* إعداد/ محمد عبد العاطي

ما إن تذوق البحرينيون رشفة من كأس الديمقراطية في ظل حياة نيابية كانت بشائرها واعدة في السنوات الأولى التي أعقبت استقلالهم عن الاحتلال البريطاني، حتى حيل بينهم وبين هذه الكأس لما يقارب الثلاثة عقود، وبالتحديد إلى عام 2000 حينما اتخذ أمير البلاد الشيخ حمد بن عيسى -بعد عام من توليه الحكم خلفا لأبيه- خطوات جادة لتصحيح مسار التجربة الديمقراطية وإعادة الحياة النيابية إلى البلاد.

والتقرير التالي محاولة لتتبع أبرز المحطات التي مرت بها الحياة النيابية والديمقراطية في البحرين التي تستعد لإعادة افتتاح مجلس تشريعي ظلت أبوابه مغلقة منذ عام 1975 حتى الآن.

ثلاثينيات القرن العشرين.. مطالبة بمجلس شورى
ظهرت في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين مطالب شعبية بحرينية متكررة بإقامة مجلس شورى للبلاد يحد من التدخل البريطاني في إدارة شؤونها. وفي عام 1938 تجددت هذه المطالب وتحددت أكثر في الرغبة في إنشاء مجلس تشريعي يشارك من خلاله ممثلو الشعب الأسرة الحاكمة في صنع القرار السياسي وإدارة شؤون البلاد.

منتصف الخمسينيات.. توحد خلف الهيئة التنفيذية العليا
توحدت في منتصف الخمسينيات مختلف التيارات السياسية بالبحرين في ظل هيئة موحدة أطلق عليها "الهيئة التنفيذية العليا" التي غيرت اسمها لاحقا إلى "هيئة الاتحاد الوطني" بعد أن تم الاعتراف بها من قبل الحكومة كحركة سياسية، وطالبت بالعديد من القضايا أهمها:

  • سن دستور للبلاد.
  • إنشاء مجلس تشريعي.
  • السماح للعمال بتشكيل نقابة لهم.
  • تحديث أجهزة الدولة.
  • إصلاح القضاء.
  • بحرنة الوظائف.

الاستقلال.. عهد جديد

أول حاكم للبحرين بعد استقلالها الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة
ما إن تخلصت البحرين من الاحتلال البريطاني في 14 أغسطس/ آب 1971 حتى فوجئت برغبات إيرانية تحاول فرض السيادة على بلادهم، مما جعل البحرينيين يقفون أمام تلك الرغبات موقف الرافض. وقد ظهر ذلك بوضوح من خلال الاستفتاء الذي أجري تحت إشراف ممثل الأمين العام للأمم المتحدة جينو سباردي، إذ أكدوا رغبتهم في الاستقلال تحت قيادة الأمير الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة واختيار الديمقراطية وسيلةً لحكم دولتهم الجديدة.

أوائل السبعينيات.. حلم ديمقراطي لم يكتمل
بدأت البحرين سنواتها الأولى بعد زوال الاحتلال البريطاني عن أراضيها بخطوات مبشرة تتجه قدما نحو إرساء دعائم حكم ديمقراطي، فأصدر
الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة مرسوما بقانون رقم (12) لسنة 1972 بشأن إنشاء مجلس تأسيسي لإعداد دستور للدولة. وجاء في مقدمة المرسوم أنه "رغبة منا في إرساء الحكم في البلاد على أسس قويمة من الديمقراطية والعدل، وفي ظل نظام دستوري برلماني يوطد حكم الشورى ويتفق مع ظروف البلاد وتراثها العربي والإسلامي، وبناء على ما عرضه مجلس الوزراء وبعد موافقة مجلس الوزراء رسمنا بالقانون الآتي.. المادة الأولى.. ينشأ مجلس تأسيسي لوضع مشروع دستور للبلاد".

المجلس التأسيسي.. خطوة أولى لوضع دستور
انتخب البحرينيون 22 عضوا
للمجلس التأسيسي المكلف وضع الدستور، وعين الأمير 8 أعضاء وانضم إليهم 12 وزيرا بحكم مناصبهم (الأغلبية للمنتخبين)، وانعقدت الجلسة الأولى لهذا المجلس يوم 16 ديسمبر/ كانون الأول 1972. وفي الثلاثين من الشهر نفسه أقر المجلس لائحته الداخلية وأصدرها ونشرها في الجريدة الرسمية.


أشرقت على البحرين عام 1973 أشعة شمس مشرقة لحياة نيابية واعدة بصدور أول دستور للبلاد حدد سلطات الأمير ونظم العلاقة بين السلطات
دستور عام 1973.. إنجاز وطني
أقر المجلس التأسيسي يوم 9 يونيو/ حزيران 1973 دستور دولة البحرين وأشرقت على البلاد أشعة شمس مشرقة لحياة نيابية واعدة. رفع المجلس الدستور الجديد للأمير فصادق عليه وأصدره يوم السادس من ديسمبر/ كانون الأول 1973 وتم نشره في الجريدة الرسمية واشتمل على 109 مواد.

واتسم هذا الدستور بسمات مشتركة من كلا النظامين الرئاسي والبرلماني، فالأمير هو رئيس السلطة التنفيذية ويمارس سلطات سياسية إذ يعين بأمر أميري رئيس مجلس الوزراء ويعفيه من منصبه، ويعين الوزراء ويعفيهم من مناصبهم بمرسوم أميري، كما يمارس سلطاته بواسطة وزرائه ولديه يُسأل الوزراء متضامنين عن تنفيذ سياسة الحكومة. وفي نفس الوقت فإن ذاته مصونة لا تمس فلا يسأل أمام المجلس الوطني الذي يختص بالتشريع والرقابة على أداء الجهاز الحكومي.

مجلس وطني منتخب.. أولى ثمرات الدستور
انتخب البحرينيون عام 1973 أعضاء المجلس الوطني الذي تمتع بصلاحيات تشريعية ورقابية أصيلة، فقد كانت أغلبية أعضائه (74% تقريبا) نوابا للشعب منتخبين في حين كان يمثل الأعضاء المعينين بحكم مناصبهم –وهم الوزراء- ما نسبته 26% تقريبا من أعضاء المجلس، غير أن هذه التجربة لم تستمر طويلا.


طويت عام 1975 صفحة مشرقة في مسيرة الحياة النيابية في البحرين حينما صدر قرار حل المجلس الوطني مما عطل أحكام الدستور المتعلقة بالسلطة التشريعية
حل المجلس الوطني.. طي صفحة مهمة
تعرضت التجربة النيابية البحرينية الأولى لانتكاسة عام 1975 وذلك بصدور المرسوم الأميري رقم (14) لسنة 1975 بحل المجلس الوطني دون إبداء الأسباب التي دفعت الأمير إلى قرار الحل، وإن كان بعض المحللين يعزو ذلك إلى تخوف النظام من تعرض البلاد إلى فتنة داخلية ربما تتطور إلى حرب أهلية شبيهة بتلك التي اندلعت في لبنان آنذاك بسبب الانقسامات المذهبية والاستقطابات الحادة التي كان يتعرض المجتمع البحريني في ذلك الوقت.

وأيا كانت الأسباب فإن المحصلة النهائية هي ما آلت إليه التجربة البرلمانية والنيابية الأولى في البحرين، فقد تعطلت أحكام الفصل الثاني من الباب الرابع من الدستور المتعلق بالسلطة التشريعية وهو ما يخالف نص المادة 108 التي تنص على أنه "لا يجوز تعطيل أي حكم من أحكام هذا الدستور إلا أثناء قيام الأحكام العرفية وذلك في الحدود التي يبينها القانون، ولا يجوز بأي حال تعطيل انعقاد المجلس الوطني في تلك الأثناء أو المساس بحصانة أعضائه".

التسعينيات.. بدايات صحوة ديمقراطية
توقفت الحياة النيابية في البحرين قرابة ثلاثة عقود تكررت خلالها المطالب بعودة الديمقراطية، متخذة في البداية شكل عرائض ترفع للأمير كان أبرزها تلك العريضة التي رفعها
نخبة من المثقفين وسميت "عريضة النخبة"، ثم أعقبتها عريضة أخرى وقع عليها عدد كبير من المواطنين تحت اسم "العريضة الشعبية"، وتطالب بالعودة إلى الحياة النيابية وإقامة نظام حكم يتأسس على الديمقراطية والمشاركة الشعبية.

إنشاء مجلس شورى.. خطوة غير كافية
حاول الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان الاستجابة للمطالب الشعبية فأصدر أمرا أميريا رقم (9) لسنة 1992 بإنشاء مجلس شورى (معين)، إلا أن هذه الصيغة لم تكن كافية ولم تجد قبولا أو مصداقية لدى الشعب البحريني، الأمر الذي دفع الحياة السياسية إلى مزيد من الاحتقان وأوجد في الشارع السياسي البحريني حالة من الغليان اتخذت أشكالا متباينة من العنف.

التجربة النيابية الثانية.. تصحيح مسار

ملك البحرين الشيخ
حمد بن عيسى آل خليفة
تولى الشيخ حمد الحكم في مارس/ آذار 1999 عقب وفاة أبيه الشيخ عيسى بن سلمان، ومعه بدأت البحرين تستعد للدخول في عهد جديد تصحح به المسار وتبدأ تجربتها النيابية الثانية، إذ اتخذ الأمير الجديد عدة خطوات جادة أهمها:

ميثاق العمل الوطني
هذا الميثاق هو وثيقة سياسية تضمنت مبادئ عامة وأفكارا أساسية الغاية منها تحديد مسارات العمل الوطني حاضرا ومستقبلا، بما في ذلك التوجهات التي تحكم نطاق وطبيعة التعديلات الدستورية المراد إدخالها. وسارت خطوات إصدار هذا الميثاق الهام على النحو التالي:

  • أصدر الشيخ حمد بن عيسى يوم 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2000 أمرا أميريا رقم (36) لسنة 2000 بتشكيل لجنة وطنية عليا لإعداد مشروع ميثاق العمل الوطني.
  • ضمت اللجنة 44 عضوا برئاسة وزير العدل والشؤون الإسلامية عينهم الأمير من الوزراء وكبار الموظفين وأعضاء مجلس الشورى وبعض أعضاء الجمعيات المهنية والأهلية وبعض أساتذة الجامعات.
  • ناقشت هذه اللجنة مسودة أولى طرحها النظام اعترض عليها أغلب أعضاء اللجنة، فتم استبدالها بمسودة أخرى اشتملت على مقدمة بعنوان "شخصية البحرين التاريخية حضارة ونهضة"، وسبعة فصول عناوينها: المقومات الأساسية، نظام الحكم، الأسس الاقتصادية للمجتمع، الأمن الوطني، الحياة النيابية، العلاقات الخليجية، العلاقات الخارجية. بالإضافة إلى خاتمة عنوانها "استشرافات المستقبل" اشتملت على فقرتين أولاهما عن مسمى دولة البحرين والثانية عن السلطة التشريعية.
  • صدر أمر أميري حمل رقم (8) لسنة 2001 بتاريخ 23 يناير/ كانون الثاني 2001 بدعوة المواطنين للاستفتاء على مشروع ميثاق العمل الوطني.
  • تم الاستفتاء يومي 14 و15 فبراير/ شباط 2001 ووافق الشعب البحريني عليه بنسبة 98.4%، كما كانت المشاركة الشعبية في الاستفتاء عالية إذ وصلت إلى 90.3% من المؤهلين للتصويت.
  • تغير اسم الدولة -وهو أمر يجيزه الدستور- من دولة البحرين إلى مملكة البحرين وكذلك مسمى حاكمها من أمير إلى ملك.

ورغم ما في هذا الميثاق من تطورات ديمقراطية هامة فإن بعض خبراء القانون في البحرين اعتبروا أن هذا الاستفتاء واستنادا إلى بنود دستور 1973 غير دستوري، إذ لا توجد في هذا الدستور أي مادة تنص على الاستفتاء كوسيلة من وسائل الديمقراطية المباشرة أو على اعتباره شكلا من أشكال المشاركة الشعبية في الشؤون العامة. كما أن مسألة إنشاء مجلس الشورى التي جاءت في ديباجة الميثاق وتحديد اختصاصاته في "إبداء الرأي والمشورة" تعني أن قراراته غير ملزمة، وهو ما لاقى اعتراضات كثيرة لدى العديد من القانونيين والسياسيين.

غير أن أصواتا من الأسرة الحاكمة ردت على ذلك بقولها إن مجلس الشورى لا يعني أنه بديل عن المجلس التشريعي الذي ستمنح له الصلاحيات التشريعية الكاملة، أما مجلس الشورى الذي سيضم خبراء عديدين وأهل اختصاص وشخصيات عامة فإن الهدف من إنشائه هو الاستفادة بآرائهم وعمق مناقشاتهم للقضايا العامة أو تلك التي تطرح على المجلس التشريعي.

العفو العام


نهج العفو الذي اتبعه ملك البحرين مع المعارضة وإظهار الجدية في توسيع هامش الحرية والمشاركة الشعبية أعاد الاستقرار السياسي والأمني ورفع سقف التوقعات بمستقبل مشرق لهذه الدولة الخليجية
شجع الحماس الشعبي للديمقراطية القيادة السياسية البحرينية على اتخاذ عدة إجراءات لاقت صدى طيبا داخل المجتمع البحريني ولدى جمعيات حقوق الإنسان ومنظمات رصد التطور الديمقراطي على المستوى العالمي. وكان أهم هذه الإجراءات:

  • إصدار عفو عام يوم 5 فبراير/ شباط 2001 عن كل المعتقلين السياسيين وكل المبعدين والسماح بعودة أقطاب المعارضة من الخارج وعلى رأسهم القطب الشيعي عيسى كاظم الذي عاد من منفاه في مدينة قم الإيرانية، وكذلك الشيخ علي سلمان بعد غياب ست سنوات في بريطانيا.
  • إعادة الجنسية البحرينية إلى 39 شخصا بعدما نزعت عنهم بسبب مواقفهم السياسية. وكان 35 شخصا من هؤلاء يعيشون في إيران في حين كان الأربعة الباقون في بريطانيا والدانمارك ولبنان وباكستان.
  • السماح بوجود حوار ديمقراطي مفتوح فعقد أقطاب المعارضة ندوة تحت عنوان "الإصلاح السياسي والشراكة الاجتماعية" دعت إلى ضرورة قيام دولة الدستور والقانون واستقلال القضاء وتعديل القوانين وتغيير ما لا يتناسب مع الدستور، وأكدوا أهمية الرقابة الإدارية والمالية".
  • إلغاء قانون أمن الدولة ومحكمة أمن الدولة في 18 فبراير/ شباط 2001، إذ كانت تسمح باعتقال من تشتبه فيهم وتزج بهم في السجون لمدة تصل إلى ثلاث سنوات بدون محاكمة.
  • السماح في أكتوبر/ تشرين الأول 2002 بتأسيس نقابات عمالية ومنح العمال حق الإضراب بعد أن وافق الملك على إدخال تعديلات على قانون العمل في القطاع الأهلي رقم (23) لسنة 1976 وبخاصة المادة 17 لتتيح الفرصة لإنشاء مثل هذه النقابات التي تشمل جميع العاملين في القطاعات المختلفة.
  • الموافقة لأول مرة على تأسيس جمعيات سياسية ونسائية واجتماعية لتوسيع دائرة المجتمع المدني في البحرين، إذ أعلن أمير البلاد عدم ممانعته من قيام أحزاب سياسية إذا وافق البرلمان المنتخب القادم على ذلك، مما أدى إلى زيادة عدد الجمعيات السياسية والاجتماعية وجمعيات حقوق الإنسان بشكل كبير حيث بلغ العدد الإجمالي للجمعيات المشهرة 247 جمعية، إضافة إلى 75 ناديا رياضيا وثقافيا و55 صندوقا خيريا، كما يوجد حوالي 70 جمعية أخرى تحت التأسيس تدرس طلباتها، و23 طلبا لصناديق خيرية. وكان من أشهر هذه الجمعيات التي حصلت على ترخيص جمعية حقوق الإنسان، ومنظمة مناهضة التطبيع مع إسرائيل، وجمعية مناصرة الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي.

الانتخابات البرلمانية.. حياة سياسية تتغير
جاءت ذروة التطورات الديمقراطية التي شهدها المجتمع البحريني حينما أعلن الملك حمد بن عيسى موعد إجراء انتخابات برلمانية حرة ومباشرة (24 أكتوبر/ تشرين الأول 2002) لاختيار أعضاء مجلس تشريعي (برلمان). وقد تقدم 190 مرشحا لهذا المجلس الذي من المتوقع أن ينشط الحياة السياسية البحرينية.

تجربة نيابية ولدت قبل ثلاثة عقود لم يكتمل نموها بعد، وسنوات طويلة مرت على تلك المسيرة كانت كفيلة في رأي البعض بأن توفر على البلاد مصاعب البداية وسلبيات التجارب الأولى. وما يخفف من شعور هذا البعض بمرارة تلك السنوات التي تسربت من بين أيديهم، هو إيمانهم بأن أحلام الشعوب وإن بدت في مرحلةٍ ما بعيدة وصعبة المنال.. لا تموت.
_______________
قسم البحوث والدراسات، الجزيرة نت.

المصادر:
1- الرأي في المسألة الدستورية.. إنجاز نوعي في فترة حرجة، أربع حلقات دراسية لمجموعة من المحامين والقانونيين البحرينيين، مجلة الديمقراطي، 9 سبتمبر/ أيلول 2002.
2- التقرير الإستراتيجي الخليجي، التفاعلات داخل دول مجلس التعاون، عام البحرين، ص 58-59، 2001/2002.
3- التنظيمات السياسية من ركائز المشروع الإصلاحي الحقيقي، عبد الرحمن محمد النعيمي، مجلة الديمقراطي، 13 يوليو/ تموز 2002.
4- التحول في الخليج (4) البحرين، أمير طاهري، سلسلة مقالات، صحيفة الشرق الأوسط، 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2002.
5- البحرين.. إنجازات وفرص وتحديات، مجيد العلوي، صحيفة الشرق الأوسط، 12 فبراير/ شباط 2001.