الأسر الحاكمة إلى العمود الفقري الأساسي للطبقة البرجوازية العقارية أو المالية أو التجارية في غالبية دول المنطقة، ولا تسمح إلا بالفتات للفئات الشعبية الأخرى، واعتبرت أي حديث عن المشاركة السياسية عبر مؤسسات تشريعية بدعة خارجية، وفي حالة موافقتها على وضع دساتير (عقدية أو ممنوحة) فإنها تحرص أن تكون لها الغلبة في صنع القرار، ولها الحق في إلغاء أو تعديل المؤسسات القائمة بما يضمن عدم مشاركتها في التشريع أو الرقابة على المال العام.

مواطن بحريني يدلي بصوته في الانتخابات البلدية

على الصعيد الموضوعي تطورت المجتمعات الخليجية، حيث لم تعد مجتمعات تعتمد على قطاعات الإنتاج الطبيعي التقليدي من الزراعة والرعي وصيد السمك والتجارة التقليدية وما شابه، بل تم غزوها بقوة من الخارج وأُدخلت في النظام الرأسمالي العالمي عبر شركات النفط والبنوك المالية والشركات المتعددة الجنسيات التي تدفقت على المنطقة والخبرات والكوادر الأجنبية، واضطرت هذه الأسر إلى إدخال التعليم الحديث، والاستعانة بالتطور التقني الكبير، مما أبرز فئات اجتماعية محلية متعلمة وفنية، أو باتت تمتلك قدرات سياسية أو إدارية أو اقتصادية كبيرة بالإضافة إلى الدور الكبير الذي أحدثته ثورة المعلومات والفضائيات من انتشار الوعي السياسي والمعرفة التقنية والاحتكاك بكل المجتمعات العالمية المتقدمة، وبالتالي فإن مصالح الدول الأجنبية ومصالح الفئات الاجتماعية الجديدة التي أفرزها التطور الموضوعي قد فرضت تحديث الأنظمة الإدارية والسياسية على حد سواء.

إلا أن الأسر الحاكمة، في الوقت الذي استجابت وبدرجات متفاوتة بين منطقة وأخرى إلى قوانين التطور الموضوعي لتحديث النظام الإداري وإقامة مؤسسات الدولة وسن قوانين لضبط حركة المجتمع، فإنها استعانت بالتجربة العربية القمعية وبالإرث الاستبدادي، لمنع قوى المجتمع من التطور، بل أقامت مؤسسات مجتمعية (شبابية، رياضية واجتماعية، أندية وما شابه) لتحكم سيطرتها على المجتمع، وبدأت تعيد تنظيم صفوفها لتتمكن من ضبط مصالح مختلف أفراد الأسر الحاكمة، في الوقت الذي سلطت أجهزة الأمن على قوى المجتمع لمنعها من تنظيم صفوفها في أحزاب أو نقابات أو جمعيات مهنية أو اتحادات طلابية أو شبابية أو نسائية.

وبالتالي فإن تباعداَ وافتراقاً متزايداً بين التطور الموضوعي، البناء التحتي للمجتمع، وبين الوضع السياسي المسيطر عليه من قبل الأسر الحاكمة قد تزايد، كما تزايدت الهوة بين النظام السياسي المحلي وما وصلت إليه بلدان العالم، وخاصة بعد انهيار الأنظمة الشمولية التي مثلتها المنظومة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفياتي، من أنظمة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان واشتراك المواطنين في صنع القرار السياسي، عبر مؤسسات تشريعية ورقابية معروفة.

لذا فإن مجتمعاتنا تشهد تشوهاً كبيراً في أوضاعها، إنها تعيش تحت خط الفقر السياسي بمراحل. وأبرز مظاهر التشوه:

  • حرص الأسر الحاكمة على استمرار التركيبة القديمة سواء القبلية أو المذهبية بحيث يستمر الصراع أو التنافس القبلي والمذهبي، بإعطاء امتيازات لمشائخ القبائل الذين تصطفيهم السلطة، والتعامل مع رجالات الدين أو المذهب في حل المشاكل السياسية الناجمة كما شاهدنا في البحرين والمملكة السعودية.
  • خلق حالة من البحبوحة الاقتصادية والمعيشية للمواطنين عندما تفيض الموارد وتوفير فرص عمل غير حقيقية للمواطنين عندما تسمح الميزانية لتغطية فشلها في خلق وظائف إنتاجية حقيقية وقاعدة اقتصادية بديلة للنفط مما يجعلهم في وضعية أرقى وأفضل من بقية السكان.
  • استمرار حالة التمايز بين المواطنين على أساس التقادم الزمني حيث السكان الأصليين والمجنسين، والتمايز بين المرأة والرجل، وبين المواطن والبدون، مما يوجد عدم مساواة بين أبناء الوطن.
  • الاعتماد على العمالة العربية أو الأجنبية الوافدة، بغض النظر عن الحاجة إليها، والتعامل معها بشكل غير إنساني في الكثير من الحالات، حيث لا يشعر الوافد بالاستقرار أو المساواة القانونية، مما يخلق بوناً بينه وبين بقية المواطنين، ويضاعف من الاحتقان والتوتر بين المواطنين والوافدين، وقد يتحول إلى صراع مكشوف يخسر المواطنون فيه بسبب عدم قدرتهم على المنافسة، وإذا حصل الوافدون على حقوق تلغى بقوانين.
  • استمرار هيمنة الأسر الحاكمة وبطريقة أبوية من حيث المظهر، على المجتمع، حيث يتصرف الحاكم بأنه والد الجميع ويمكنه أن يحل مشاكل الجميع عبر مجالسه الخاصة بدلاً عن المؤسسات الرسمية.
  • التطور الكبير في أوضاع الطبقات والفئات الاجتماعية وحاجتها إلى بلورة قوانين ومؤسسات عصرية قادرة على دفع عجلة التطور إلى الأمام وتلبية مصالحها.
  • تزايد الهوة بين النظام السياسي في المنطقة وما وصل إليه العالم من تقدم ديمقراطي وحقوقي سواء للمواطنين أو الفئات السكانية الأخرى، وبالتالي تزايدت المطالبة المحلية بسن دساتير وإقامة مؤسسات تشريعية ورقابية، وإطلاق حرية التعبير والسماح بإقامة الأحزاب والنقابات وكافة مؤسسات المجتمع المدني على غرار ما هو موجود في غالبية البلدان الديمقراطية.
    وبالرغم من حديث الأنظمة ومنظريها والمدافعين عنها عن خصوصيات هذه الأنظمة، إلا أن الجميع بات مقتنعاً بأن النظام الرأسمالي الذي ساد اقتصادياً على الصعيد العالمي، لا بد أن يسود بأشكاله السياسية على الصعيد العالمي أيضا، وأن وجود أنظمة متخلفة في أي موقع في هذا العالم الصغير سيؤثر سلباً على مصالح كافة الدول الأخرى، مما يضاعف من حجم الضغوطات على هذه الدول المتخلفة، عبر الضغوطات المنفردة أو عبر المؤسسات الدولية والاتفاقيات التي بدأت تتدخل في الكثير من الخصوصيات، وتعتبرها قضايا عامة كحقوق الإنسان ومسألة المرأة والعمالة وحقوق العمالة الأجنبية والمشاركة السياسية وغيرها من القيم الإنسانية.

ولعل من القضايا التي باتت مسلمات في كافة بلدان العالم، عدا بعض الدول الأساسية في دول مجلس التعاون الخليجي، والتي لا يمكن الحديث عن التطور السياسي بدون إيجادها هي التالي:

  1. إن انقسام المجتمع إلى طبقات وشرائح وفئات يقتضي تنظيم هذه الفئات بما يحافظ ويدافع عن مصالحها، وبات من المتعارف عليه حق العمال في تنظيم أنفسهم في نقابات عمالية واتحادات مهنية، والتجار والصناعيين في غرف التجارة، إضافة إلى المهنيين والأطباء والمحامين وغيرهم من الفئات المتخصصة، وانعدام النقابات في أغلب هذه البلدان يجعل العمال المحليين والأجانب فريسة أرباب العمل، ولا يمكن أن تستمر الأوضاع في هذه القطاعات على ما هي عليه.
  2. إن الفئات الاجتماعية المختلفة المصالح والرؤى تنظم نفسها في أحزاب وتجمعات سياسية علنية شرعية تشكل الأساس للبناء السياسي الديمقراطي في الكثير من البلدان، وتشكل الأرضية لمسألة تداول السلطة في البلدان الديمقراطية.
  3. لا بد من تنظيم العلاقة بين مختلف فئات المجتمع، سواء الحاكمة أو المحكومة، وذلك بسن دساتير تصدق عليها جمعيات تأسيسية، وتنبثق عنها مؤسسات تشريعية تعبر عن مبدأ "الشعب مصدر السلطات جميعاً" ومبدأ الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية.
  4. إن حرية التعبير والنشر والصحافة والاستفادة من وسائل الإعلام من قبل كل فئات المجتمع باتت ضرورة لتطور المجتمع، نظراً لما تتمتع به الصحافة من دور كبير في الرقابة على السلطة والمجتمع، مما يعني الأهمية الفائقة للشفافية، لمكافحة كل أوجه الفساد المالي والإداري الذي يتضاعف في ظل أنظمة شمولية واستبدادية تعتبر المال والسلطة ملكاً للأسر الحاكمة.

رصد أبعاد الخلل ومخاطر استمراره وتداعياته المستقبلية


انتشرت الحركات الإسلامية في منطقة الخليج واستخدمت المال لبسط نفوذها على المجتمع وعلى التبشير بمواقفها عالمياً مما جعل منطقتنا في تصادم مع القوى الكبرى

لا شك أن كل بلد من بلدان مجلس التعاون قد تطور ضمن خصوصياته، فلا يمكن تعميم التجربة البحرينية على دولة الإمارات، ولا يمكن مقارنة الوضع السعودي بالوضعية الكويتية رغم التشابه في بعض الجوانب أو السمات الأساسية
تكمن أبعاد الخلل المشترك في استمرار الأسر الحاكمة في السلوك السياسي القديم، وتمتعها بحقوق مطلقة في المال العام والأملاك العامة والأراضي وتمتعها بامتيازات تجارية ووظيفية واجتماعية وعدم الاستجابة للمطالب الشعبية في تطوير الوضع السياسي وتحديث الأوضاع، وإصرارها على السير في طريق الملكيات المطلقة بدلاً من التطور في طريق الملكيات الدستورية.

كما أن السلوك السياسي القديم للأسر الحاكمة في الاعتماد على بعض القوى الدينية والتي أرادت من خلالها مواجهة الحركات القومية والتقدمية، خاصة بعد الارتفاع الكبير لأسعار النفط في السبعينيات، حيث سخرت جزءاًً من هذه العائدات لصالح هذه الحركات السلفية التي انتشرت عالمياً، وتقاطعت توجهاتها مع خطط الأميركان في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي، مما أفرز حالة شديدة التعقيد في كافة دول المنطقة، حيث انتشرت القوى الدينية، واستخدمت المال لبسط نفوذها على المجتمع، وعلى التبشير بمواقفها عالمياً، مما أوجد شبكة واسعة بين الداخل والخارج لهذه الحركات، أفرزت حالات متعصبة في الكثير من البلدان الإسلامية، وتفاقمت المشكلة بعد الحادي عشر من سبتمبر حيث انكشف الدور الذي لعبته هذه الأنظمة والدور الذي تقوم به هذه الجماعات محلياً وعالمياً، مما جعل منطقتنا في تصادم مع القوى الكبرى، وانتقل الصراع إلى المنطقة في الوقت الحاضر، وخاصة بعد تفاقم التدخل الأميركي والمتعدد الجنسيات في الكثير من بلدان العالم بحجة مكافحة الإرهاب المعرف لدى الأميركان بأنه إرهاب الجماعات الإسلامية التي تنطلق من الحركة الوهابية ومن مرتكزاتها في المملكة العربية السعودية وتجد لها أنصارا ومريدين في الكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة وقطر، إضافة إلى بعض البلدان العربية خارج منظومة مجلس التعاون كما هو الحال مع اليمن ومصر وغيرها.

ويمكننا رصد أوجه الخلل الأخرى في كل بلد من بلدان المجلس باقتضاب شديد على النحو التالي:

  • تشكل المملكة العربية السعودية الحالة الأسوأ بين دول المنطقة، حيث تحرم المرأة من أبسط حقوقها السياسية والاجتماعية، ولا يحق لها سياقة السيارة أو السفر بمفردها، إضافة إلى مجموعة واسعة من المحرمات المسلطة عليها.
    وحيث تتمتع جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسلطات كبيرة، فإنها تفرض نظامها على مجمل البلاد والسكان عدا المجمعات السكنية الأجنبية، فبينما يحرم البيع والشراء في أوقات الصلوات مثلاً، تعاني الحركة التجارية من الإرباكات غير المألوفة في بقية المنطقة، بالإضافة إلى ظاهرة البنوك الإسلامية إضافة الى فرض قيمها الأخلاقية الخاصة بها على الكثير من السكان.
  • مظاهرات نسائية بالكويت
    وفي الكويت ـ وبالرغم من تقدمها السياسي بوجود دستور عقدي ومجلس نيابي ونقابات عمالية وتجمعات سياسية لم يعترف بها، إلا أن التمييز لا يزال سارياً بين المواطنين، حيث تحرم فئات اجتماعية كبيرة من حق المشاركة السياسية، كما هو حال المرأة، وتبرز بين الفترة والأخرى مشكلة البدون، وهذا التمييز يجعل العملية السياسية في المشاركة مقتصرة على نسبة قليلة لا تتجاوز 15% من المواطنين (بمن فيهم البدون).
    كما أن مواجهة الحكم للتطور السياسي الذي أفرز حالة متقدمة من القوى المعارضة في الستينيات قد جعله يلجأ إلى التركيبة التقليدية القبلية، وبعض القوى الدينية، مما جعل الخط البياني لتطور المؤسسة التشريعية في الكويت يسير باتجاه هابط، أفرز لاحقاً تصادماً بين تطلعات أكثر إصلاحية في فئات من الأسرة وبين ممثلي القبائل وبعض التنظيمات التي تسعى إلى تضييق الخناق على الحريات العامة.
  • وفي البحرين وبالرغم من التطور الكبير الذي حصل بعد مجيء الملك حمد، حيث أعطيت المرأة حقوقها السياسية، وبدأت تحتل مواقع أفضل من السابق، وألغيت المراتبية في المواطنة وحصل البدون على حقوقهم في المواطنة، إلا أن التجنيس السياسي قد انعكس سلباً بدرجة خطيرة، تفاعل مع التمييز الطائفي والعرقي الذي يجد أبرز تجلياته في عدم السماح للشيعة بالعمل في المؤسسات الدفاعية والأمنية، وفي التوزيع غير العادل للدوائر الانتخابية، وفي إصرار السلطة على تغيير التركيبة الديموغرافية للسكان بتجنيس الكثير من مواطني الدول الأخرى عرباً أو أجانب على أساس طائفي، واعتماد ازدواجية الجنسية مع بعض القبائل العربية القاطنة في المملكة للاستفادة منها في الانتخابات النيابية وفي الانقلاب على الدستور العقدي بدستور منحة جعل المجلس النيابي امتداداً لمجلس الشورى بشكل منتخب، حيث سحبت الكثير من صلاحياته، وتحولت الإمارة إلى ملكية مطلقة بموجب الدستور الجديد بدلاُ من الاقتراب من الملكيات الدستورية حسب وعود السلطة, ولا تزال الحركة السياسية تعاني من العلاقات غير الواضحة لعدم إصدار قانون للأحزاب السياسية، كما أن التذبذب في سلوك النظام حيال العمل النقابي لا يسهل إقامة مؤسسات نقابات قوية، وبالتالي فإن الانفراج السياسي الذي اعتبره المراقبون بداية منعطف تاريخي في البحرين، لم يكن سوى خطة محكمة من النظام للخروج من الأزمة السياسية التي عصفت بالبلاد على مدى أكثر من عقدين منذ أن حل المجلس الوطني في أغسطس عام 1975، وعلق أبرز مواد الدستور المتعلقة بإعادة الحياة البرلمانية، وتحسين صورة النظام أمام حلفائه الأوروبيين والأميركان.
  • وفي قطر وبالرغم من وجود دستور لم يصدق عليه الأمير للوقت الحاضر، ويعتبر تراجعاً في بعض جوانبه عن الدستور السابق خاصة ما يتعلق بعضوية المجلس النيابي، حيث أعطى الدستور الجديد الأمير حق تعيين ثلث أعضاء المجلس، فإن المرأة تحقق نجاحات كبيرة حيث تحظى بالدعم غير المألوف خليجياً، فتبوأت منصب وزير ومديرة جامعة وعميدة لكلية الشريعة، إلا أن السلطة تحرم بقوة الأمر الواقع أي تأسيس لمنظمات المجتمع المدني من النقابات أو الأحزاب أو الجمعيات المهنية، مما يجعلها أقرب إلى النموذج السعودي في هذه الجزئية.
  • وفي الإمارات، لا تزال إشكالية التوحيد قائمة بين الإمارات، ولا توجد مؤسسة تمثيلية منتخبة، إضافة إلى عدم السماح للنقابات أو الجمعيات السياسية بالعمل، إضافة إلى إشكالية التمييز بين المواطنين سواء على مستوى الإمارة أو المتجنسين أو درجات المواطنية المتعددة.
  • ولا يوجد في سلطنة عمان دستور للبلاد مقر من جمعية تأسيسية، والتطوير السياسي الذي جرى في البلاد من حيث الانتخابات لمجلس الشورى لا يمس الصلاحيات التي يتمتع بها المجلس، إضافة إلى الرقابة الشديدة الأمنية على كافة قوى المجتمع وحرمانها من تشكيل نقاباتها وأحزابها وتجمعاتها المهنية.
    إن استمرار الملكيات المطلقة وعدم تجاوبها مع التطورات الكبيرة التي تعصف بالمنطقة رغم توقيعها على العديد من الاتفاقيات الدولية حول المرأة والعمالة والحقوق السياسية قد ضاعف من الاحتقان السياسي لدى قوى المجتمع، وبرزت العديد من الأصوات التي تطالب بالديمقراطية وتحديث الأوضاع السياسية، لكن الرد السلطوي كان التجاهل إذا لم يكن القمع وتكميم الأفواه، ولا يقتصر الأمر على الأصوات الوطنية المطالبة بالديمقراطية، بل إن انعدام حرية التعبير قد جعل الأنظمة تلجأ إلى القمع مع كل صوت احتجاجي ضد سلوكها، مما يدفع إلى العمل السري والعنيف ضد الدولة وضد المجتمع في بعض الأحيان.

وحيث تشترك دولنا في العديد من المنظمات الدولية، ذات العلاقة بحقوق الإنسان والديمقراطية، وحيث الاتفاقيات المصادقة عليها تصبح جزءاً من قانون البلد، فإن موضوعة الحريات العامة سواء للقوى الاجتماعية المحلية أو الأجنبية، في مسائل التمييز وحرية المعتقد الديني وحرية تشكيل النقابات العمالية والجمعيات المهنية وماشابه، سيجعل من هذه القضايا أوراقاً ضاغطة على دولنا لن تتمكن من مواجهتها سوى بتقديم المزيد من التنازلات لصالح القوى الأجنبية للتحكم بمسارات الحياة الداخلية لمجتمعاتنا بدلاً من تشجيع قوى المجتمع والانفتاح الإنساني على الجاليات الأجنبية واعتبار بلداننا جزءا من الوطن العربي وبالتالي إعطاء المواطن العربي حقوقاً أفضل من الأجانب لتعميق الحس القومي والارتباط المصيري بين أجزاء الأمة العربية.

كما أن الانتهاكات الخطيرة التي تمارس ضد الجاليات الأجنبية سواء خدم المنازل أو العمالة الأجنبية التي تعيش وضعية قنانة في بعض دول المنطقة وخاصة من الدول الآسيوية أو الأفريقية في الوقت الذي يتمتع الأوروبي أو الأميركي بامتيازات كبيرة، تجعل التوتر الاجتماعي كبيرا بين فئات السكان مما ينعكس سلباً على الأمن الاجتماعي في هذه الدول، وستطالب الدول المصدرة للعمالة في مستقبل الأيام القادمة بحقوق لمواطنيها لا يتمتع بها مواطنو دول المنطقة نفسها.

ومن ناحية أخرى فإن التمييز الطائفي أو المذهبي واعتبار الدولة مرتبطة بمذهب من المذاهب الإسلامية دون غيره أفرز حالة من عدم المساواة من جهة، وضاعف من تدخل رجال الدين في الشؤون السياسية. وهذا ولد حالات تمييزية ضد المواطنين من المذاهب الأخرى كما نشاهد في المملكة السعودية. وقد يكون استمرار هذه الوضعية مدعاة للمطالبة بالانفصال في مناطق عن الجسم الأم، ويمكن للقوى الأجنبية أن تستخدم هذه الوضعية ضد استقرار منطقتنا.

بيان الأهمية الإستراتيجية لإصلاح الخلل في عملية الإصلاح المنشودة


لابد من السماح بتشكيل أحزاب ونقابات واتحادات مهنية وإعطاء المرأة حقوقها وإطلاق العنان لقوى المجتمع الحديث لتمارس دورها في مواجهة القوى التقليدية التي تكبح تطور المجتمع

في الوقت الحاضر، باتت مسألة الإصلاح السياسي ضرورية للغاية، فالإصلاح السياسي مدخل لإصلاح بقية القضايا في المجتمع، شريطة أن يكون إصلاحاً حقيقياً وليس شكلياً.

فلابد من وضع دساتير ديمقراطية عن طريق جمعيات تأسيسية، حيث كانت الدستوران الكويتي الصادر العام 1962، والبحريني عام 1972، واللذان اعتبرا عقدين لبيا تطور الإمارتين في تلك الفترة وبات من الضروري تجاوزهما، سواء بمشاركة واضحة للمرأة في العمل السياسي كما جرى في البحرين، أو الفصل بين السلطات عبر اعتماد المجلس المنتخب هو صاحب السلطة التشريعية والرقابية الكاملة. ويتم التوافق بين الأسر الحاكمة والشعب على ضرورة تشريع الحركة السياسية والانتقال إلى مبدأ تداول السلطة، بما يعني المزيد من الثقة بين هذه الأسر الحاكمة ومجموع القوى الشعبية، السياسية والمجتمعية، وضرورة الانتقال إلى الملكيات الدستورية على غرار الديمقراطيات العريقة.

ولابد من إقامة حياة برلمانية سليمة تتدرج باتجاه الملكيات الدستورية على المستوى الوطني وحياة ديمقراطية على مستوى أقطار مجلس التعاون (مثل ماليزيا)
ولابد من حرية التعبير والصحافة وإلغاء كافة القيود المفروضة على ذلك، لتسود الشفافية في الحياة السياسية والاقتصادية. ولابد من الفصل بين السلطات، ولابد من إصلاح القضاء واستقلاله.

ولابد من السماح بتشكيل أحزاب سياسية ونقابات عمالية واتحادات طلابية وشبابية ونسائية، وإعطاء المرأة حقوقها السياسية، وإطلاق العنان لقوى المجتمع الحديث لتمارس الدور المطلوب منها في مواجهة كل القوى التقليدية التي تكبح تطور المجتمع، على أن تجري الأمور في وضح النهار ويكون المجال يتسع للجميع.

إن عدم التقدم إلى الأمام في العملية الديمقراطية الحقيقية، وتوزيع الوعود بين الفترة والأخرى كما نشاهد في المملكة العربية السعودية، وإقامة مؤتمرات لحقوق الإنسان في ذات الوقت الذي تمارس حملات الاعتقال لمتظاهرين يطالبون بالإصلاحات السياسية، كما أن عدم التقدم يدفع القوى المتطرفة إلى القيام بعمليات عنف ضد السلطة وضد المجتمع، وقد نجد أنفسنا في وضعية شبيهة بالجزائر حيث الصدام بين القوى السلفية وقوى السلطة يستنزف طاقات المجتمع بأسره، ويجعل البلاد تدور في دوامة من العنف غير واضحة المخارج، تستثمرها القوى الخارجية لتصفية حساباتها وصراعاتها بين بعضها البعض في أراضينا، وتخلق نتيجة هذا العناد عن الاستجابة للإصلاحات المزيد من الاحتقان وعدم الولاء للوطن واللجوء إلى الخارج.

إن العالم ينظر باهتمام بالغ إلى هذه المنطقة نظراً لمصالح الكثير من دول العالم فيها، وقد كشف الوضع العربي خطورة النهج الاستبدادي والفردي، مما قدم التبريرات للمحتلين الأميركان والبريطانيين أن يمارسوا احتلالهم للعراق بصفاقة قل نظيرها نظراً للتوتر الشديد بين فئات اجتماعية عديدة في المجتمع والطبقة الحاكمة. وقد نجد أنفسنا في أوضاع شبيهة ببعض بلدان المنطقة من حيث التدخل الأجنبي لفرض أنماط من التعليم أو السياسة والتركيبة السكانية على بلداننا، تحصل على استجابة من قبل بعض قوى المجتمع وبعض دول العالم ذات المصلحة.

وفي الوقت الحاضر فإن الهجمة الأجنبية متعددة الأشكال، ليس آخرها الحضور العسكري السافر وإنما تلك الفرق الأوربية والأميركية وغيرها المعنية بتعليم النشطاء السياسيين والاجتماعيين قواعد اللعبة الديمقراطية، مما يتطلب الاهتمام الشديد من قبلنا بتأسيس مراكز لتنمية الديمقراطية ومؤسسات تمول مثل هذه المراكز، لنتمكن من الاعتماد على أنفسنا عبر قوانا الديمقراطية ونحدد من نستفيد منهم في التعلم من أنماط الحياة السياسية والفكرية والإدارية الحديثة.

إمكانية إصلاح الخلل من الناحية العملية وكيفية ذلك

هناك إمكانيات كبيرة لإصلاح الخلل في العديد من بلدان المنطقة، وقد سار البعض منها على السكة، ونحتاج إلى الوقوف أمام كل بلد من بلدان المنطقة بالتفصيل لنرى:

  1. القوى الإصلاحية داخل الحكم.
  2. القوى الإصلاحية السلمية والثورية في المعارضة السياسية.
  3. القوى المجتمعية التي لها مصلحة في التغيير من التجار والصناعيين والعمال والمهنيين والمستنيرين بشكل عام.
  4. وضع خطط عمل في كل منطقة تستند إلى مقاييس محددة في المسار الديمقراطي بحيث يمكننا الحكم بأن هذه المنطقة ضعيفة في هذا الجانب وقوية في الجوانب الأخرى.

إلا أن من الضروري أن تكون هناك قناعة تامة بأن هناك قواعد عامة أساسية في عملية الإصلاح السياسي المطلوبة تتجلى في التالي:

  • السماح لكافة قوى المجتمع الطبقية والمهنية بتشكيل منظماتها النقابية والمهنية، فتنظيم قوى المجتمع في مؤسسات على مستوى الوطن تدافع عن مصالح الفئات والطبقات الاجتماعية كفيل بتوحيد صفوف الشعب بعيداً عن الولاءات المناطقية والقبلية والطائفية، واعتماد مقاييس عصرية للتمايز بين المواطنين المتساويين في الحقوق والواجبات.
  • السماح بتشكيل الأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية، والمدافعة عن البيئة والمكافحة ضد الفساد الإداري والمالي.
  • سن دساتير عصرية تأخذ بعين الاعتبار مستوى التطور وظروف كل منطقة، والدخول في عصر الانتخابات والترشيح للمجالس البلدية والمحافظات والنيابية، مما سيحقق نقلة نوعية في الحياة السياسية، وسيدفع قوى المجتمع الحديثة إلى الأمام.
  • إطلاق حرية التعبير والنشر والصحافة وإلغاء كافة أشكال الرقابة على المطبوعات بأشكالها.
  • الحد من صلاحيات ونفوذ كافة أفراد الأسر الحاكمة، وتقنين مصالحها بحيث يمكن إدماجها في المجتمع بدلاً من أن تكون منعزلة وتتربع على قمته وتعتبر نفسها طبقة منفصلة ومعادية له.

وحيث برزت الكثير من الشخصيات الديمقراطية والإصلاحية والإسلامية المستنيرة، فإن بالإمكان عقد سلسلة من اللقاءات على مستوى البلد وعلى مستوى المنطقة برمتها لتشكيل لجنة تحضيرية لعقد مؤتمر للداعين للإصلاحات السياسية في المنطقة يشكل لجنته التنفيذية لاحقاً ويتابع العمل الديمقراطي في بقية البلدان.

متطلبات إصلاح الخلل على مستوى الحكومات والمجتمع الأهلي والمواطن

هناك أطراف ثلاثة ضاغطة على الأسر الحاكمة لتعديل المسار السياسي في بلدانها، على النحو التالي:

  1. الحركة الشعبية التي تتفاوت قدراتها بين بلد وآخر، سواء من حيث التنظيم أو وزنها في المؤسسات المجتمعية أو حجم تعاونها مع بعضها البعض، ويمكن دراسة كل بلد من بلدان المجلس على حدة.
    كما أن الوضعية السياسية المشتركة تتطلب تعاون كل النشطاء السياسيين المطالبين بالإصلاحات السياسية في دول مجلس التعاون الخليجي، بحيث يشكلون قوة ضغط كبيرة في مؤسسات المجلس وعلى الصعيد العام، ويستثمرون المناسبات لتبيان وجهات نظرهم، ويتم نقل الخبرة بين بعضهم البعض ويقدمون العون لبعضهم البعض.
    ومن الضروري الاستفادة من كل الثغرات التي يتيحها التطور، وخاصة في مجال تشكيل مؤسسات المجتمع المدني وتنظيم القوى العاملة في نقابات واتحادات مهنية، وتنظيم المرأة والشباب والطلبة، وتنظيم هذه الفئات الاجتماعية والاقتصادية، والتعاون الوثيق مع غرف التجارة والصناعة التي تشكو من تخلف الوضع السياسي والقضائي والإداري وتنشد الإصلاح الشامل لما فيه مصلحتها. إن الدفع بالعمل التنظيمي من أجل تشكيل المزيد من الضغوطات السلمية على النظام ضروري للغاية.
  2. إن الطبقة الحاكمة تعاني من هيمنة الرموز التاريخية العاجزة عن التفكير بطريقة جديدة عصرية، وقد برزت الكثير من الشخصيات الإصلاحية من داخل الأسر الحاكمة التي باتت مقتنعة بأنه من المستحيل السير في الطريق القديم إذا أرادت الحفاظ على استمرار سيطرة الأسر الحاكمة وعدم انجرار المجتمع إلى العنف ضدها. إن التحالف مع هذه الشخصيات والتجمعات الإصلاحية مفيد للغاية، مادمنا ننشد الإصلاح ، ولا يمكن أن ندفع باتجاه العنف أو التمرد أو الانقلاب على الأوضاع السائدة.
  3. إن الحركة الديمقراطية العالمية ومؤسساتها في الدول الغربية تقف إلى جانب حقوق الإنسان والديمقراطية والمشاركة السياسية وحق تنظيم النقابات ومؤسسات المجتمع المدني، وحقوق المرأة والطلبة والشباب. إن تشكيل المزيد من الضغوطات الخارجية على هذه الأنظمة ضمن توجهات ورؤى الحركة الإصلاحية في المنطقة ضروري لتعرية وفضح الاتجاهات الأكثر انغلاقاً وتزمتاًَ في الأسر الحاكمة، كما أننا يجب أن نقف بصلابة ضد القوى التي تسعى إلى تدمير المجتمع.

ويتوجب علينا كشخصيات وجمعيات وقوى سياسية أن نكثف من توعيتنا السياسية وسط التجمعات الشعبية لتخفيف الاحتقان الطائفي والتمييز القبلي والعرقي وخلق وحدة وطنية ما أمكن، والدفاع عن مصالح كل الشعب بدلاً من الدفاع عن المصالح الضيقة لهذه الفئة أو تلك.

إن عملية الإصلاح ضرورة تاريخية في هذه المنطقة، ونحتاج إلى شخصيات شجاعة مستعدة للمواجهة وإلى استعداد لخلق منظمات علنية تنتزع شرعيتها من التفاف قوى اجتماعية حولها ومن إصرارها على السير في الطريق السلمي والعلني والإصلاحي.
_______________
* كاتب وباحث، رئيس مجلس إدارة جمعية العمل الوطني الديمقراطي بالبحرين