مصطفى الخلفي

تميز الصهيونية المغربية
انطلاق العمل الصهيوني بالمغرب
الاندثار التدريجي للأقلية اليهودية

وجدت الحركة الصهيونية في حالة التدين الكبير في صفوف اليهود المغاربة أرضا خصبة لبث فكرها وجذب اليهود المغاربة للالتحاق بصفوفها أو اعتناق مبادئها.

تميز الصهيونية المغربية

في حديث الصهيوني المغربي روبير أصراف عن النشاط الصهيوني بالمغرب، اعتبر أنه بفضل "الطبعة الجديدة لحلم العودة إلى صهيون لم تكن في حاجة إلى أية دعاية لاستنهاض همم اليهود المغاربة الذين لم يفارقهم أبدا أمل العودة إلى القدس والذين لم يتوقفوا عبر تاريخهم عن بعث الهدايا وتوجيه الحجاج الطاعنين في السن والذين يأملون إنهاء حياتهم هناك".

ويضيف أصراف قائلا "هكذا كان لهذه الشعارات ولهذه الصور المقدسة تأثير عميق على معظم السكان اليهود بالمغرب والأحبار خاصة، وهذا ما يفسر عدم اصطدام الصهيونية بأية معارضة من الأوساط الدينية المتطرفة كما هو الحال مثلا في أوروبا".

الصهيونية واستلاب يهود المغرب

"
صهيونية اليهود المغاربة كانت دينية بخلاف الصهيونية العلمانية التي كانت منتشرة في صفوف يهود أوروبا، حيث كان العمل على الهجرة إلى فلسطين بمثابة واجب ديني
"

ولهذا نجد أن إبراهام السرفاتي وهو من اليهود المغاربة المعارضين للصهيونية بقي عاجزا عن تجاوز هذه النقطة أثناء سعيه للدفاع عن الأطروحة الاستلابية*، مكتفيا باعتبار أن حلم العودة وصلاة البيساح (أي صلاة السنة المقبلة في القدس) اللذين كانا سائدين في صفوف الأقلية اليهودية بالمغرب كانا غامضين، وهو ما استفادت منه الصهيونية.

غير أنه في فقرة لاحقة لا يجد بدا من الدفاع غير المباشر والمحايد ظاهريا عن حلم العودة وصلاة البيساح حيث يقول "على كل، وبغض النظر عن كل اعتقاد شخصي، إن الحادث الموضوعي يدل على أن هذا الحلم وهذه الصلاة جزآن لا يتجزآن من رؤية الديانة اليهودية العالمية للإنسان. إن حلم إسرائيل هو حلم أبناء الحرب المعذبين في انتظار سيادة مملكة الحرب على هذه الأرض، إن "السنة المقبلة في القدس" مرتبطة برؤيا المسيح وبمجيء هذه المملكة التي ستمتد إلى كل بني الإنسان".

التدين الصهيوني
ويمكن القول إن صهيونية اليهود المغاربة كانت صهيونية دينية على خلاف الصهيونية العلمانية التي كانت منتشرة في صفوف يهود أوروبا، حيث كان العمل على الهجرة إلى فلسطين بمثابة واجب ديني، وقد اعتبر حاييم زعفراني أن استعداد اليهودي المغربي "للالتحاق بموطن أجداده" يمكن تأكيده "اعتمادا على وثائق حقيقية وآداب محلية زاخرة تثبت أن اليهودية المغربية في مجملها، بصفتها ظلت تنتظر العهد المسياني (المسيح المخلص)، كانت أكثر تقبلا للأيدولوجية الصهيونية من يهودية أوروبا الغربية أو يهودية أوروبا الوسطى أو الشرقية".

الإشكالية التي سقط فيها أصحاب دعوى استلاب اليهودية المغربية للصهيونية هي أن فهم العامل الذاتي الديني في الصهيونية المغربية، جعلهم عاجزين عن تقديم التفسير الدقيق لعملية الهجرة، فحسب أحد اليهود المغاربة الذين عارضوا النشاط الصهيوني بالمغرب وهو إدمون عمران المليح فإن "الغموض لا يزال قائما أمام هذه الحركة التهجيرية التي تستعصي أكثر أجزائها على كل تأويل عقلاني، خاصة أنه لم يكن هناك أي خطر حقيقي عاجل أو آجل يهدد وجود اليهود المغاربة، حتى في أشد الظروف حلكة عندما أعلن عن تأسيس دولة إسرائيل.. لماذا، إذن، تلك الهجرة الواسعة، ولو أنها امتدت على عدة سنوات؟ لماذا هذه المأساة الصامتة، السرية، تحت تأثير رقابة ملتحمة بالأيدولوجية الصهيونية".

ونفى المليح أيضا أن تكون الهجرة ناتجة عن تفاهم وتواطؤ مع الاستعمار الأوروبي كما حصل في أوروبا، بل إنها في المغرب اصطدمت مع الاستعمار الفرنسي الذي كان يراهن على توظيف اليهود المغاربة لصالح المشروع الاستعماري في المغرب. كما أن الإقامة العامة الفرنسية لم تنجز تغيرات ملموسة في الوضع القانوني لليهود، بل على العكس قامت بتشديد رقابتها وتدخلها في حياة الطائفة اليهودية المغربية وحدت من استقلاليتها التي كانت تتمتع بها قبل الاستعمار.

فقد قامت فرنسا بتأسيس "مفتشية المؤسسات الإسرائيلية" (1919) ووضعت على رأسها يحيى زاكوري، (ترجمان سابق بالقنصلية الفرنسية بالدار البيضاء)، وكان هدف الاستعمار من ذلك أن تكون مؤسسات الطائفة تحت رقابة حكومية مشددة، ولهذا تمت إعادة تنظيم مجالس الجماعات اليهودية (ظهير 22 مايو/ أيار 1918) والمحاكم الحاخامية.

النشاط الصهيوني المغربي

"
ليهدأ بالكم يا يهود المغرب فلستم مطالبين بالهجرة إلى فلسطين.. ما نطلبه هو التعاطف الفعال مع هذه النهضة اليهودية التي شخصتها الصهيونية وكذا الدعم المالي، إننا لا نطمح فقط إلى الذهب الأميركي بل نطمح كذلك إلى الذهب المغربي

فرناند كوكوس
الدار البيضاء 1926
"

 أدى وجود أرضية فكرية وسط اليهودية المغربية ذات قابلية لاستيعاب الأطروحات الصهيونية وإعادة استنباتها في الداخل إلى تبلور نشاط تنظيمي متصاعد للصهيونية المغربية، فمنذ بداية القرن العشرين توالى تشكيل الخلايا الصهيونية في المدن المغربية. ونشطت حركة جمع التبرعات المالية لصالح اليهود المهاجرين بفلسطين، كما تغلغلت الدعاية الصهيونية وسط التجمعات رغم الاعتراضات الجزئية لفرنسا.

بداية التسرب الصهيوني بين يهود المغرب
رغم أن تسرب النشاط الصهيوني للمغرب بدأ منذ عام 1893 مع قدوم الدكتور زيميغ سبيفاكوف (صهيوني روسي) إلى المغرب، فإن البدء الفعلي في تأسيس خلايا صهيونية محلية كان عام 1900، وذلك بعد المؤتمر الصهيوني الرابع عندما وعد تيودور هرتزل ببذل الجهد لنشر الدعاية الصهيونية في أفريقيا وآسيا، ففي عام 1900 أنشأ ديفد بوحبوط (يهودي مغربي) تنظيم "أبواب صهيون" بالصويرة، وفي نفس الفترة أسس تنظيم "عودة إلى صهيون" بتطوان على يد الصهيوني الروسي ي. بارليافسكي، وتوالى في نفس العام إنشاء خلايا صهيونية بكل من طنجة ومراكش، وأعلن في المؤتمر الصهيوني الخامس عام 1901 عن حصيلة إنشاء التجمعات والخلايا الصهيونية بالمغرب.

وانخرط في عملية التأسيس للخلايا الصهيونية عدد من الأحبار البارزين وسط اليهود المغاربة مثل رفائيل أبنسور، ومورد خاي سيرينو شلومو بن دكان، وفيدال سرفاتي، كما أعلن حاخام مكناس يشوع بردوكو عن تأسيس حزب صهيون وذلك في المركزية الصهيونية المنعقدة بكلوني، وقد احتل هذا الحاخام منصب الحاخام الأكبر للمغرب في الأربعينات.

تأثير وعد بلفور ومؤتمر سان ريمو
صدور وعد بلفور وقرارات مؤتمر سان ريمو أوجد مناخا محفزا عند اليهود المغاربة، حيث تكاثرت عمليات إنشاء الخلايا الصهيونية في المدن وارتفعت عمليات شراء الشيكل، كما برزت الاستعدادات الميدانية للهجرة والتي انطلقت فعليا في 1919".

ونظرا لمعارضة الإقامة العامة الفرنسية للنشاط الصهيوني بالمغرب بدأ فرع المنظمة الصهيونية بلندن يعمل على إعادة تنظيم العمل الصهيوني بالمغرب، من بينهم الصهيوني المالح في 1923 والصهيوني هالبرن في 1925. إلا أن الانعطاف الكبير في النشاط الصهيوني بالمغرب حصل مع استقالة المقيم العام الجنرال ليوطي في سبتمبر/ أيلول 1925 ومجيء مقيم عام جديد ثيودور سنيغ الذي كان لا يشاطر مواقف المقيم السابق تجاه الحركة الصهيونية.

تزامن ذلك مع قدوم تاجر بولوني ج. تورز كممثل عن المنظمة الصهيونية العالمية للإشراف على تنظيم العمل بشكل مركزي في 1924، وأثمرت جهوده في 1926 إصدار جريدة صهيونية محلية سميت بـL` avenir Illustré (المستقبل المصور) يوم 22 يوليو/ تموز 1926 والتي شكلت الذراع الإعلامي للنشاط الصهيوني المغربي. كما أعلن رسميا في مايو/ أيار 1926 عن الاتحادية الصهيونية بفرنسا - فرع المغرب ورأس اللجنة التنفيذية للفرع س. ليفي، واشتغل ش. أوحنا ككاتب وج. بنزيراف كخازن.

الاهتمام بالمؤتمرات الصهيونية العالمية
على صعيد مواز بدأ اليهود المغاربة يتابعون أشغال المؤتمرات الصهيونية العالمية منذ 1921 إذ أرسل المغرب مندوبا إلى المؤتمر الثاني عشر، إلا أن مشاركة اليهود المغاربة كانت سلبية بالنظر إلى أن المناقشات داخل المؤتمرات كانت تتم باللغة اليديشية (لغة يهود أوروبا الوسطى) والتي كانت مجهولة من طرف اليهود المغاربة.

ورغم وجود حالات هجرة فإن أولويات النشاط الصهيوني كانت تحرص على تأجيل موضوع الهجرة والتركيز على قضايا الدعاية والإعلام وتعليم العبرية والتاريخ اليهودي وجمع التبرعات ومد عملية تأسيس الخلايا، وهو ما ظهر بوضوح في قرارات المؤتمرات الصهيونية الثلاثة الأولى بالمغرب (1936 و1937 و1938) فضلا عن المؤتمرات الإقليمية في يناير/ كانون الثاني 1937.

ولم تطرح قضية الهجرة كأولوية إلا بعد الحرب العالمية الثانية وذلك بظهور إرهاصات الاستعداد لإنشاء الدولة الصهيونية، وقد كان عدم التركيز على الهجرة نابعا من وجود أولوية صهيونية ليهود أوروبا من جهة ومحدودية إمكانات الاستيعاب من جهة ثانية. ولهذا كان عدد التأشيرات المرسلة من الوكالة اليهودية إلى المغرب محدودا جدا، مثلا في يناير/ كانون الثاني 1935 لم تستجب إلا لطلبات ثلاث تأشيرات.

ومع مجيء الحرب العالمية الثانية وصدور قوانين فيشي النازية للتمييز ضد اليهود تراجع تأثير الرابطة الإسرائيلية العالمية وأخذت قوة الحركة الصهيونية داخل اليهود المغاربة تقوى بحيث تمكنوا من "احتكار تمثيلية يهود المغرب في المؤتمر اليهودي العالمي بأتلانتك ستي في أميركا نوفمبر/ تشرين الثاني 1944، ضمن جدول أعمال المؤتمر المطالبة برفع القيود الإنجليزية التي تحد من الهجرة نحو فلسطين وتنشيط مساعي تأسيس دولة يهودية, ومما ساعدهم على احتكار تمثيلية المغرب هو تحكمهم في عملية توزيع الإعانات الخارجية الموجهة لسكان الملاحات.

وقد مثل يهود المغرب في المؤتمر كل من س.د. ليفي وبروسبير كوهين وموشي مارسيانو والتحق بهما في أميركا يهوديان من أصل طنجاوي ومستقران بنيويورك وهما حاييم توليدانو وجاك بنتو، وكونوا لجنة أميركية ليهود المغرب. وقد انتخب س. ليفي كنائب لرئيس اللجنة السياسية للمؤتمر وركز تدخلاته على شعار "بنو إسرائيل في أرض إسرائيل" وعلى الأهمية الحيوية التي أصبحت تكتسيها الجماعات اليهودية بالمغرب بعد إبادة خمسة ملايين يهودي في أوروبا، وركز على ضرورة المساعدات المادية التي لعبت دورا في ازدياد تقبل جماهير اليهود للبرنامج الصهيوني، وظهر آنذاك الدور الأميركي في دعم الصهيونية المغربية.

الدعم المالي للمشاريع الاستيطانية
وقد أخذت الحركة الصهيونية تكشف بوضوح عن الموقع الذي تطرحه على اليهودية المغربية في المشروع الصهيوني، وكانت صريحة في خطابها لليهود المغاربة من أنها تريد الذهب المغربي لدعم الاستيطان الصهيوني، ففي محاضرة للمحامي الفرنسي ذي الأصل المغربي فرناند كوكوس عام 1926 بالدار البيضاء قال "ليهدأ بالكم يا يهود المغرب فلستم مطالبين بالهجرة إلى فلسطين (..) مشكل الصهيونية الكبير ليس في إعمار فلسطين ولكنه يكمن في دعمها بضمان استقرار من استوطنوها (..) ما نطلبه منكم هو التعاطف الفعال مع هذه النهضة اليهودية التي شخصتها الصهيونية وكذا الدعم المالي، إننا لا نطمح فقط إلى الذهب الأميركي بل نطمح كذلك إلى الذهب المغربي".

وبدءا من عام 1926 أخذت حملات جمع التبرعات تتم بشكل علني، ونشطت جريدة "المستقبل المصور" في الدعاية للمؤسسات المالية الصهيونية خصوصا الصندوق القومي اليهودي الذي افتتح فرعا بمدينة الدار البيضاء، حيث كانت تنشر دعوته لليهود المغاربة من أجل المساهمة في الاكتتابات التي كان يفتحها بمختلف المناسبات اليهودية أو الصهيونية.

رغم أن الخروج إلى العلنية في النشاط الصهيوني بالمغرب بدأ منذ 1926 فإن البروز الكبير حصل مع أحداث ثورة البراق الشريف عام 1929، حيث كشف اليهود المغاربة عن انخراطهم القوي في دعم المشروع الصهيوني، ولهذا أسماها روبير أصراف الصهيوني المغربي "بالصدع الأول". وأورد محمد كنبيب مراسلة لوزارة الخارجية الفرنسية مؤرخة في 3 مارس/ آذار 1929 تعرض خبرا عن اجتماع اليهود في البيعة الكبرى بالرباط للاستماع إلى قراءة البرقيات الموجهة من طرف الحاخام الأكبر إلى رئيس الجماعة اليهودية بمكناس، كما تم افتتاح الاكتتاب لصالح أحداث فلسطين، كما أن سلطات الحماية الاستعمارية رخصت للمواطنين اليهود بتنظيم عملية جمع الإعانات بشرط أن يوجه ريعها بالكامل إلى إخوانهم بالقدس، وبلغت التبرعات 120 ألف فرنك فرنسي.

وللإشارة فقد كان لذلك انعكاسه على المغاربة المسلمين، حيث نهض بعض الشباب الوطنيين للمطالبة بالحق في التعبير عن التضامن مع المسلمين ضحايا أحداث القدس الشريف، معتبرين أن ما حصل في الملاحات من عمليات لجمع التبرعات سابقة وهو ما شكل إرهاصا لبروز التناقض اليهودي-الإسلامي بالمغرب إزاء عملية الاغتصاب الصهيوني لفلسطين. إلا أنه سرعان ما خفت بسبب انشغال الحركة الوطنية بالنضال ضد الاستعمار.

"
مسار الأقلية اليهودية بالمغرب تعرض لاجتثاث وانكسار شبه كلي بفعل انخراطها في المشروع الصهيوني ومواصلتها خدمة أهدافه
"

النشاط الصهيوني بعد الحرب العالمية الثانية
وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية وصعود المد النازي وما تلاه من هزيمة فرنسا أمام ألمانيا في 1940 وصدور قوانين فيشي التمييزية ضد اليهود بالمغرب حصل تجميد شبه كلي للنشاط الصهيوني، إلا أنه مع نهايتها استأنفت الحركة الصهيونية نشاطها وقد أسهمت عدة عوامل في إعادة صياغة أولويات وبرامج النشاط الصهيوني المغربي، وخصوصا بعد الحرب العالمية الثانية وهي:

1- الإنزال الأميركي في المغرب في إطار عملية طورش يوم 8 نوفمبر/ تشرين الثاني 1940 وهو إنزال أدخل زخما جديدا للنشاط الصهيوني، فمن جهة شكل بداية تفكك قوانين فيشي التمييزية، ومن جهة أخرى قدم عنصر قوة لصالح اليهود المغاربة في مواجهة كل من الاستعمار الفرنسي والمسلمين المغاربة.

2- تحول موقف الإقامة العامة الاستعمارية تجاه النشاط الصهيوني، وهو موقف تعود جذوره إلى عهد حكومة الجبهة الشعبية بفرنسا في 1936 والتي ترأسها ليون يلوم وهو يهودي فرنسي مؤمن بالمشروع الصهيوني، إلا أنه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية سعت فرنسا إلى التفكير في الإجراءات المتخذة ضدهم في عهد نظام فيشي، بالنظر إلى الدعم الذي لقيه الجنرال ديغول من اليهود الأميركيين الذين ضغطوا لصالحه في واشنطن.

3- المراجعة الشاملة التي قامت بها "الرابطة الإسرائيلية العالمية" تجاه الموقف من الحركة الصهيونية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث لم تعد تتبنى موقف الاندماج في فرنسا، واعتبار الصهيونية غير ملائمة ليهود المغرب، وكان ذلك نتاجا للإرث النفسي والعملي لنظام فيشي، مما أدى إلى انخراط أنصار الرابطة في التعاون مع المنظمات الصهيونية، ورفع عدد الساعات المخصصة لتدريس العبرية والتربية الدينية في مدارسها، كما تم وضع البنية التحتية للرابطة الإسرائيلية العالمية بالمغرب رهن إشارة المنظمات الصهيونية، ونذكر هنا أن عدد مدارس الرابطة بالمغرب حسب إحصاء 1960 يبلغ 77 مدرسة يدرس فيها قرابة 30 ألف تلميذ فضلا عن 14 مدرسة متنقلة يدرس فيها 1394 تلميذا.

4- التوجهات الجديدة التي خرج بها المؤتمر اليهودي العالمي في مارس/ آذار 1944 والذي عرف بمؤتمر أتلانتك ستي، وكان ضمن محاوره المطالبة برفع القيود عن الهجرة اليهودية لفلسطين وتنشيط مساعي تأسيس دولة يهودية. وقد استطاع الصهاينة المغاربة احتكار تمثيلية اليهود المغاربة في المؤتمر، حيث دافع فيه س.د. ليفي (العضو الأساسي في الوفد المغربي) عن الأهمية الحيوية ليهود المغرب بعد إبادة خمسة ملايين يهودي بأوروبا وطالب برفع حجم المساعدات لملاحات المغرب، وقد أدى ازدياد حجم المساعدات إلى ارتفاع درجة تقبل جماهير اليهود للبرنامج الصهيوني.

5- تداعيات اشتداد الصراع على أرض فلسطين وآثارها على النشاط الصهيوني بالمغرب وموقف المغاربة المسلمين منه حيث إن صدور قرار التقسيم وإعلان دولة إسرائيل في 1948 واندلاع الحرب كان له صدى مباشر وعملي في المغرب، حيث تمثل رد فعل المسلمين تجاه الأحداث في الإكثار من إقامة الصلوات في المساجد من أجل خلاص فلسطين العربية وانتصار الإسلام، وجمع التبرعات لفائدة المجاهدين، وتشجيع ذهاب المتطوعين "للتضحية في ساحة الشرف" والزيادة في حدة مقاطعة التجار اليهود. أما اليهود فضاعفوا أيضا من صلواتهم داخل بيعهم ومن جمعهم للتبرعات، ومن المحاضرات حول الصهيونية، فتسارعت بذلك وتيرة رحيل مجموعات كاملة منهم باتجاه فلسطين.

ونجم عن هذه العوامل ارتفاع وتيرة النشاط الصهيوني بالمغرب حيث تمت إعادة هيكلته من الناحية التنظيمية، ونظم مؤتمر لذلك بالدار البيضاء في يونيو/ حزيران 1946 حضره 50 وفدا من مجموع فروع المغرب، ونشطت الخلايا كما فتحت المنظمات الصهيونية العالمية فروعا لها بالمغرب. وكانت محصلة هذا التمدد التنظيمي أن بلغ عدد منخرطي الحركة الصهيونية المغربية عام 1956 حوالي 23 ألفا أي 12% من مجموع الطائفة اليهودية بالمغرب، وهو رقم قياسي عالمي. كما وضعت له توجيهات برنامجية جديدة تركز على هدف الهجرة، وتم إصدار جريدة "نوار" و"الشباب" لتستأنف الوظيفة الدعائية لجريدة "المستقبل المصور"، ودخل بذلك العمل الصهيوني المغربي مرحلة جديدة ركز فيها على أولوية الهجرة، خصوصا بعد إعلان الدولة الصهيونية يوم 15 مايو/ أيار 1948.

الاندثار التدريجي للأقلية اليهودية

وتشكلت مع اشتداد النشاط الصهيوني حركة معارضة للوجود الصهيوني بالمغرب، وتبلورت بالأساس في صفوف الحركة الوطنية المغربية، وقلما تفيدنا الكتابات المتداولة عن التاريخ المعاصر لليهودية المغربية بوجود معارضة مبكرة يهودية للصهيونية بالمغرب، فهذه الأخيرة لم تظهر إلا بعد حصول المغرب على الاستقلال، واتسمت بالمحدودية العددية وغياب زعماء الطائفة والحاخامات عنها، مما جعل تأثيرها شبه منعدم في صفوف اليهود المغاربة.

وبعد صدور قرار التقسيم وقعت هجرة مكثفة، ففي عام 1948 وحده هاجر حوالي 77 ألفا، وأشرفت الوكالة اليهودية بالمغرب على تنظيم ذلك بفعالية منذ 1949، حيث أقيمت مراكز للهجرة والتي كان أهمها مركز "القادما" جنوب الدار البيضاء.

وحسب إحصاءات الوكالة اليهودية فقد بلغ عدد المهاجرين المغاربة إلى فلسطين بين عامي 1948 و1963 ما يناهز 210347، يضاف إليهم اليهود الذين هاجروا باتجاه كل من فرنسا والولايات المتحدة وكندا والذين يقدر عددهم بحوالي 30 ألفا.

الخلاصة أن مسار الأقلية اليهودية بالمغرب تعرض لاجتثاث وانكسار شبه كلي بفعل انخراطها في المشروع الصهيوني ومواصلتها خدمة أهدافه، مما جعلها تنقرض تدريجيا ولا تتعامل مع المغرب إلا من منطلق سياحي تطبيعي موسمي.


____________
- كاتب مغربي 
* الأطروحة الاستلابية تدعي أن اليهود المغاربة سقطوا ضحية توظيف الأيدلوجيا الصهيونية لهم. وقد راجت هذه الأطروحة في السبعينات إلا أن بروز نزعة التطرف السياسي بشدة والمساندة للأحزاب الدينية من طرف اليهود المغاربة داخل الكيان الصهيوني أدى إلى تراجعها.
- المصادر