الرئيس الكزاخي نور سلطان نازاربييف (يمين) والرئيس الأوزبكي إسلام كاريموف على هامش اجتماعات منظمة شنغهاي للتعاون التي عقدت في أستانا عاصمة كزاخستان في يوليو/ تموز 2005
 
بحد السيف اقتطع المستعمر الروسي البلاد الواقعة على خط الحرير وقسمها إلى كيانات وأعطى لكل واحد منها اسما: كزاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان.
 
وبحد السيف مرة أخرى فرض المستعمر ثقافته ولغته على هذه الشعوب قرابة سبعين عاما. وحينما انهار الاتحاد السوفياتي عام 1991، ظهر ورثة الاستعمار كدول مستقلة تجر معها تركة المستعمر نحو أبواب القرن الواحد والعشرين.

كانت رياح البروستريكا قد هبت على آسيا الوسطى وشهدت المنطقة تحركات سياسية معارضة للنخب الشيوعية الحاكمة أواخر الثمانينيات قبيل الانهيار السوفياتي، غير أن معظم هذه التحركات لم تكن مدعومة من الغرب الذي وقف بقوة وراء قوى التغيير في دول البلطيق. وفي غياب معارضة حقيقية في الشارع احتفظت النخبة الشيوعية بزعامتها لهذه الجمهوريات الوليدة مما جعلت عملية الانتقال إلى الاستقلال دون تغييرات جذرية في أنظمة الحكم الاستبدادية التي لبست قناع الديمقراطية المزيفة بتغيير بعض الأسماء والألوان وهامش شكلي بسيط للحريات تحت ضغط الأحداث المتلاحقة للانهيار السوفياتي.
 

الأطر الرسمية والأجندات الخاصة
 
لقد شكل موضوع العلاقات البينية لورثة الاستعمار الروسي في آسيا الوسطى أحد أهم الملفات التي حازت على الاهتمام الداخلي والإقليمي مباشرة بعد إعلان استقلال هذه الدول في الربع الأخير من عام 1991.
 
تنظيم العلاقات البينية
"
لم تتحقق رغبة جمهوريات آسيا في بناء علاقات قريبة مع الغرب والابتعاد عن السيطرة الروسية، نظرا لعدم ثقة الغرب بالزعامات الجديدة التي في الحقيقة كانت امتدادا للحقبة السوفياتية المستبدة
"
ويمكننا فهم التحرك السريع لهذه الدول لوضع إطار ينظم علاقاتها البينية من خلال تشكيل كومنولث دول آسيا الوسطى أواخر عام 1991 بواسطة كزاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان وتركمانستان لتنظيم عملية الدمج الاقتصادي والتنمية المشتركة في مجالات السياسة والتقنية والثقافة والتعليم. غير أن تركمانستان خرجت من هذه المجموعة بعد فترة قليلة.

وتغير اسم هذه المجموعة أكثر من مرة، حيث تغير إلى الاتحاد الاقتصادي لآسيا الوسطى عام 1994 ثم تغير إلى التعاون الاقتصادي لآسيا الوسطى عام 1998 حينما انضمت إليها طاجيكستان، واستقر الاسم على منظمة آسيا الوسطى للتعاون عام 2002، كما انضمت إليها روسيا عام 2004.

ولكن منذ عام 2005 بدأ الحديث بدمج هذه المجموعة بمنظمة تعاون أوروآسيا التي تشكلت في مايو/أيار 2001 بين روسيا وروسيا البيضاء وكزاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وانضمت إليها أوزبكستان في أغسطس/آب 2006.

وهناك أطر أخرى إقليمية تربط هذه الدول ببعضها كذلك، أهمها كومنولث الدول المستقلة التي تأسست عام 1991 من 11 جمهورية سوفياتية سابقة بينها جمهوريات آسيا الوسطى غير أن تركمانستان خرجت منها كعضو عام 2005 واكتفت بصفة إشرافية تعاونية.

وتأتي منظمة شانغهاي للتعاون كأهم منظمة لتأطير العلاقات بين دول آسيا الوسطى وإقليمها القريب وتجمع الصين وروسيا مع دول آسيا الوسطى ما عدا تركمانستان.
 
وتشكل قمة الدول التركية التي تشكلت عام 1992 كذلك أحد الأطر الأخرى التي تؤثر في تنظيم العلاقات البينية لدول آسيا الوسطى بجانب المنظمات الأخرى التي تضم هذه الدول مثل منظمة التعاون الاقتصادي (إيكو) ومنظمة مؤتمر العالم الإسلامي ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي.

وبقراءة سريعة لأداء هذه الأطر المتعددة التي تجمع دول آسيا الوسطى معا وتنظم علاقاتها البينية لا نجد هناك تقدما حقيقيا في اتجاه الأهداف المعلنة لهذه الأطر التي عجزت حتى الآن عن حل المشاكل الحقيقية في علاقات هذه الدول. وأصبحت هذه الأطر طاولة لتمرير الأجندات الخاصة لكل دولة بناء على حساباتها ومصالحها.

لقد كان التوجه العام لدول آسيا الوسطى إبان الاستقلال هو استغلال ضعف موسكو في بناء علاقات قريبة مع الغرب والابتعاد عن السيطرة الروسية، غير أن هذا الحلم لم يتحقق نظرا لعدم ثقة الغرب بالزعامات الجديدة التي في الحقيقة كانت امتدادا للحقبة السوفياتية المستبدة مما جعلت هذه الدول تقترب من موسكو من جديد خصوصا في حقبة الرئيس فلاديمير بوتين.

ومن الملاحظ في هذه الأطر هو تقوقع تركمانستان على نفسها بزعامة رئيسها الراحل صابر مراد نيازوف الذي حكم البلد خلال 15 عاما بفلسفته الخاصة وطريقته الفريدة في الاستبداد.

وهناك عوامل أخرى لعدم نجاح الأطر الرسمية منها تطلع الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف للعب دور الشرطي في آسيا الوسطى نظرا لموقع أوزبكستان الجيوإستراتيجي التي تتاخم الدول الأربع الباقية والتي تضم أكبر تجمع بشري في المنطقة.

لقد أدت سياسات الرئيس الأوزبكي المتشددة إلى تأرجحه الشديد بين المحور الأوروبي الأميركي والمحور الروسي الصيني مما يعطي انطباعا واضحا على سيطرة الأجندات الخاصة لهذه الدول على قائمة الأولويات.

وتشهد هذه الأطر الرسمية اهتماما كبيرا من دول آسيا الوسطى حينما يتعلق الأمر بالأمن الجماعي وخطر الإرهاب والأصولية الإسلامية ويعتبر التعاون الأمني أحد أهم القضايا المشتركة في أجندة الاجتماعات الرسمية لزعماء ومسؤولي هذه الدول.
 
ويبقى ملف الحدود مفتوحا للنقاش بين بعض دول آسيا الوسطى حيث تم رسمها أثناء الحكم الشيوعي في عشرينيات القرن الماضي وتم توزيع القوميات والعرقيات بشكل يخدم مصالح موسكو آنذاك، غير أن هذه الحدود خلقت مشاكل عديدة بين هذه الدول بعد الاستقلال.
 
لقد وجد الكثير من القوميات نفسه كأقليات عرقية وقومية مهمشة في معظم الأحيان، مثل الأوزبك في قرغيزستان وكزاخستان وتركمانستان وطاجيكستان، والطاجيك في أوزبكستان والقرغيز في أوزبكستان وطاجيكستان خصوصا في مثلث وادي فرغانة حيث تتلاقى حدود الدول الثلاث معا.
 
مع أن الخلافات الحدودية واتهامات التدخل في الشؤون الداخلية لم تصل إلى حد الحروب والمعارك بين هذه الدول غير أن العلاقات الطاجيكية الأوزبكية ما زالت تشهد توترا مستمرا تصل لحد غلق الحدود وتبادل الاتهامات بدعم المعارضة المسلحة لكل دولة.

لقد ساعدت أوزبكستان بجانب روسيا الشيوعين الطاجيك في السيطرة على الحكم أواخر عام 1992 وإخراج الإسلاميين من العاصمة دوشنبه، غير أن مساعدة طشقند التي جاءت حينها خوفا من تنامي قوة الإسلاميين لم تقف دون الخلافات الحادة نظرا لتحول طاجيكستان إلى منطقة نفوذ روسية في المنطقة.
 
الخطر الإسلامي أولوية قصوى
 
"
ملف التعاون الثقافي والاجتماعي من الملفات المنسية، حيث سعت الدول لترسيخ الهوية القومية خلال الـ15 عاما الماضية وأصبح البحث عن هوية أولوية غطت على المشتركات التاريخية
"
لقد شكلت الأصولية الإسلامية أهم عنصر قلق لدى دول آسيا الوسطى التي تحكمها دساتير علمانية، وربما الاستثناء الوحيد في المنطقة هو طاجيكستان التي ينص فيها الدستور على علمانية الدولة بجانب إعطاء حق تأسيس أحزاب على أساس ديني كخطوة توفيقية بين الإسلاميين والحكومة الطاجيكية التي خاضت حربا أهلية لمدة خمس سنوات بين 1992- 1997 وراح ضحيتها قرابة سبعين ألف شخص.

ويعتبر اليوم حزب النهضة الإسلامي الحزب الإسلامي الوحيد في المنطقة وقد حاز على مقعدين في آخر انتخابات برلمانية في طاجيكستان عام 2005 رغم الضغوط الحكومية الشديدة عليه.

ورغم القوانين المتشددة ضد مظاهر التدين بشكل عام في كل الجمهوريات وسن قوانين متعددة لوقف العمل الإسلامي العام ووضع الأنشطة الإسلامية ضمن إطار رسمي ضيق تشرف عليها الحكومة بشكل مباشر فإن الشارع العام خصوصا بين العرقيات المسلمة يعبر عن إسلاميتها بأشكال مختلفة.

وتشكل أوزبكستان معتركا ساخنا للمواجهة بين الإسلاميين ونظام الرئيس كريموف حيث أنها تحتوي على أهم تكتلات إسلامية عسكرية وسياسية وشعبية. وتعتبر حركة أوزبكستان الإسلامية أهم عنصر في الصراع الدائر هناك. كما أن حزب التحرير يعتبر أهم كيان سياسي غير رسمي يتم محاربته في آسيا الوسطى بشكل عام.

من جهتها شكلت أفغانستان أحد أهم مصادر القلق لدول آسيا الوسطى، وقد دفع الخطر الأصولي القادم من الجنوب خصوصا في فترة حكم طالبان لأفغانستان هذه الدول لمزيد من الإجراءات المتشددة ضد الإسلاميين بل دفعت كلا من طشقند ودوشنبه للتقارب رغم خلافاتهما التي تمثلت في دعم الفرقاء الأفغان من الطاجيك والأوزبك.

لقد شكلت أحداث 11 سبتمبر/أيلول وما اعقبتها من حرب أميركية على أفغانستان فرصة ذهبية لديكتاتوريات آسيا الوسطى -خصوصا أوزبكستان- لمد يد التعاون للولايات المتحدة وفتح البلاد للقواعد العسكرية الأميركية.
 
مع أن هذه العلاقات القريبة بدأت تفتر نظرا لأنها فشلت في شراء الصمت الغربي على مجرزة أنديجان شرقي أوزبكستان عام 2005 والتي راح ضحيتها عشرات الأبرياء.

ولقد ظهر التعاون جليا في اتخاذ موقف متشدد من الثورات الملونة التي بدأت من أوكرانيا ومرت بجورجيا وأخيرا في قرغيزستان عام 2005.
 
لقد كانت تصريحات مسؤولي طاجيكستان وأوزبكستان في اجتماعات قمة شنغهاي -بأن زمن الثورات الملونة قد ولى وأن الحلول المستوردة من الخارج غير مقبولة- إشارة واضحة لتقارب المواقف بين الدول المستبدة التي تسعى لتمديد عمرها عبر عمل تحالفات إقليمية واستغلال الصراع العالمي على النفوذ في آسيا الوسطى.
 
ملفات في وجه العلاقات البينية
 
"
أدت السياسات الاقتصادية الخاصة بكل دولة إلى فتح ملفات أخرى ساخنة بين هذه الدول أهمها ملف المياه

"
الطاقة والمياه
رغم الإمكانيات الضخمة التي تملكها هذه الدول خصوصا في مجال الطاقة، فإن القرارات السياسية للنخبة الحاكمة حرمت شعوب هذه المنطقة من الاستفادة من هذه الموارد إن على مستوى الدول نفسها أو على مستوى المنطقة ككل.

فحين تنعم كزاخستان وأوزبكستان وتركمانستان بذخائر نفطية وغازية كبيرة تعاني طاجيكستان وقرغيزستان من نقص شديد في الطاقة خصوصا في الشتاء ولم تجد هذه الدول تعاونا حقيقيا لعملية الدمج الاقتصادي والتنمية المشتركة مما يرفع مستوى المعيشة والدخل للجميع.

ولقد أدت السياسات الاقتصادية الخاصة بكل دولة إلى فتح ملفات أخرى ساخنة بين هذه الدول أهمها ملف المياه التي تبدو كل من طاجيكستان وقرغيزستان تقايضان فيه الدول ذات المخزون النفطي والغازي الضخم.
 
وقد حذرت تقارير دولية مهتمة في مجال المياه من نشوب نزاعات في آسيا الوسطى حول المياه إذا لم تتفق هذه الدول على إعادة توزيع النسب حيث تشكل قرغيزستان وطاجيكستان 90% من مصادر مياه المنطقة في حين تشكل أوزبكستان وكزاخستان أكبر جهتين مستخدمتين للمصادر المائية.

الهوية المحلية
ويبقى ملف التعاون الثقافي والاجتماعي من الملفات المنسية بين هذه الدول، حيث سعت الدول لترسيخ الهوية القومية بشكل كبير خلال 15 عاما الماضية وأصبحت تماثيل الشخصيات التاريخية لهذه المنطقة تعلو الميادين وصورهم تعلو العملات وأسماؤهم تزين الشوارع. وأصبح البحث عن هوية أولوية غطت على المشتركات التاريخية لهذه الدول خصوصا الإسلام كمشترك أساسي يجمع كل هذه القوميات والعرقيات المختلفة.

ويبدو مستقبل العلاقات البينية لهذه الدول يتحدد في ظل المشاريع الاقتصادية الضخمة التي تنتظرها المنطقة في مجال الطاقة ونقلها إلى الخارج عبر الأنابيب المقترحة وكذلك حركة توصيل المنطقة بالجنوب عبر شبكة طرق وسكك حديدية وأنابيب مما يدفع الدول إلى إبداء المزيد من المرونة في ملفاتها السياسية لرفع قدراتها الاقتصادية.

وربما تشهد دول مثل كزاخستان وقرغيزستان وربما طاجيكستان هامشا أكبر من الحريات المدنية التي تدفع مؤسسات المجتمع المدني للتواصل داخل المنطقة وربما تشهد تركمانستان -بعد رحيل زعيمها- هامشا من الحريات حسب توقعات المراقبين مما يفتح المجال لعودة تركمانستان إلى رقعة شطرنج آسيا الوسطى بشكل أكبر.

وربما تستمر معاناة الحريات المدنية في أوزبكستان في وجود الرئيس كريموف مما يجعل التوتر مستمرا في قلب آسيا الوسطى، وقد يعيق العديد من المشاريع الاندماجية والتعاونية بين الدول مستقبلا.
______________