ضياء رشوان

قد يبدو غريبا للبعض أن يأتي هذا المقال في مقدمة القسم الذي يعالج "الخطاب الإسلامي في علاقته بالآخر" بما قد يعطي الانطباع بأن الوطن بالنسبة للإسلاميين "آخر" ينظرون إليه مثل نظرتهم إلى غير المسلمين والغرب وإسرائيل، والذين تدرس رؤية وعلاقة الإسلاميين بهم المقالات الثلاثة التالية في نفس القسم.

محاور اختلاف الخطاب الإسلامي والوطني
مراحل الاختلاف.. تاريخيا
التشدد والاعتدال في الخطاب الإسلامي
خاتمة

 محاور اختلاف الخطاب

"
الخطاب الإسلامي لم يختلف يوما مع الخطاب الوطني في الحرص على استقلال الدولة أو الأمة عن الخارج، بل وقد أخذ البعض على ذلك الخطاب مغالاته أحيانا في ذلك الحرص والدعوة إليه

"

إلا أن الحقيقة غير ذلك، فوضع ذلك المقال في هذا القسم من الملف مقصود به السعي لمعرفة حقيقة موقف الإسلاميين بمختلف فئاتهم من ذلك الخطاب الوطني الذي يبدو ملتبسا، شأنه في ذلك شأن موقفهم حيال الأطراف الثلاثة المشار إليها.

الخطاب الوطني تاريخيا
فضلا عن ذلك، فالخطاب الوطني كما استقر معناه في الواقع العربي بدءا من النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم، يتضمن مواقف محددة تجاه تلك الأطراف الثلاثة وقضايا وأطراف أخرى أضحى وجودها معا في ذلك الخطاب هو ما يميزه ويعطيه تلك التسمية.

فقد عرف العالم العربي بمختلف مجتمعاته وبلدانه خلال تلك الفترة عديدا من الخطابات السياسية والفكرية التي تبنتها مختلف القوى السياسية والاجتماعية فيه من يسارية إلى قومية إلى ليبرالية إلى إقليمية إلى غيرها، اصطلح على وضعها جميعا تحت اسم واحد هو "القوى الوطنية" ووصف خطابها بأنه "خطاب وطني".

والحقيقة أن الاختلافات الأيديولوجية العميقة بين تلك القوى وخطاباتها لم تؤثر على وضعها معا في تلك الفئة الموحدة، حيث أن ذلك اعتمد بصفة رئيسية على تشابه مواقفها من قضايا وأطراف محددة هي نفسها التي التبس واختلف موقف الإسلاميين منها، مما دفعهم أنفسهم ودفع الآخرين إلى وضعهم وخطابهم خارج حدود "الخطاب الوطني".

والأطراف والقضايا التي استقر الأمر على اعتبار الموقف منها هو المحدد للوجود في أو الخروج من "الخطاب الوطني" هي ثلاث أساسية:

  1. أولها هو الدعوة إلى استقلال الدولة القُطرية أو الأمة كاملة عن الخارج والذي يتمثل بصورة خاصة في الغرب وإسرائيل، وذلك بغض النظر عن أي رؤى أو مواقف أيديولوجية إيجابية تجاه بعض ركائز وأفكار الأول من بعض القوى السياسية وبخاصة التيار الليبرالي.
  2. ويتمثل الموقف الثاني في المساواة بين "المواطنين" بداخل الدولة أو الأمة بغض النظر عن دينهم أو جنسهم أو أصلهم العرقي واعتبارهم جميعا شركاء في وطن أو أمة واحدة، وذلك أيضا بغض النظر عن سعي بعض القوى السياسية إلى تغليب فئة اجتماعية على غيرها أو سعي بعضها الآخر إلى إقامة دولة ذات طابع عربي قومي استنادا إلى انتماء غالبية السكان إلى الأصول والثقافة العربية.
  3. ويتعلق الموقف الثالث بطبيعة الدولة التي حكمتها أو تسعى لإقامتها تلك القوى السياسية العربية، حيث إنها عندها جميعا دولة ذات طابع مدني حديث لا تقوم على أسس دينية، بغض النظر عن إيراد بعض تلك القوى لمبادئ وملامح إسلامية عامة ترى ضرورة وجودها في تلك الدولة المدنية الحديثة.

الإسلاميون والخطاب الوطني
في مقابل هذا المفهوم الواسع والسائد للخطاب الوطني الذي انضوت تحته مدارس وقوى أيديولوجية متنوعة، كان للقوى الإسلامية خطابها المختلف في المضمون الأيديولوجي عن خطاباتها، وهو ما انعكس على اختلافه معها أيضا في اثنين من المواقف الثلاثة الرئيسية التي تميز الخطاب الوطني عن الخطاب الإسلامي.

فالخطاب الإسلامي بشتى فئاته لم يختلف يوما مع الخطاب الوطني في الموقف الأول المتعلق بالحرص على استقلال الدولة أو الأمة عن الخارج والذي يتمثل بصورة خاصة في الغرب وإسرائيل، بل وقد أخذ البعض على ذلك الخطاب مغالاته أحيانا في ذلك الحرص والدعوة إليه.

أما الموقف الثاني للخطاب الوطني الآخذ بالمساواة بين "المواطنين" بداخل الدولة أو الأمة بغض النظر عن دينهم أو جنسهم أو أصلهم العرقي واعتبارهم جميعا شركاء في وطن أو أمة واحدة، فقد اختلف معه الخطاب الإسلامي بصفة عامة في أخذه بتمييزين بين هؤلاء الشركاء:

  • أولهما: بين المسلمين وغير المسلمين.
  • وثانيهما: بين الرجال والنساء من المسلمين.

واختلف أيضا الخطاب الإسلامي مع الخطاب الوطني بشأن القضية الثالثة الرئيسية وهي الموقف من طبيعة الدولة التي يسعى لإقامتها، حيث بدت دولة دينية أو ذات طابع ديني على الأقل، تقوم على أسس دينية وتخضع لحكم الشريعة الإسلامية وتستمد شرعيتها ومصادرها التشريعية من النصوص المقدسة وأفكار الحاكمية وليس من الشعب أو الأمة، ويهيمن على مقدراتها الفقهاء والمجالس الاستشارية المعينة غير الملزمة وليس السياسيون والمنتخبون في مؤسسات راسخة ذات صلاحيات واختصاصات ملزمة.

مراحل الاختلاف.. تاريخيا

"
بدا الخطابان الإسلامي والوطني عقب استقلال الدول العربية عن مستعمريها الأوروبيين السابقين في أقصى درجات الخلاف فيما بينهما
"

والحقيقة أن هذين الاختلافين الرئيسيين بين الخطاب الإسلامي عموما والخطاب الوطني بمختلف المدارس السياسية والأيديولوجية المنضوية ضمنه لم يظلا ثابتين وبنفس العمق والمساحة طيلة الوقت، فقد مرا بمراحل تاريخية مختلفة يمكن تلخيصها في ثلاث كبرى خلال العصر العربي الحديث.

المرحلة الأولى
استغرقت المرحلة الأولى السنوات الممتدة من بداية الاستعمار الأوروبي لمختلف الدول العربية منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر وحتى استقلالها واحدة بعد الأخرى منذ منتصف القرن العشرين، أي لنحو مائة عام.

شهدت تلك المرحلة ظهور الخطاب الوطني الذي حملته قوى سياسية وفكرية متنوعة الأيديولوجيات، وذلك في ظل وجود سابق لصور متنوعة من التيار الإسلامي في مختلف البلدان العربية، وهيمن على الجميع هاجس تحقيق الاستقلال الوطني والتخلص من الاستعمار الغربي.

وأدت تلك الهيمنة إلى أن يقترب الخطابان بصورة ربما لم تحدث بعد ذلك مطلقا رغم استمرار الاختلافات الأيديولوجية والسياسية بين الخطاب الإسلامي ومختلف القوى السياسية والفكرية الأخرى المنضوية ضمن الخطاب الوطني، والتي ظهرت بعض تجلياتها في بعض الوقائع حول المساواة بين المسلمين وغير المسلمين والرجل والمرأة.

وربما كان السبب الرئيسي لهذا التقارب هو ثقل مهمة الاستقلال الوطني في ظل الاستعمار الأوروبي وعدم ورود قضيتي بناء الدولة المستقلة وطبيعتها وموقع المواطنين فيها كقضايا عاجلة على جدول الأعمال العام في البلدان العربية، مما أخفى الاختلافات حولهما بين الخطاب الوطني والخطاب الإسلامي.

المرحلة الثانية
في المرحلة الثانية اللاحقة وهي تلك التي تلت الاستقلال المتتابع للدول العربية عن مستعمريها الأوروبيين السابقين وبدء بناء دولة ما بعد الاستقلال الوطنية في كل منها، بدا الخطابان الإسلامي والوطني في أقصى درجات الخلاف فيما بينهما فيما يخص القضايا الثلاث التي يتميز موقف كل منهما تجاهها عن الآخر.

قامت القوى السياسية غير الإسلامية المعروفة بالقوى الوطنية، وبخاصة أجنحتها القومية واليسارية، بقيادة الثورات والانقلابات والمفاوضات التي أفضت إلى حصول الدول العربية على استقلالها، في الوقت الذي لم تتبلور القوى الإسلامية بصورة تؤهلها للمشاركة المباشرة في تلك المهمة التاريخية، مما أدى إلى تتابع الصدامات بين الأولى التي أضحت هي بانية دولة ما بعد الاستقلال والمسيطرة عليها، وبين الثانية التي تحولت إلى موقع المعارضة لهذه الدولة الجديدة.

ونظرا لاحتدام الانقسام الأيديولوجي والسياسي في تلك السنوات على الصعيد العالمي بين المعسكرين الشرقي الاشتراكي والغربي الرأسمالي وامتداده إلى داخل البلدان العربية، فقد بدت معارضة القوى الإسلامية لنظمها الجديدة ذات الهوى الاشتراكي والقومي وكأنه انحياز منها للمعسكر الغربي الذي ضم الدول الاستعمارية السابقة وقادته الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي ألقى شبهات كثيفة على حقيقة موقف الإسلاميين من قضية الاستقلال الوطني نفسها.

كما أن طبيعة دولة ما بعد الاستقلال التي بنتها القوى الوطنية غير الإسلامية المدنية والحديثة وموقفها من المساواة بين مختلف فئات شركاء الوطن ضمن تلك الدولة بغض النظر عن دينهم أو جنسهم، واجهها إغراق القوى الإسلامية في تبني مفهوم الدولة ذات الطابع الديني والاعتماد على الانتماء الإسلامي كمعيار للمواطنة في هذه الدولة فضلا عن بروز التمييز بين الرجل والمرأة في خطابها لصالح الأول.

المرحلة الثالثة
وتأتي أخيرا المرحلة الثالثة وهي المستمرة حتى اليوم والتي يمكن تأريخ بدايتها مع مفتتح الثمانينيات من القرن العشرين، حيث اجتمع تغيران جوهريان أعادا صياغة العلاقة بين التيارات الوطنية والتيارات الإسلامية.

تمثل التغير الأول في تراكم المشكلات والإخفاقات على دولة ما بعد الاستقلال الوطني سواء بسبب أخطائها الداخلية أو حصارها الخارجي من القوى الغربية، مما فتح الباب أمام تغيرات كبيرة في القوى المهيمنة على تلك الدولة حيث تتابع استيلاء الأجنحة اليمينية والمتغربة عليها في مختلف البلدان العربية، وهو ما أعاد بدوره طرح الخطاب الإسلامي من جديد على ساحة العمل العام فيها كبديل قد ينجح فيما فشلت فيه القوى الوطنية.

في نفس التوقيت تقريبا -وربما قبله بسنوات قليلة- واجهت الساحة الإسلامية تحديا جديدا غير مسبوق، حيث ظهرت التيارات الأكثر غلوا في التفسير والرؤية والموقف والتي ضمها الفكر الجهادي العنيف بمختلف مدارسه، والتي ميزها الرفض القاطع لكل من مشروع وخطاب القوى الوطنية والقوى الإسلامية ذات الطابع السياسي الاجتماعي التي ظلت تحتكر ساحة العمل الإسلامي بمفردها طوال المرحلتين السابقتين.

التشدد والاعتدال في الخطاب الإسلامي

"
يرجح أن تشهد السنوات القليلة القادمة انضماما شبه نهائي للخطاب الإسلامي للخطاب الوطني في مواقفه من القضايا الثلاث، مع استمرار احتفاظه بكل خصائصه الفكرية والأيديولوجية والحركية التي ترشحه لأن يكون التيار السياسي الأكبر في العالم العربي

"
أدى ذلك الانقسام الجوهري في التيارات الإسلامية والانهيار الحاد في شرعية الدولة الوطنية، إلى تبلور خطابين إسلاميين مختلفين جذريا فيما يخص القضايا الرئيسية الثلاث المكونة للخطاب الوطني:

  • خطاب متشدد مغال يؤكد على موقف استقلال الأمة عن القوى الخارجية التي لم تعد بالنسبة له غربية بل صليبية ويهودية، بينما يتبنى مفهوم الدولة الدينية القائمة على الحاكمية الإلهية والتي ينقسم سكانها إلى مسلمين وذميين وكافرين مستأمنين من ولي الأمر، وتبدو فيها المرأة في أقصى خلفية المشهد الذي يتصدره الرجل وحده.
  • أما الخطاب الآخر المعتدل الذي تبنته الحركات الإسلامية السياسية الاجتماعية، فقد أعاد تأكيد مواقفه التي تبناها في المرحلة الأولى من قضية الاستقلال عن الخارج الأجنبي والذي غلبت عليه رؤيته له كغرب مختلف ومعاد حضاريا وسياسيا أكثر منه دينيا، بينما راح موقفه تجاه قضيتي طبيعة الدولة والمساواة بين سكانها يخضع تحت وطأة متغيرات جديدة لإعادة قراءة وتعديلات مهمة راحت تتضح في السنوات التالية:
    1. من الناحية الأولى حسمت كثير من القوى الإسلامية السياسية الاجتماعية موقفها من المشاركة في الحياة السياسية والانتخابية التي بدأت في التبلور بصورة مشوهة على النمط الليبرالي الغربي في معظم البلدان العربية منذ منتصف الثمانينيات، بدءا بجماعة الإخوان المسلمين في مصر ثم الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر ومعهما وبعدهما قوى أخرى إسلامية عديدة.
    2. وفد على معظم تلك القوى الإسلامية رموز فكرية وسياسية من أصول قومية ويسارية وليبرالية، فضلا عن تحول أغلبية عضويتها إلى جيل مختلف من أبناء الطبقات الوسطى المتخرجين من الجامعات المدنية والمتأثرين بالأفكار السياسية المدنية الوافدة من المدارس الفكرية والسياسية الأخرى غير الإسلامية، مما فتح الباب بداخلها لإعادة النظر في طبيعة الدولة المنشودة والعلاقة بين سكانها ومراكزهم القانونية فيها.
    3. وخلال السنوات العشر الأخيرة ومع تزايد حركة العولمة وبخاصة الإعلامية، وتصاعد النشاط السياسي في البلدان العربية الذي اقترن ببروز أكبر للقوى الوطنية المنتمية للأيديولوجيات اليسارية والقومية والليبرالية في المجال العام بما تطرحه من مواقف واضحة تجاه القضيتين الرئيسيتين اللتين تميزا الخطاب الوطني، زادت حدة المراجعة بداخل التيار الإسلامي السياسي تجاههما.
    4. شهدت نفس السنوات تحولاً جوهرياً فيما يخص مواقف القوى الإسلامية السياسية من الاحتلال العسكري الإسرائيلي في فلسطين ولبنان، ثم بعد ذلك بعض منها تجاه الاحتلال العسكري الأميركي في العراق، حيث لم تعد مجرد قوى رافضة نظرياً للاستعمار الأجنبي وداعية لاستقلال الوطن بل أضحى بعض ممثليها مثل حركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين السنيتين وحزب الله اللبناني الشيعي رموزاً للمقاومة الوطنية.
    5. وأتي المتغير الخامس لكي يدعم من مراجعات قوى التيار الإسلامي السياسي لمواقفها من قضيتي طبيعة الدولة والعلاقة بين سكانها، وهو التحول الواسع والجذري لعديد من قوى التيار الجهادي العنيف المحلي عن مواقفها المغالية المتشددة، إلى حيث انخرطت بصورة أو بأخرى ضمن التيار الإسلامي الآخر الذي ازداد اتساعه وهو التيار السياسي الاجتماعي المعتدل.
    6. وتمثل المتغير السادس والأخير في نجاح حزب العدالة والتنمية الإسلامي في تركيا في الوصول إلى الحكم بهذا البلد نهاية عام 2002، ونجاح حكومته بعد ذلك في التعايش مع نموذج الدولة المدنية العلمانية الكمالية الذي يستبعد الدين من المجال السياسي العام، وبما يتضمنه من مساواة تامة بين كافة المواطنين بغض النظر عن دياناتهم والرجل والمرأة.

خاتمة

في ظل تلك المتغيرات الجديدة يبدو التيار الإسلامي السياسي الاجتماعي بمختلف قواه اليوم بالعالم العربي في حالة مراجعة هائلة لكثير من أفكاره ومواقفه التقليدية من عديد من القضايا والموضوعات، وفي مقدمتها قضيتا طبيعة الدولة والعلاقة بين سكانها ومراكزهم القانونية.

ولا شك أن بعض تلك القوى الإسلامية قد اقترب كثيرا من الخطاب الوطني في مواقفه المعروفة من هاتين القضيتين، ومن أبرزها حالة حركة النهضة التونسية وبعض الفصائل المغربية وحزب الوسط في مصر وحركة حماس في فلسطين وجماعة الإخوان في كل من الأردن ومصر.

ومع ذلك يظل الحسم الأخير والواضح لمواقف كل قوى هذا التيار من هاتين القضيتين غير مكتمل بعد وفي طور التشكيل، بما يرجح أن تشهد السنوات القليلة القادمة انضماما شبه نهائي للخطاب الإسلامي للخطاب الوطني في مواقفه من القضايا الثلاث، مع استمرار احتفاظه بكل خصائصه الفكرية والأيديولوجية والحركية التي ترشحه لأن يكون التيار السياسي الأكبر في العالم العربي.
_______________
رئيس تحرير "دليل الحركات الإسلامية في العالم"، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بجريدة الأهرام المصرية.