المستشار محمد مأمون الهضيبي
كيف اختير المرشد العام الجديد لجماعة الإخوان المسلمين؟ وهل ينوي الإخوان في عهده تقديم أنفسهم للولايات المتحدة كبديل لبعض الأنظمة العربية التي تآكلت من الداخل؟ وهل سيبدأ مهامه بالتخلي عن اسم الإخوان المسلمين كلافتة للعمل السياسي والدعوي لتسهيل عمل الجماعة وأخذا بنداءات إصلاحية داخلية؟ وكيف ستتعامل جماعته إذا وضعتها الولايات المتحدة ضمن قائمة الجماعات الإرهابية المطلوب تفكيكها وإلقاء القبض على قادتها؟

هذه الإسئلة وغيرها يجيب عنها المستشار محمد مأمون الهضيبي في أول تصريحات إعلامية له للجزيرة نت بعد اختياره مرشدا عاما لجماعة الإخوان المسلمين.

*أعد الحوار: محمد عبد العاطي

هل ترشح أحد أمامكم لمنصب المرشد العام خاصة فى خارج مصر؟ وما ردكم على الآراء التى تنتقد احتكار إخوان مصر لهذا المنصب؟ واقتصاره على فئات عمرية متقدمة؟

نحن لا يرشح أحدنا نفسه، ولكن هناك هيئة عليا تستعرض الأشخاص المتوافر فيهم ما يؤهلهم للقيام بالأعباء الجسيمة التى تلقى على عاتق المرشد العام، ثم تزكي أحدهم أو بعضهم إلى هيئة عليا أخرى أكثر عددا، ومن ثم تتخذ هذه الهيئة الأخيرة قرارها عمن تختار، وهذه الأمور غالبا يجري بحثها بصورة خاصة كما أني بعيد عنها ولا أدري ما يجري بشأنها.

كيف تقرؤون موقعكم السياسي على المستوى العالمي كجماعة إسلامية كبيرة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟


اسم (الإخوان المسلمون) له شهرة عالمية وحين يذكر في أي بقعة في أنحاء العالم يقع في نفس السامع مفهوم خاص له معناه وله بريقه وله طهارته وله نضاله ومحاولة تغييره لتسهيل عمل الجماعة خدعة من بعض الحكومات لتقديم تنازلات لن تنتهي

أحداث الحادي عشر من سبتمبر استغلتها الولايات المتحدة أسوأ استغلال للهجوم على الإسلام كعقيدة ومبدأ، وعلى المسلمين شعوبا ودولا، وهي في الحقيقة قد فضحت مشاعر وأفكارا وحقدا وخططًا سياسية معدة من زمن سابق وهذا الأمر أصبح واضحا لدى الغالبية الساحقة من المسلمين بما أثار فى نفوسهم رد فعل عنيف ضد الولايات المتحدة وسياساتها العدوانية إزاء العرب والمسلمين، ومن ثم فالدعوة الإسلامية تشتد وتنمو وهي على أي حال لم تخنع، بل الواضح أنه رغم قوة الولايات المتحدة المادية العظمى فإن الحركة الإسلامية والأمة كلها تعمل جهدها لمواجهة هذا العدوان الأميركى المفروض عليها، والعقيدة لدى الغالب من المسلمين أن القوة المادية لن تستطيع سحق القوة الإسلامية العقيدية، وأن كل ما تبذله الولايات المتحدة وعملاؤها خاصة ممن نصبتهم مقاليد الأمور فى كثير من البلاد، سوف تبوء بالفشل ولن تستطيع تبديل أي شيء من أحكام أو أصول الإسلام، ويكفي أن الله تبارك وتعالى تكفل بحفظ دينه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)

وعلى مدى عدة قرون ماضية بذلت محاولات مستميتة للتلاعب بالنصوص القرآنية وبالصحيح من الأحاديث النبوية وكلها باءت بالفشل (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف: من الآية21)

كيف ستتعاملون إذا وضعتكم الولايات المتحدة ضمن قائمة الجماعات الإرهابية وتلاحق قياداتكم في كل مكان كما تتعامل الآن مع جماعات المقاومة والجهاد؟

إننا على أتم استعداد للتحول إلى حزب سياسي في إطار القانون والدستور خلال 24 ساعة في مصر إذا أتيح ذلك

أعتقد أن الإجابة على السؤال السابق قد شملت أكثر ما يتضمنه هذا السؤال، ونحن لا ندعو لمواجهات ولا نتمنى حروبا "لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا" رواه البخاري ومسلم ويقيننا بالله لا يتزعزع إن شاء الله.

وعلى الولايات المتحدة أن تتحلى بالعدل والإنصاف وأن تسعى للحوار مع الشعوب الإسلامية وأن تتخلى عن محاولات فرض إرادتها المنفردة بالقوة الغاشمة على العالم كله وعلى الشعب الأميركى أن يراقب ويصحح سياسة الإدارة الأميركية التي جلبت العداء والكراهية للأميركان في العالم.



على النقيض من النظرة السابقة، تردد مؤخرا أنكم تفكرون في الاتصال بالولايات المتحدة لطرح أنفسكم كبديل لبعض الأنظمة العربية القائمة. ما مدى صحة ذلك؟ وهل قام بينكم وبين الولايات المتحدة على مدى الثلاثين عاما الماضية أي تواصل؟ وهل تعتبرون أنفسكم بالفعل بديلا محتملا للأنظمة الحالية؟

كل بنود هذا السؤال خيال سقيم وأفكار مغرضة لأشخاص حاقدة. وكل ما ورد بالسؤال لا أصل له على الإطلاق ولا أساس له من الصحة، ونشاطنا كله معروف ومرصود، ونحن ندعو إلى جبهة عريضة في ظل إطلاق الحريات العامة لمواجهة الحملة الأميركية التي لا تستثني أحدا.



كيف تنظرون إلى مستقبل علاقاتكم مع الأنظمة الحاكمة وبخاصة العربية منها؟ وهل ستستمر حالة الجمود أو الصدام كما هو الشأن في بعض البلدان مثل سوريا وتونس، أم أنكم تتوقعون تغييرات إستراتيجية في هذه العلاقة خلال السنوات القليلة القادمة لاسيما في ظل التهديدات التي تتعرض لها بعض الأنظمة المهمة مثل مصر والسعودية؟

أكرر إننا لا نسعى للصدام مع أحد، وخاصة مع حكومات بلادنا، وهذا مبدأ مستقر لدى جميع الإخوان في كل بلد من البلاد، ولكن في نفس الوقت فإن كيفية تعامل الإخوان في أي بلد مع حكومة البلد الذي هم فيه هو أمر داخلي يخصهم بالمقام الأول، وعليهم وحدهم اختياره في نطاق المبادئ العامة المقررة شرعا.
ونحن ندعو كل الحكومات العربية والإسلامية إلى تصحيح علاقتها بالشعوب وإطلاق الحريات العامة وتحقيق الاستقلال الحقيقي والتنمية العادلة.

تقولون عن أنفسكم إنكم جماعة عالمية ثم تعودون فتقولون إن كل بلد أدرى بمشكلاته وإنكم لا تتدخلون في مسيرة الجماعة هناك، فما الذي تبقى لمفهوم عالمية الجماعة؟

لا تناقض بين الإسلام "الدعوة العالمية" وبين القول المأثور أهل مكة أدرى بشعابها، ومحاولة إيجاد تضارب بين الأمرين غير واردة. فمناهج العمل وأساليب التربية والقواعد العامة يتم الاتفاق عليها وتبقى خصوصيات كل بلد عند التطبيق العملي، ولسنا بدعا في ذلك.

وكيف تعتبرون أنفسكم جماعة عالمية وأنتم متخلفون في وسائل الإعلام سواء في الدول المسموح لكم بامتلاك وسائل إعلام بها أو في بعض الوسائل التي لا تحتاج إلى إذن من دولة مثل الإنترنت؟

نحن بحمد الله لسنا متخلفين وعندنا الأشخاص المؤهلون لأعلى درجات العلوم الحديثة الإعلامية أو غيرها، ولكن الأمر الذي لا مجال للمناقشة فيه، أن حكومات البلاد التي نعيش فيها هي التي تفرض القيود والسدود، ويكفي الاطلاع على التقارير المحايدة لبيان أن الإخوان –مقارنة بغيرهم– أكثر المنشغلين بالعمل العام اهتماما بالإعلام وخاصة الإنترنت.

لماذا لم تكتسب جماعة الإخوان الشرعية القانونية في العديد من البلدان العربية حتى الآن؟

أولى أن توجه هذا السؤال إلى الأنظمة المتسلطة، التي إما أن تعلن استبدادها بوجه كالح، وإما أن تزعم ديمقراطية زائفة لمحاولة إخفاء ذلك الوجه المستبد الكالح.

وقد أعلنا مرارا أننا على أتم استعداد للتحول إلى حزب سياسي في إطار القانون والدستور خلال 24 ساعة في مصر، وعندما أتيحت الفرص، كان الإخوان أسبق الناس للعمل في إطار القانون (الجزائر، السودان، اليمن، الأردن، لبنان، الكويت... إلخ).

هل تعتقد بأن مفردات الخطاب السياسي للإخوان تتناسب مع العصر والمشكلات والتحديات التي تواجه العالم العربي والإسلامي؟

نحن جماعة عقائدية تقوم على أسس جاء بها الإسلام الحنيف منها ثوابت لا مجال للتغيير ولا للتبديل في مضمونها ومتفق على ذلك بين جميع الفقهاء والعلماء المسلمين، وفيما يخضع للاجتهاد وهو القسم الأكبر، وما يتعلق (بالقسم الأكبر) في تنظيم المباحات، وفي جميع هذه المجالات فإن مفردات الخطاب السياسي بشأن أي منها قابلة للتأقلم مع العصر وأحوال المجتمع الاجتماعية والثقافية .. إلخ، والجمود ليس من طبيعتنا ولا من طبيعة الحركة الإسلامية. والدارس لخطاب الإخوان وخطابهم السياسي يرى كل ذلك بوضوح ولذلك تكون أكبر نسبة تأييد هي للإخوان في الشارع العربي.

هل تظن بأن أساليب التربية داخل الجماعة والتي لم تتغير منذ أكثر من سبعين عاما لاتزال قادرة على إنتاج المسلم الذي تحدثت عنه أدبياتكم؟

نحن نطور أساليب عملنا باستمرار ونرحب بكل تطوير وهو ما يحدث بالفعل وهذا شأن داخلي قد لا يلاحظه المراقب، ويكفي ما تردد في قضية سلسبيل للاطلاع على ذلك.

ألا تظن بأن طموح الإخوان في إقامة دولة للخلافة الإسلامية بات أمرا غير واقعي خاصة في الظروف الراهنة؟

(إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: من الآية87) والمسلم يعلم أن عليه أن يسعى وأن يخلص النية لخالقه عز وجل الذي لم يخلقه إلا ليتعبد إليه تعالى بشريعته عز وجل. ونحن نسعى إلى ذلك عبر:

  • تدرج طويل يبدأ بالتقريب بين الشعوب الإسلامية في ثقافتها.
  • والتعاون الاقتصادي فيما بينها.
  • وتوحيد مواقفها السياسية.

ونعتقد أن تفعيل منظمة المؤتمر الإسلامي يمكن أن يكون البداية الصحيحة، وكذلك تشجيع رجال الأعمال على عمل تكتلات اقتصادية وإنشاء منتديات للحوار والبحث العلمي وتقريب وجهات النظر بين العلماء والمفكرين في العالم الإسلامي.

ما ردكم على الاتهامات التي توجه إليكم بأنكم خلطتم بين كونكم جماعة دينية وحزبا سياسيا وأن أفكاركم أفكار عامة تنقصها آليات التطبيق؟


شيء طبيعي في دعوة تضم ملايين البشر أن تحدث على مر السنين بعض الاختلافات وأن يترك البعض الجماعة ويجعل لنفسه منهجا خاصا ومحاولة تجسيم ذلك بأنه انشقاقات خطيرة زعم واضح عدم صحته

هذا الادعاء الذي تضمنه السؤال هو محاولة يائسة لأعداء الإسلام أشهروها في وجه دعوة الإخوان المسلمين منذ سبعين سنة وسبق الرد عليها تفصيلا، ومن البديهيات التي يعرفها المسلم أن شريعة الإسلام جزء لا يتجزأ من العقيدة ومن الأخلاقيات الإسلامية، وهي أساس كل المعاملات الإسلامية وحياة الفرد والأسرة والجماعة والدولة وعلاقة الحاكم بالمحكوم، وكل النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، بل وعلاقة الدولة بغيرها من الدول والإسلام كما أعلنا ذلك كثيرا أن الإسلام دين ودولة، مصحف وسيف، وإن كان البعض يزعم أن هذا خلط إلا أن هذا هو الإسلام كما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين ولا يؤمن أحد إيمانا حقيقيا بالله وبدين الإسلام إلا إذا كان مطمئن القلب وعلى يقين من صحة ذلك.


كيف تنظرون إلى الانشقاقات التي حدثت في جسد الجماعة والتي أحدثت تيارات فكرية وبنى تنظيمية مختلفة. هل يعني هذا أن الجماعة لم تعد قادرة على استيعاب أي شكل من أشكال التطور الفكري أو التنظيمي مما يجعلهم ينفصلون؟

أي دعوة تضم الملايين من البشر تستمر على مدى نحو خمس وسبعين سنة لابد وأن يظهر في أثناء مسيرتها بعض الاختلافات بين أنصارها، ويحدث أن يترك البعض تلك الجماعة ويجعل لنفسه منهجًا خاصًا يدعو هو إليه، وهذه هي طبيعة الأشياء وطبيعة البشر, ومحاولة تجسيم ما حدث في جماعة الإخوان المسلمين والزعم بأنها انشقاقات والزعم بأن تجربة الترابي أو غيره هو انشقاق خطير في جسد الجماعة زعم واضح عدم صحته، والجسد العام لجماعة الإخوان المسلمين ظاهر للعين تراه في كل الأقطار, وأن جميع كتل الإخوان المسلمين الموجودة في كل قطر من الأقطار هي الوحيدة ذات القوة الفعالة الحقيقية والمحرك الأساسي للشعب، ولذا فإن الحكومات التي تخاف على نفسها وعلى كراسيها هي التي تبذل قصارى جهدها لمحاولة كبح قوة الإخوان وأيضا محاولة صد الناس عنها.


أخيرا لماذا تصرون على التمسك باسم (الإخوان المسلمون) كلافتة للعمل الدعوي والسياسي؟ لماذا لا تستلهمون تجربة التيار الإسلامي في تركيا الذي غير اسمه أكثر من مرة لكي يكون له تواجد في الشارع السياسي؟

ولماذا لا نتمسك باسمنا "الإخوان المسلمين" وما الذي يدعونا إلى أي تفكير في تغييره، إن اسمنا له شهرة عالمية وحين يذكر في أي بقعة في أنحاء العالم يقع في نفس السامع مفهوم خاص له معناه وله بريقه وله طهارته وله نضاله... إلخ، والذي هو ظاهر لنا أن كثيرا من الحكومات تحاول الالتفاف حولنا ودفعنا إلى تنازلات شيئا فشيئا حتى ننحرف عن حقيقة دعوتنا وهي تبدأ بما قد يبدو في الظاهر أمرا بسيطا، وهو يخفي وراءه الكثير الذي لابد أن ينزلق إليه من يبدأ بالتنازلات ويبتلع الخديعة.

أما عن تركيا فلم تكن فيها يوما حركة تسمى حركة الإخوان المسلمين، ولم يكن لها يوما رابطة عضوية بالإخوان المسلمين، ولتركيا أوضاعها وظروفها، وأهل مكة أدرى بشعابها، ونحن نعتقد أن المضمون والمحتوى هو المقصود الأكبر.
_______________
قسم البحوث والدراسات، الجزيرة نت.