للتبت تاريخ سياسي وروحي قديم، يقدمه التبتيون في الغالب تاريخا قائما مستقلا بذاته، وكيان التبت المعاصر ألحق بالصين قسرا في منتصف القرن العشرين بعد مجيء الحكم الشيوعي.

في حين تقدم الصين التاريخ التبتي على أنه جزء من تاريخها الإمبراطوري، وأن التبت أصبحت في القرن الـ13 جزءا منها، وأن مجيء الحكم الشيوعي أخرج التبت كما أخرج بقية الصين من حكم الآستعمار والإقطاع.

فما تسمى بقضية التبت حتى اليوم مرتبطة بالصين الشيوعية التي قامت عام 1949 بالسيطرة عسكريا على إقليم كامدو الواقع في التبت الشرقية، وحينها لم يجد احتجاج التبتيين نفعا رغم التعاطف الدولي الذي حظيت به قضيتهم من قبل أميركا وبريطانيا فضلا عن دولة الجوار الهند.

وتفسر الصين الموقف الدولي في سياق التمدد الاستعماري حينها، وأن ما قامت به ليس احتلالا إنما هو تحرير للتبت الصينية الذي تكرس عام 1951 بالاتفاقية التي وقعها الطرفان وسميت (اتفاقية حول أسلوب التحرير السلمي في التبت بين الحكومة الشعبية المركزية وحكومة التبت المحلية ) أو التي تسمى اختصارا (اتفاقية البنود الـ17).

وهذه الاتفاقية نصت بنودها الأولى على أن التبتيين سيطردون "القوى العدوانية الإمبريالية من التبت ويعود أبناء التبت إلى أسرة الوطن الكبرى لجمهورية الصين الشعبية" وأن الجيش الصيني سيدخل إلى التبت، "بالتعاون الإيجابي من حكومة التبت المحلية لتعزيز الدفاع الوطني".

أحداث 1959 وتداعياتها
ولم تحل الاتفاقية المذكورة دون تفجر مواجهات عنيفة بين التبتيين والحكومة الصينية سنة 1959، وصفها التبتيون بالانتفاضة القومية، والصينيون بالتمرد الانفصالي، وسقط فيها من التبتيين حسب روايتهم حوالي 87 ألفا، خرج في أعقابها زعيمهم الدلاي لاما إلى الهند حيث أنشأ "حكومة التبت في المنفى" التي لا تحظى باعتراف أي دولة في العالم.

وأعلن الدلاي لاما من هناك أيضا أن الطرف التبتي قد أكره علي القبول باتفاقية البنود الـ17 وأن الصين انتهكتها، ولهذا تعد باطلة ولاغية معلنا السعي لاستعادة "استقلال التبت".

وعلى الجانب الصيني كانت الأمور تسير بالاتجاه المعاكس، فبعد أن استطاعت الحكومة الصينية السيطرة على المواجهات وذيولها انطلقت نحو إضفاء طابع قانوني على الواقع الجديد، فنظمت "انتخابات ديمقراطية" عام 1961، ثم فى سبتمبر/ أيلول 1965 انعقدت الدورة الأولى لمجلس "نواب الشعب الأول لمنطقة التبت"، حيث انتخبت الحكومة المحلية لمنطقة التبت، وأعلن عن تأسيس منطقة التبت ذاتية الحكم رسميا.

ولكن الثورة الثقافية التي عمت الصين واستمرت من 1966 إلى 1976 قد ذهبت بكثير من المكتسبات التي حصل عليها التبتيون، فقد هدمت لهم معابد كثيرة وأتلفت كتب، واعتقل رجال دين، حالهم حال بقية الخاضعين للنظام الشيوعي الصيني في ذلك الوقت.

الثمانينيات نحو الوسط
بعد الثورة الثقافية أخذت المواقف الحادة تلين نسبيا مع مرور الوقت، خاصة بين الحكومة الصينية وحكومة النفى التبتية، وتوجت عام 1979 بإعلان الدلاي لاما قبوله الصيغة التي طرحتها الصين وتقوم على أساس أن جميع القضايا تحل أثناء المفاوضات إلا الاستقلال، وهو ما يصفه أنصار الدلاي لاما بالتحول الإيجابي من مبدأ إعادة الاستقلال إلى مبدأ الطريق الوسط.

وانتهى هذا المسار الجديد بإعلان الدلاي لاما في ستراسبورغ (فرنسا) في 15 يونيو/ حزيران 1988 قبوله بالتفاوض على حكم ذاتي واسع في التبت، له مميزات أكثر مما يعطيه الجانب الصيني وأقل من الاستقلال الذي كان يطالب به سابقا.

وبالتزامن مع مسار التفاوض والتجاذب السياسي الذي استمر طيلة التسعينيات وقعت مواجهات عنيفة متفرقة سقط فيها العديد من القتلى، واختلفت حولها بيانات الطرفين مع أرجحية واضحة على المستوى الدولي لقضية التبتيين الأخلاقية والحقوقية.

وبلغت أعمال العنف التي اندلعت في مارس/ آذار من العام الجاري 2008 مستوى عاليا، فقد سقط نتيجتها حسب حكومة المنفى للتبتيين 150 قتيلا، في حين قللت الصين من أعداد القتلى واتهمت في المقابل الدلاي لاما بأنه كان وراء هذه الاضطرابات لإحراج الصين التي ستنظم الألعاب الأولمبية.

وحاليا ورغم ما حصل لا يزال خيط التفاوض ممسوكا من الطرفين، رغم أن المنظمات التبتية الحقوقية لا تزال تتحدث عن مواجهات متفرقة من وقت لآخر بين سكان التبت والقوات الصينية، في حين أن الصين تؤكد على أن الهدوء عم، وأن الأحداث الإجرامية كما تصفها قد هدأت.

شارك برأيك