العلاقات الإيرانية العراقية قبل الاحتلال الأميركي للعراق وسقوط نظام حكم الرئيس صدام حسين عام 2003 تختلف اختلافا جذريا عن تلك التي تشكلت بعد ذلك.
 
إيران الثورة ونظام حكم صدام
العام الذي اندلعت فيه الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 هو نفسه الذي تولى فيه صدام حسين زمام الحكم في العراق بعد انقلاب أبيض على الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر. وقبل أن تستقر الأوضاع لنظامي الحكم في البلدين دخلت العلاقات بينهما منزلقا خطيرا.
 
فتراشق الطرفان بالاتهامات، إيران تتهم العراق بإعدام الرموز الشيعية المعارضة وعلى رأسهم محمد باقر الصدر، والعراق يتهم إيران باستغلال المذهب الشيعي لإحداث قلاقل في الدول المجاورة ومحاولة تصدير الثورة لا سيما إلى تلك الدول التي فيها أقلية شيعية. 

وارتفعت بسرعة وتيرة الحرب الإعلامية بينهما، واتخذت من قضية الأحقية في مياه شط العرب عنوانا، وبعد عشرة أشهر من ذلك التوتر تحول التراشق بالكلام إلى تراشق بالمدفعية، ثم اندلعت الحرب واستمرت من 1980 حتى 1988.

توقفت الحرب في الثامن من آب/أغسطس عام 1988 بعد أن أعلن آية الله روح الله الموسوي الخميني قبوله قرار مجلس الأمن رقم 598 الداعي لوقف القتال. وقد خسر الطرفان جراء هذه الحرب أكثر من مليون ونصف المليون قتيل وحوالي ضعفهم من الجرحى والمعوقين فضلا عن المليارات الكثيرة التي تكبدها اقتصاد البلدين سواء بشكل مباشر تمثل في تدمير مكامن القوة الاقتصادية وبخاصة مصافي النفط في البلدين أو بشكل غير مباشر من خلال إضاعة فرص كبيرة للاستثمار والتنمية وجذب رؤوس الأموال الأجنبية.

لم تتحسن العلاقة بين العراق وإيران بعد الحرب، لأن البلدين لم يوقعا معاهدة للسلام تضبط مسار العلاقات وتعيدها إلى حالتها الطبيعية، ساعد على ذلك قرار مجلس الأمن السابق الذكر والذي كان غامضا في صياغته لا سيما المتعلق منه بالمسؤولية عن الحرب.

بعد الحرب بعامين اثنين (1990) دخل العراق في حرب أخرى جديدة ضد جارته الكويت، انتهت بإخراجه منها مهزوما على يد قوات دولية كانت تقودها الولايات المتحدة عام 1991.
 
في هذا العام تحديدا اندلعت انتفاضة شيعية حمّل العراق جزءا من مسؤولية اندلاعها لإيران، كما اتهمها بالتخطيط والتنسيق مع المعارضين الشيعة الموجودين على أرضها وعلى رأسهم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة لإسقاط نظام حكمه، وهو ما أعاق عودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها.
 
واستمرت الخلافات المشوبة بالتوتر تطبع علاقة البلدين أثناء الحصار الدولي على العراق والذي استمر من عام 1991 حتى عام 2003.

بدأت في عام 2003 نذر حرب أميركية على العراق، وقد أعلنت إيران في البداية معارضتها للحرب ثم عادت وأعلنت وقوفها على الحياد.
 
وبعد سقوط نظام حكم صدام حسين أظهرت طهران ابتهاجها بزوال هذا النظام الذي دخلت معها في حرب ضارية لثماني سنوات.
 

"
تعززت علاقة إيران بالعراق في ظل الحكومة الجديدة التي غلب عليها التمثيل الشيعي، وبادرت إيران إلى الاعتراف بها

"

العلاقة بعد الاحتلال

تعززت علاقة إيران بالعراق في ظل الحكومة الجديدة التي غلب عليها التمثيل الشيعي، وبادرت إيران إلى الاعتراف بها، وفي سبتمبر/أيلول من العام التالي لسقوط نظام حكم صدام حسين استأنفت إيران والعراق علاقاتهما الدبلوماسية، وقفزت العلاقة بينهما إلى مستوى متقدم في ظل حكومة إبراهيم الجعفري، حيث أصدرت تلك الحكومة أمرا بالعفو عن المحتجزين والمعتقلين الإيرانيين في السجون العراقية ترحيبا بزيارة وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي لبغداد.
 
وفي تطور مشهود للعلاقات الثنائية بين البلدين لم يحدث منذ أربعين عاما زار وفد عسكري عراقي كبير برئاسة وزير الدفاع سعدون الدليمي طهران، وقدم الوفد اعتذاره لإيران حكومة وشعبا عن ما وصفه بجرائم صدام بحق إيران، وتكللت هذه الزيارة بتوقيع اتفاق للتعاون العسكري في مجالي الدفاع ومحاربة الإرهاب.
 
كما زار الجعفري نفسه طهران لتعميق وتوثيق العلاقات بين البلدين بعد أن شابها التدهور في ظل حكومة إياد علاوي الذي اتهم طهران بالتدخل في الشأن الداخلي العراقي.
 
وقدم الجعفري التطمينات اللازمة لطهران، مؤكدا أن حكومته لن تسمح للمعارضة الإيرانية (منظمة مجاهدي خلق) بأن تتخذ من الأراضي العراقية منطلقا لممارسة عملياتها ضد إيران.

وكان من أبرز نتائج تلك الزيارة التوقيع على اتفاقية تعاون أمني مشترك بموجبه شكل البلدان لجانا مشتركة للتنسيق الأمني وضبط الحدود والمساعدة في إعادة تأهيل الجيش العراقي.

واستمر الخط البياني للعلاقات الإيرانية العراقية في تصاعد حتى بعد خروج الجعفري من الحكومة وتولي نوري المالكي رئاسة الوزراء، حيث بادر الأخير إلى زيارة إيران، واستقبله الرئيس الإيراني الجديد أحمدي نجاد الذي أعلن أثناء هذه الزيارة عن ربط أمن بلاده بأمن العراق، قائلا إن بلاده مستعدة لإحلال الأمن كاملا في العراق، لأن أمن العراق هو من أمن إيران.
 
وقد رد المالكي على ذلك بقوله إنه لا توجد حواجز تعترض طريق التعاون بين البلدين. وهو التعاون الذي لا يزال مطردا يوما بعد يوم رغم الضغوط والاتهامات الأميركية باستغلال هذا التعاون لتحقيق مكاسب إقليمية إيرانية.
_______________
الجزيرة نت

المصادر
:
1- Iran-Iraq Relations after Saddam, The Washington Quarterly, Automn 2003
 
http://www.twq.com
/03autumn/docs/03autumn_ehteshami.pdf
 
2- توقيع اتفاق التعاون الأمني بين العراق وإيران، قناة الجزيرة، المشهد العراقي، 10/7/2005، دور إيران في استقرار العراق، ما وراء الخبر، قناة الجزيرة 12/9/2006.