يحيى الرفاعي
"لا يوجد في مصر دستور فعلي، فالدستور الحالي والدساتير السابقة عليه قد عطلتها الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ المطبقة منذ عام 1914 حتى الآن، وتعديل مادة دستورية واحدة فقط  -المادة 76- مسألة عبثية، فالبلاد في حاجة إلى دستور جديد، وقد تحرك القضاة ولن يتوقفوا حتى ترفع عن المنظومة القضائية وعن القضاة ما يعانونه من مظالم طالت كرامتهم وسمعتهم ونزاهتهم".
 
بهذه الكلمات القوية بدأ شيخ قضاة مصر والرئيس الشرفي لنادي القضاة المستشار يحيى الرفاعي حواره مع الجزيرة نت، معلقا على دوافع التحركات الأخيرة للقضاة في ظل دعوات الإصلاح السياسي التي تموج بها البلاد.
 


سعادة المستشار.. لماذا تحرك قضاة مصر الآن منضمين لقطار المطالبين بالإصلاح؟

"
استقلال القضاء ليس حقا للقاضي وإنما حق للناس المتقاضين، هم المفروض أن يدافعوا عنه لأنهم المتضررون من عدم توافره
"
تحركوا فيما يخصهم، المطالبة باستقلالهم والمحافظة على كرامتهم ونزاهتهم وسمعتهم، والقضاء هو مفتاح كل إصلاح ولا يمكن إجراء أي إصلاح بدون القضاء، بل القضاء أولا.. وإذا تم إصلاح القضاء كل شيء سيصلح بعد ذلك، وإذا لم يتم إصلاح القضاء فلا معنى للإصلاح من أساسه. والقضاة تحركوا للدفاع عن استقلالهم ونزاهتهم وهذه مسألة واضحة جدا.. أنت تعلم أن هناك انتخابات قادمة قريبا، وقضاة الإسكندرية عانوا الأمرين من هذه المسألة.

كيف عانوا؟ ومم عانوا؟

من التزوير في الانتخابات .. والتدخل في عملهم، وإحراجهم أكثر من مرة.


منذ متى والقضاء في مصر يعاني هذه الإشكالات؟

منذ حوالي 15 سنة تقريبا.


لماذا صبر القضاة في مصر كل هذه المدة؟

كانت هناك مطالبة دائما، لم نكن صامتين أبدا، بل كنا مصرين ولم نتوقف عن المطالبة، والتحرك الأخير لقضاة مصر واجتماعاتهم الشهر الماضي استمرار لسلسلة من المطالبات بالإصلاح القضائي.


هل انعكست معاناة القضاء على وضعية حقوق المواطنين في البلاد؟

بالطبع، أي شيء يحدث للقضاء يمس السبعين مليونا، لأن هذا انتقاص من حقوقهم، واستقلال القضاء ليس حقا للقاضي وإنما حق للناس المتقاضين، هم المفروض أن يدافعوا عنه لأنهم المتضررون من عدم توافره.

 
ألا ينص الدستور المصري على استقلال القضاء؟

نحن لا يوجد لدينا دستور فعلي، الدستور في مصر معطل.


معطل في بعض بنوده؟

"
الدستور المصري صوري ومعطل منذ صدوره وما قبله كذلك، منذ عام 1924 ونحن نعاني.. والدساتير عندنا غير نافذة.. هي دساتير متحفية فقط
"
لا.. كله متعطل.. الدستور صوري ومعطل منذ صدوره، وما قبله كذلك، منذ عام 1924 ونحن نعاني، لا توجد دساتير فعلية، حتى لما جاء دستور عام 1923 الإنجليز اشترطوا للعمل به تنفيذ قوانين الطوارئ أي تعطيل الدستور فعليا، فنفذوا الأحكام العرفية والطوارئ ولم ينفذوا الدستور، فالدساتير عندنا غير نافذة، هي دساتير متحفية فقط، وهذا إلى الآن.


هل الخلل مرتبط ببنود الدستور أم في طريقة تطبيق تلك البنود؟

أقول لك الدستور نفسه غير مطبق، غير سار.

 
ولو طبقت بنود الدستور بنزاهة؟

المطبق هو الطوارئ، الأحكام العرفية.. منذ عام 1914 إلى اليوم.


هل يعني ذلك أن الإصلاح المنشود من قبل القضاة في مصر يتضمن إعادة كتابة الدستور من جديد؟

الدستور لازم يتغير كله، لازم دستور جديد وعهد جديد وفهم جديد يكون فيه أبعاد للحرية وتقديس للحرية، إنما إلى الآن هناك احتقار للحرية واحتقار للقانون واحتقار للدستور نفسه.


في ظل الدستور الحالي، ما هي أبرز بنود الإصلاح التي يطالب القضاة المصريون بها؟

أولا إصلاح قانون السلطة القضائية، أي إصلاح النصوص المخالفة لطبيعة استقلال القضاء، وإصلاح قانون مباشرة الحقوق السياسية، وثالثا إلغاء العمل بقانون الطوارئ. هذه القيود الثلاثة سيئة جدا لابد من إصلاحها حتى ينال المواطن حقوقه كاملة.. وكل هذه القوانين تمس حقوق المواطن بصورة مباشرة. ونحن من جهتنا عملنا بالفعل مشروع إصلاح وقدمناه.

 
متى قدمتموه؟ وإلى أي جهة؟

قدمناه مرة منذ 15 سنة ومرة في ديسمبر/كانون الأول الماضي 2004. إلى رئيس الجمهورية ووزارة العدل.


وماذا كان رد الفعل الرسمي إزاء تلك المشاريع؟

لايوجد رد، كل مرة كانت تتم المماطلة وعدم التطبيق واختلاق الذرائع مثل إنشاء لجان تنظر في الأمر.. وهكذا إلى الآن.


أليس الإعلان عن تعديل المادة 76 من الدستور والتي تمس مسألة اختيار الرئيس تعد خطوة على طريق الإصلاح؟

إصلاح مادة واحدة في الدستور مسألة عبثية، القصة بكاملها عبثية.. على سبيل المثال مواد الدستور بكامله تتحدث عن الاشتراكية ونحن لا توجد عندنا اشتراكية حاليا.
 

هل تتوقعون الاستجابة لمطالبكم هذه المرة من قبل رئيس الجمهورية؟

أنا أتوقع 100% أن يستجاب لمطالبنا لأن هذا كما ذكرت لك المدخل الوحيد للإصلاح.. وإذا أريد الإصلاح حقا، فلابد من إصلاح القضاء فورا.


ماذا لو لم تتم الاستجابة لمطالبكم؟ ما هي ردة فعلكم؟

لا أستطيع التكهن حاليا.. لكن الناس فاض بهم الكيل جدا، وللأسف تحدث حاليا محاولات للتفرقة والدس والوقيعة واستمالة البعض بالمال وأشياء غريبة تحدث الآن.


من قبل من ؟

من قبل الحكومة.. الوزارة هي التي تتحرك.


من المؤكد أنك تابعت اللقاء الإعلامي الذي أجري مع الرئيس مبارك على مدى ثلاث حلقات عبر شاشة التلفزيون المصري وبعض الفضائيات العربية.. كيف كانت ردة فعلك تجاهه؟

إحباط شديد.. لاشيء، هذه محاولة دعاية انتخابية لا أكثر ولا أقل.


أشار الرئيس في تلك المقابلة إلى أن العالم حاليا يتجه نحو محاربة الإرهاب، ومعظم دول العالم حتى المتقدمة منها أعلنت قوانين خاصة بمكافحة الإرهاب وبعضها أعلن الطوارئ
، فهل من المعقول أن تأتي مصر في تلك المرحلة الحرجة وتلغي قانون الطوارئ.. ما ردك على هذا التبرير؟

"
قانون الطوارئ هو مفتاح كل فساد.. حتى أحكام القضاء التي تصدر في ظل قانون الطوارئ تكون خاضعة للتصديق أو الإلغاء أو التعديل وليس لها أي احترام!!
"
قانون الطورائ لدينا موجود منذ عام 1914 وهو يعد السوءة الأساسية في مصر والذي فرضه الاستعمار الإنجليزي.. الجنرال ماكسويل هو الذي أعلنه وفرضه، ولم يفرض عندنا في مصر فقط، وإنما في كل العالم العربي.. لكن مصر قدوة ومثل.. فلابد من التحرر من قانون الطوارئ، وقانون الطوارئ لا يمنع شيئا، إنما يعطل الحريات ويعطل الدستور ويعطل المشروعية.. ويفتح الأبواب لكل عبث وكل فساد.. قانون الطوارئ هو مفتاح كل فساد.. حتى أحكام القضاء التي تصدر في ظل قانون الطوارئ تكون خاضعة للتصديق أو الإلغاء أو التعديل من الحاكم العسكري وليس لها أي احترام.. فطبقا لقانون الطوارئ الأحكام يجب أن يصدق عليها، أحكام أمن الدولة طوارئ خاضعة للتصديق.. للأسف نظام الحكم لدينا هكذا.. الطوارئ.. نحن نحكم بقانون الطوارئ.


سعادة المستشار.. أخيرا.. هل ترون ضوءا في نهاية النفق؟ هل أنت متفائل بتحقيق إصلاح سياسي جاد في المستقبل القريب بمصر؟

هذا يتوقف على الرغبة في الإصلاح أصلا.. إذا حدث الإصلاح سيكون هناك أمل وضوء.. لكن يجب على القائمين بالإصلاح أن يفهموا من أين يبدؤون الإصلاح.. وحتى الآن لم يبدأ طريق الإصلاح.
_______________
الجزيرة نت