يستند المطالبون بفيدرالية تشمل كل أنحاء العراق إلى مجموعة حجج هي بالتحديد: إن النظام الفيدرالي شائع في عدد مهم من الدول في العالم ، وان النظام المقترح في الدستور يحاكي هذه التجارب العالمية، كما إن الدول التي اعتمدت النظام الفيدرالي تمكنت من إشاعة الديمقراطية ومنع الاستبداد، وحققت  لشعوبها التقدم والرفاهية والحياة الكريمة وهو ما يستحقه الشعب العراقي بجدارة.
 
 
 
تعرف الفيدرالية بأنها نظام سياسي يفترض تنازل عدد من الدول أو القوميات، الصغيرة في اغلب الأحيان عن صلاحياتها وامتيازاتها واستقلالها لمصلحة سلطة عليا، موحدة تمثلها على الساحة الدولية وتكون مرجعها في كل ما يتعلق بالسيادة والأمن القومي والدفاع والسياسة الخارجية.
 
والفيدرالية على وفق هذا المفهوم هي نوع من الاتحاد الطوعي بين كيانات سياسية منفصلة أو قوميات وأعراق متباينة قررت العيش ضمن كيان سياسي واحد تحتفظ فيه القوميات والأعراق أو الدول المتحدة بصلاحيات داخلية ضمن حدودها المحلية على إن تمنح الصلاحيات السيادية الأساسية للسلطة الاتحادية في المركز.
 
"
تدور النظم الفيدرالية في العالم حول مفهوم الاتحاد الطوعي بين كيانات منفصلة او بين اعراق وقوميات متباينة
"
وتدور الكيانات الفيدرالية في العالم حول هذا المفهوم وان كانت تختلف فيما بينها في الأسباب والجذور التاريخية ومراحل التشكل والنتائج، وفي القرن العشرين بشكل خاص ارتبطت ظاهرة الفيدرالية بمبادئ الدفاع عن حقوق الأقليات والاثنيات القومية والدينية الصغيرة بالتوجه نحو إضعاف مفهوم الدولة المركزية، ولذلك تركز الاتحاد الفيدرالي كوسيلة لجمع كيانات متنوعة دينيا واثنيا ومذهبيا في إطار دولة واحدة.
 
ويوجد في العالم اليوم نحو25 دولة تتبنى النظام الفيدرالي من بينها دول كبيرة مثل الولايات المتحدة وألمانيا وبلجيكا وسويسرا والهند وروسيا كمان من بينها أيضا دول فقيرة ونامية مثل إثيوبيا والمكسيك وماليزيا وغيرها أما في منطقتنا العربية فالإمارات العربية هي التجربة الفيدرالية الأولى التي لحق بها السودان مؤخرا.
 
يمكن استلهام ثلاث تجارب عالمية في تبني النظام الفيدرالي ومحاولة مقارنتها بالنصوص الخاصة بذلك في مسودة الدستور العراقي، وذلك لاكتشاف مدى علاقة الفيدرالية الموجودة في الدستور بالنظم الفيدرالية العالمية المهمة، ومثل هذه العلاقة ستختبر فرضية مايردده المؤمنون بهذا النظام من إن حالة العراق تتماثل مع من تبنى الفيدرالية في العالم.

الدول التي يمكن دراسة تجاربها الفيدرالية كنماذج  هي الولايات المتحدة لأميركية وسويسرا وبلجيكا حيث إن كل منها تؤشر نمطا مميزا عن الآخر .


 
الفيدرالية الأولى
ربما يكون العالم قد شهد نظما فيدرالية  مختلفة عبر العصور، لكن الفيدرالية بالمفهوم السياسي المعاصر ولدت من خلال تجربة تأسيس الولايات المتحدة الأميركية في عام1783 بعد عدة سنوات من الاتحاد الكونفدرالي بين الولايات المستقلة في حينه، لكن هذا الاتحاد واجه مشاكل عميقة بسبب استقلالية كل دولة (ولاية) حتى عام 1789 حينما وضع الدستور الأميركي الفيدرالي الذي منح الأقاليم أو الولايات سلطات واسعة على حساب المركز، وواجه تنفيذ هذا الدستور مشاكل مهمة بسبب صعوبة الاستمرار كدولة موحدة مع هذا التشظي في السلطات وضياع هيبة المركز وقدرته على تمثيل البلاد وإدارتها.
 
وهكذا شجع الدستور على  بروز مشاكل ونزاعات استمرت زهاء سبعين عاما وصلت حد  نزوع احد عشر ولاية إلى الانفصال عن الاتحاد  فكان أن اندلعت الحرب الأهلية الأميركية التي استمرت أربعة أعوام  وتوقفت عام 1865 بمنح المركز أو السلطة الاتحادية ممثلة بالكونغرس والرئاسة سلطات اكبر في كل شيء لتلافي الأسباب التي قادت إلى تلك الحرب .
 
ولعل الدرس المهم في تجربة الفيدرالية الأميركية إن تغليب سلطة الأطراف أو الأقاليم على السلطة الاتحادية في المركز  قاد  البلاد إلى حرب أهلية طاحنة ، وذلك قبل أن ينضج النظام باتجاه دعم سلطة المركز بشكل حقق الاستقرار السياسي في لولايات المتحدة وربما أسهم في جعل الاقتصاد الأميركي الأكبر في العالم.
 
الفيدرالية العرقية
في بلجيكا تختلف التجربة،  فالفيدرالية هناك حديثة النشأة بدأت في التسعينيات من القرن الماضي بعد أن كانت تلك البلاد ذات حكم مركزي قبل ذلك ، أي أن الفيدرالية لم تنشأ بين دول منفصلة بل بين أجزاء من بلد واحد تفصل بينها حواجز لغوية وثقافية وعقد تاريخية، ودفع باتجاه التحول نحو الفيدرالية في بلجيكا المتغيرات الدولية والأوربية التي مكنت سكان الشمال الناطقين بالهولندية من المطالبة بحقوق سياسية مناسبة بعد عدة عقود من التهميش الناجم عن اتهامهم بالتعاون مع النازية خلال الحرب العالمية الثانية لصالح سكان الجنوب الناطقين بالفرنسية .
 
"
تقدم التجربتان البلجيكية والسويسرية نماذج لفيدراليات قامت على اساس عرقي او طائفي

"
وربما تقدم التجربة البلجيكية سابقة بإمكانية تحويل دولة مركزية بسيطة إلى دولة فيدرالية مركبة ، لكن التجربة البلجيكية قامت أساسا على أساس الاتحاد بين قوميتين بينهما خلاف تاريخي، هذا ناهيك طبعا  عن إن ظروف بلجيكا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومحيطها الأوربي العام ساعد على تكريس النظام الجديد بانسيابية وإرادة شعبية حقيقية بلا ضغوط أو تهديدات ، وأيضا وبالتأكيد بدون وجود احتلال عسكري مباشر.
 
الفيدرالية الطائفية
التجربة السويسرية تقدم نموذجا لفيدرالية أساسها طائفي مذهبي ، فالاتحاد السويسري أعلن في عام  ليجمع 1848 بين أكثر من عشرين كانتونا  من الكاثوليك والبروتستانت  وقد دارت بينها مواجهات عديدة حتى  ربطت بينها معاهدة هدفت أساسا إلى منع احتواءها من قبل القوى الأوربية الأكبر في ظل مناخ الصراعات في القارة القديمة آنذاك، وقد كان ذلك الاتحاد اقرب إلى الكونفدرالية من خلال احتفاظ الأقاليم بسلطات واسعة على حساب المركز، لكن سلطات الأخير تعززت بعد اقل من ثلاثين عاما على نشوء.
 
أما التجربة الفيدرالية  العربية الوحيدة فتتمثل بدولة الإمارات العربية المتحدة التي تأسست باتفاق بين إمارتي أبو ظبي ودبي في شباط/ فبراير عام 1968 ثم تطور بانضمام خمسة إمارات أخرى إلى الاتفاق لتتشكل الدولة الجديدة .
 
وحسب الوثائق البريطانية فان لندن التي كانت تستعد للانسحاب من إمارات الخليج كانت تعتقد باستحالة اتحاد الإمارات في دولة واحدة لكن إرادة الحكام آنذاك والشخصية الكاريزمية للشيخ الراحل زايد بن سلطان انجح الاتحاد الذي هيأ لظهور فيدرالية ناجحة .
 
وبطبيعة الحال لم يكن بين إمارات الاتحاد الحالي عوامل تشرذم مذهبي أو قومي أو ديني ، لكنها في نفس الوقت كانت إمارات تتبع لحكم عوائل مختلفة كان يمكن لأي منها أن يشكل دولة مستقلة عشية الانسحاب البريطاني لكن الرعيل المؤسس قبل بالتنازل عن جزء من السيادة لصالح المركز مقابل احتفاظ كل إمارة بصلاحيات تشريعية تميز اليوم إمارات هذه الفيدرالية العربية.


 
تقوم الفيدرالية المطلوبة للعراق وحسبما نصت على ذلك مسودة الدستور على  أساس ثنائي قومي وإداري فهي من ناحية تقر إقامة إقليم كردستان بحدوده الحالية على أساس عرقي وتعطي من ناحية ثانية لكل محافظتين أو أكثر حق الانتظام في إقليم بغض النظر عن واقع الاتساق القومي بين عموم محافظات العراق غير الكردية .
 
ويعد هذا النظام سابقة بين التجارب الفيدرالية في العالم  لأنه يسمح بإقامة أقاليم على أساس مزدوج إداري وقومي ، وهو أمر لم يحدث من قبل إذ إن كل الفيدراليات في العالم نشأت كحل للخلافات بين التكتلات  الدينية والقومية داخل الدول أو الدويلات.
 
وحتى مع اعتبار التجربة البلجيكية سابقة يمكن الاحتكام إليها في الانتقال من نظام الدولة المركزية إلى الدولة الفيدرالية، فان هذا النموذج لا ينطبق كلية على الحالة المطلوبة في الدستور العراقي لان ما طبق في بلجيكا كان نظاما اتحاديا بين مجموعتين قوميتين بينهما حدود ظاهرة في الاختلاف الثقافي والتمركز الجغرافي على عكس الحالة العراقية التي لا تعرف في الجزء العربي من البلاد وهو ما يمثل ثلاثة أرباع العراق تقريبا حدودا ثقافية جغرافية فاصلة بين تشكيلات سكانية متمايزة.
 
"
من غير الممكن في الحالة العراقية الاحتكام الى اي نموذج فيدرالي في العالم والدستور العراقي قدم نمطا غير مألوف للفيدرالية في العالم سواء على المستوى النظري او العملي

"
كما انه لا يمكن الاحتكام إلى التجربة لسويسرية في فيدرالية طائفية بسبب التداخل الكبير بين السكان العراقيين من السنة والشيعة ، حيث تمثل مساحة الرقعة التي تضم تجمعات سكانية عربية مختلطة مذهبيا ما يعادل تقريبا مساحة كل منطقة ذات أغلبية مذهبية واضحة كما ان حجمها السكاني يزيد على نصف سكان العراق إذا ما استثنينا سكان المناطق ذات الغالبية الكردية، في حين ان التجربة السويسرية نشأت بين كانتونات منفصلة مذهبيا بشكل كامل وكان بينها حروب وصراعات طويلة. 
 
بمعنى آخر فانه لا يمكن واقعيا إقامة فيدرالية في المنطقة العربية على أساس طائفي، إلا بعد القيام بعمليات تطهير طائفي واسعة النطاق ستشعل بالتأكيد حربا أهلية تقسم العراق بشكل كامل.


 
تشظية السلطة
وإذا ما تركنا جانبا الأسباب الموجبة لإقامة إقليم فيدرالي خارج منطقة كردستان وبالمقارنة مع النظم الاتحادية في العالم ومنها النظم الأربعة السابقة ، يمكن أن نجد إن رؤية مسودة الدستور العراقي تمنح الأقاليم صلاحيات على حساب المركز أكثر بكثير من التجارب الأخرى ومنها التجربة الأميركية التي خاضت حربا أهلية طاحنة في أواسط القرن التاسع عشر كان من بين أسبابها الصلاحيات الواسعة التي منحت للولايات على حساب السلطة الاتحادية الأمر الذي هدد في حينه بانفراط عقد الولايات المتحدة قبل أن تنتهي الحرب بانتصار الشماليين ضد دعاة الانفصال في الجنوب ومنح العاصمة والكونغرس صلاحيات حفظت وحدة البلاد.
 
إن مسودة الدستور العراقي تتضمن مثلا نصا  يتقدم فيه القانون الإقليمي على القانون الاتحادي في حالة الخلاف بينهما حول الصلاحيات المشتركة( المادة 111)، كما يمكن أن نلحظ نصا مقاربا في المادة 117- ثانيا-، بل إن المسودة أسست للأقاليم والمحافظات مكاتب في السفارات والبعثات الدبلوماسية العراقية( المادة 117- رابعا-).  في إجراء غير مسبوق على مستوى كل التجارب الفيدرالية في العالم .وبذلك يمكن القول إن الفيدرالية التي تضمنها الدستور العراقي مضت ابعد مما يجب في تشظية السلطة ، كما إنها أسست لنظام فيدرالي لا يتفق مع المفهوم النظري المعروف للفيدرالية ويكاد ان يصل في ملامحه العامة إلى حدود الكونفدرالية التي تعني الاتحاد بين دول مستقلة وذات سيادة.


 
 
يؤكد الفيدراليون العراقيون إن تعميم هذا النظام ليشمل كل أنحاء البلاد على أساس أداري جغرافي وليس قومي يهدف إلى تحقيق هدفي الديمقراطية والرفاهية المفتقدين في العراق ، وبالفعل تعد الفيدرالية خطوة متقدمة نحو حسم الصراعات العرقية واحترام حقوق الإنسان،  ولذلك فغالبا ما ارتبطت الفيدرالية عند الكثيرين بالديمقراطية لأنها توفر ضمانات قانونية تمنع نشوء سلطة مركزية قد تجنح نحو الدكتاتورية، لكن الفيدراليات في العالم ليست بالضرورة الأفضل في مجال الحريات العامة والحكم الديمقراطي، كما إن النظم المركزية ليست سلطات دكتاتورية لمجرد إنها غير فيدرالية حتى مع وجود مشكلات خاصة بالأقليات في بلدانها.
 
ان السويد مثلا وهي دولة مركزية النظام تعد الديمقراطية الأفضل في العالم، كما إن بريطانيا استمرت كدولة ديمقراطية رائدة بدون فيدرالية من غير أن تدفعها المشاكل المذهبية في ايرلندا الشمالية وواقع وجود أكثر من تشكيل سكاني مميز في اللهجة والتمركز والخصائص مثل الانكليز والاسكتلنديين والويلزيين الى جانب الايرلنديين ، من غير أن يدفعها ذلك إلى التحول نحو النظام الفيدرالي مكتفية بالديمقراطية وبنظام إداري لا مركزي كان على مدى مئات السنين كفيلا بمنح الجميع حقوقا متساوية  .
 
"
لم يثبت ان الفيدرالية يمكن ان تجلب معها الديمقراطية او الرفاهية اذ ان هنالك دول فيدرالية تعاني الفقر في حين ان دولا مركزية تطبق اليوم افضل التجارب الديمقراطية واكثرها رفاهية

"
وفي المقابل يمكن أن نجد إن بين الفيدراليات دول غير ديمقراطية مثل الاتحاد السوفيتي السابق أو يوغسلافيا السابقة إلى جانب دول أخرى لا يمكن القول إنها تمثل تجارب ديمقراطية نموذجية لمجرد إنها فيدرالية مثل روسيا ونيجيريا والأرجنتين والبوسنة والهرسك .
 
أما الجانب المتعلق بالرفاهية الاقتصادية التي جرى ربطها بالفيدرالية فهو أيضا يتضمن مغالطة واضحة حيث تمثل الولايات المتحدة بالفعل الدولة الأغنى في العالم، لكن أفقر دولة في العالم وهي إثيوبيا فيدرالية كذلك، الأمر الذي يعني إن النظام الفيدرالي لا علاقة له بالغنى أو الفقر، لاسيما وان بعضا من أغنى دول العالم  مثل اليابان وفرنسا وايطاليا ليست فيدرالية بل ذات حكم مركزي.
 
والحاصل ، فان الفيدرالية التي تضمنها الدستور العراقي الجديد لا يشبه أي تجربة سابقة لا من حيث الأسباب ولا من حيث الخصائص والتفاصيل ، حيث تبدو أكثر تطرفا واقل نضجا، والذين كتبوها لم يستفيدوا من تجارب الآخرين بما في ذلك تجارب الكيانات الفيدرالية التي اعتبروها قدوة ونموذجا لهم مثل تجربة الولايات المتحدة التي اقتضى منها الأمر خوض حرب أهلية لتبقى موحدة ولتتجاوز بعضا من المشاكل في نظامها الفيدرالي ورد ما يماثلها  في مسودة الدستور العراقي.
_______________



الجزيرة نت
المصادر:
د. عبد الوهاب الكيالي ، موسوعة سياسية، ج4، حقل الفاء
روجر ديفدسون ، الفيدرالية،http.passagen.se