* بقلم/ معتز سلامة

تكتسب انتخابات مجلس النواب البحريني يوم 24 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري أهمية كبيرة للبحرين ولمنطقة الخليج كلها، ليس فقط لأنها أول انتخابات في هذه الدولة بعد ما يزيد عن ربع قرن منذ إلغاء البرلمان المنتخب عام 1975، وإنما أيضا لأنها أتت في ظل مشروع شامل للإصلاح تبناه الملك الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، وأيضا لمدى ونطاق المشروع الإصلاحي الذي يعد إحدى المستجدات البارزة في منطقة الخليج.

الحالة الاحتفالية والحالة التشاؤمية
مراحل التجربة
احتمالات الأداء البرلماني
الطائفية والمشروع الاجتماعي

البحرين كنموذج خليجي

نموذج مفتوح

الحالة الاحتفالية والحالة التشاؤمية

ولعل المدخل الرئيسي الذي يجب البدء به هو التعرف إلى حقيقة التجربة وتقييمها بموضوعية، ومعرفة أسباب التحول من "الحالة الاحتفالية" التي بشرت بكل شيء إلى "الحالة التشاؤمية" التي أعادت بعقارب ساعات المعارضة البحرينية إلى الوراء.

في مقال مهم للكاتبة البحرينية نصرة البستكي تعبر فيه عن حال التحول من المشاركة الشعبية التي وصلت حد الإجماع في التصويت على "ميثاق العمل الوطني" إلى حال من الصمت من جانب نصف المجتمع في الانتخابات البلدية، أوردت فقرة تقول إن "جماهير تثق ثقة كاملة بالإصلاح، تحاول أن تروي عطش السنين العجاف التي حرمت فيها من المشاركة، فأقبلت فرحة مستبشرة تزيح عن كاهلها ترسبات الماضي بكل آثاره السلبية، لتتحدث الأغلبية الصامتة بعد طول خرس. ثم نفاجأ بانحسار هذا المد الشعبي المارد مرة أخرى عائدا إلى قمقم السلبية تعبيرا عن عدم ثقته بالممارسة السياسية التي تحولت على يد بعض أطراف النخبة البحرينية إلى لعبة خطرة تنتمي إلى عالم السيرك". فقد بدأت تجربة الإصلاح في البحرين بزخم كبير وبتفاؤل منقطع النظير ولكنها آلت إلى حالة من الشك نالت من الثقة بين النظام والقوى السياسية.

فهل يسير مشروع الإصلاح السياسي في البحرين في اتجاهاته الحقيقية أم يتم إفراغه من مضمونه؟ هل أطلق الملك مشروعه الإصلاحي للخروج من الأزمة أم كمشروع للمستقبل ليوطد به دعائم الحكم؟ وما هي العثرات التي تقف في وجه المشروع الإصلاحي؟ كل هذه الأسئلة طرحت في الآونة الأخيرة، خصوصا بعدما ازدادت حالة الالتباس السياسي في أعقاب قرار بعض الجمعيات السياسية المهمة في البحرين مقاطعة انتخابات مجلس النواب.

مراحل التجربة

وفي محاولة لفهم طبيعة التجربة البحرينية وتكييفها في إطار الوضعين البحريني والخليجي، يمكن تقسيم حالة العلاقة بين القوى السياسية ونظام الحكم منذ انطلاق مشروع الإصلاح إلى ثلاث مراحل:


1- مرحلة المُثل وثورة التطلعات وإعلان حسن النوايا:


حتى فبراير/ شباط 2002 عاش الشارع السياسي البحريني مرحلة من "ثورة التطلعات" و"فورة الطموحات" مثلت مرحلة التصافي وإعادة الجسور والانضواء في العمل الوطني
وقد سادت هذه المرحلة حتى 14 فبراير/ شباط 2002 عندما صدر الدستور المعدل أو ما تسميه المعارضة "دستور المنحة". وقد تخللت هذه المرحلة الإجراءات التي اتخذها الملك من إلغاء قانون أمن الدولة ومحكمة أمن الدولة إلى تبييض السجون، والانفتاح على جميع القوى الوطنية والجمعيات السياسية، والعفو العام عن المنفيين في الخارج، وإصدار مشروع ميثاق العمل الوطني الذي طرح للتصويت العام وصوتت الغالبية المطلقة (98.4%) من الشعب البحريني لصالحه، وتثبيت حقوق المرأة، وإنشاء المجلس الأعلى الخاص بالمرأة، ولجنة البحرين لحقوق الإنسان، وانضمام المملكة إلى عدد من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والتصديق عليها، وإلغاء ظاهرة البدون.


أثناء هذه الفترة سادت حالة من الانتعاش السياسي والاجتماعي أطلق عليه البعض "ربيع الديمقراطية" في البحرين. وهذه الحالة طبيعية بعد كل انطلاقة لمشروع إصلاحي، إذ يبدأ العهد الجديد بفتح أبوابه للحركة السياسية في البلاد، لكن مشكلة هذه المرحلة أنها لا تستمر إلا فترة قصيرة. ففي هذه المرحلة ازدادت التوقعات والطموحات الشعبية، وأحس الملك بمردود سياساته لدى الرعية أو المواطنين في الداخل، كما اكتسب في الخارج قدرا من الثقة بمشروعه الإصلاحي، وازدادت ثقة المواطنين بالملك وازداد معها طموحهم بتحقيق كل الأهداف.

هذه المرحلة من "ثورة التطلعات" و"فورة الطموحات" هي فترة النشوة الأولى التي تمثل مرحلة التصافي وإعادة الجسور والانضواء في العمل الوطني، ومن ثم سادها الكثير من المجاملات وغاب فيها البروتوكول، لأن العلاقة بين المعارضة والنظام غير محددة ولأن القوى السياسية المختلفة لا تعلم حجم قوتها لدى الحكم وقوتها في الشارع.

2- مرحلة التقييم وإعادة الحسابات السياسية الأولية:
ويمكن تسميتها بمرحلة ما بعد الأحلام والمُثل، وقد سادت في التجربة البحرينية من 14 فبراير/ شباط 2002 وحتى الوقت الراهن حيث ستجرى انتخابات مجلس النواب، وهي المرحلة التي يمثلها صدور الدستور الجديد أو الدستور المعدل. فالمعارضة التي عانت السجن أو الاعتقال أو الطرد والملاحقات الأمنية والتصفيات الجسدية في سبيل موقف ليست مستعدة نفسيا للتنازل عن أي شيء منه بعد 25 سنة من الثبات عليه، وعند دخولها لعبة الحسابات والتكتيكات والمناورات تكون عينها دائما على ما لم تحصل عليه وليس على ما حصلت عليه فعليا. كما أن الملك يعتبر أنه يقفز قفزة في المجهول، ومن ثم فإنه لابد أن يخطوها بحساب، يدفعه إلى ذلك أن هناك قوى الحرس القديم، قناعاتها ليست من قناعة الملك ولا يعود عليها مشروع الإصلاح بشيء بعد عقود من القمع السياسي الذي كانت وراءه والمسؤولة عنه. هناك حرس قديم لا يعنيه تحسين صورته أو تغيير أقنعته، ومن ثم يدفع الملك للوراء ويمنّي ذاته بإمكان الخروج من اللعبة من دون أي تنازلات تجاه المعارضة.


ما يميز المرحلة الثانية أن التقييمات تكون أولية والمواقف لا تكون مستندة إلى حسابات سياسية دقيقة وعميقة، وإنما تكون متأثرة ومأخوذة بالاعتبارات المبدئية التي حكمت الأذهان لـ27 سنة
بعد انتهاء فترة المجاملات بدأت مرحلة من تقييم الحسابات السياسية الضيقة جدا والتي انتهت ببعض القوى السياسية إلى أنها لم تر أي جديد، في حين يعتقد الحكم أنه قدم كل شيء. كانت المعارضة تحلم بجو من الحرية دون أي قيود، لذلك فإن أي ثغرة في مشروع الإصلاح ينظر إليها على أنها نكوص من جانب النظام. وعلى حد تعبير الباحث البحريني د. مجيد علوي فإنه "بسبب الأجواء المتلبدة، فإن الحكومة قد لا تعرف مقدار الضغوط التي تتعرض لها الجمعيات من كوادرها وجمهورها، وقد لا تعرف بالتالي مقدار المسافة التي تستطيع هذه الجمعيات المضي فيها للتوافق مع مواقف الحكومة في القضايا المفصلية. من جهة أخرى فإن الجمعيات قد لا تعرف تشابك اللعبة السياسية المؤثرة في الموقف الحكومي ولا التوازنات التي تتحكم في هذا الموقف الرسمي أو ذاك".

وفي المرحلة الثانية هذه من الجائز حدوث بعض التناقضات أو التراجعات من جانب كل جهة بسبب عدم اكتمال الصورة في الأذهان، لذلك فقد تراجع الملك عن قانون النقابات المهنية لإدخال بعض التعديلات والمقترحات التي أبدتها بعض الجمعيات السياسية، كما تراجع عن القانون الذي يحرم على الجمعيات العامة أن تلعب دورا في العملية الانتخابية، وأصدر مرسوما بإلغاء البند (ب) من المادة (22) من القانون رقم 15 لسنة 2002 الخاص بمجلسي الشورى والنواب والذي كان "يحظر على الاتحادات والجمعيات والنقابات القيام أو المشاركة في أي دعاية انتخابية لأي مرشح". وقد حسم هذا المرسوم قضية مهمة في البحرين واعتبر مقدمة لإقرار الأحزاب السياسية. كما أنه رغم ترحيب الجمعيات السياسية الأربع التي أعلنت عدم مشاركتها في انتخابات مجلس النواب -وهي جمعية الوفاق الوطني الإسلامية، والعمل الوطني الديمقراطي، والتجمع القومي الديمقراطي، والعمل الإسلامي (تحت التأسيس)- رغم ترحيبها بمبادرة الملك فإنها أعلنت استمرار موقفها بعدم المشاركة في الانتخابات.

الحقيقة الرئيسية في هذه المرحلة هو أن التقييمات تكون أولية والمواقف لا تكون مستندة إلى حسابات سياسية دقيقة وعميقة وإنما تكون متأثرة ومأخوذة بالاعتبارات المبدئية التي حكمت الأذهان لـ 27 سنة، فالمعارضة تدرك تماما أن مقاطعتها الانتخابات تحرمها من ساحة العمل السياسي والاجتماعي لمدة أربع سنوات مقبلة هي مدة دورة مجلس النواب، ومع ذلك فإنها تقدم على الخطوة والأحلام تغازلها بمشروع إصلاحي يحقق ثورة سلمية. كما أن الحكم أيضا ليس مستوعبا تماما لمعنى حرمان النظام من برلمان منتخب منفرد بسلطة التشريع، لأن إقامة مجلس للشورى معين مواز لمجلس النواب المنتخب وله نفس صلاحياته يضيف إلى أنصار الملك في المجلس المنتخب مجلسا آخر معينا يجعل دور المعارضة هامشيا جدا ويفقد عملية التشريع والمجلس المنتخب هيبته وسلطانه.

3- مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية القادمة:
وهي مرحلة ستكون لإعادة التقييم، كما أنها المرحلة الوسط بين المبادئ والعمل السياسي من جهة وبين الأحلام والواقع من جهة أخرى. وفي هذه المرحلة من المفترض أن تعيد القوى السياسية حساباتها، وأن يعيد النظام أيضا النظر في بعض مواقفه ومرئياته، فتدرك المعارضة كم خسرت بالمقاطعة، ويعرف النظام كم خسر بغياب المعارضة.


المرحلة الحالية هي المرحلة الوسط بين المبادئ والعمل السياسي وبين الأحلام والواقع، ومن المفترض فيها أن تعيد القوى السياسية حساباتها وأن يعيد النظام أيضا النظر في بعض مواقفه ومرئياته
هذه المرحلة سوف تجد فيها المعارضة السياسية أن أحلامها لا يمكن أن تتحقق دفعة واحدة وأن النزول إلى الشارع مهم، وأن الغياب عن ساحة النضال البرلماني يجعل قوى أخرى تقفز إلى الصدارة يثق فيها النظام وتقيم علاقة ود مع الشعب. إن السياسة متغيرة وقد يفقد الغائب عن الساحة مكانه، لأن المجتمع يمر أيضا بالمراحل نفسها التي تمر بها القوى السياسية والنظام، فتتوارى لديه المثالية رويدا رويدا ويقل سحر وبريق العائدين بعدما أضفت عليهم مرحلة الغياب والغربة والسجون هالة من المثالية، وبالتالي ينتهي الناخب إلى من يقدم له الخدمات أكثر مما يقدم له الفكر والموقف.

هناك صعوبة إذن في تقييم المشروع الإصلاحي في البحرين وفي تحديد مستقبله، فالمشروع يمكن أن يجعل البلاد "نموذجا ديمقراطيا فريدا في الشرق الأوسط" على حد ما يزعم بعض أنصار الحكم، كما أنه يمكن أن ينتهي بأشكال من الممارسة السياسية تنتهي بدكتاتورية جماعية بعدما كانت فردية، أو بمعنى آخر دكتاتورية طائفية وانزواء طائفي بعدما كان الانزواء مجتمعيا كاملا. لذلك فإن تقييم أهمية التجربة البحرينية خليجيا هو عملية صعبة، لأنها يمكن أن تقدم نموذجا سيئا تحذوه دول أخرى في منطقة الخليج، كما يمكن أن تقدم نموذجا جيدا، فالتجربة مازالت في مرحلة المخاض ولم تكشف بعد إلا عن فصولها الأولى.

لكن بغض النظر عن الخلافات بين الحكم والمعارضة حول تقييم التجربة والمشروع الإصلاحي فإنه بلا شك يمثل قفزة في تاريخ البحرين، إذ مهما كانت الدوافع أو الضغوط وراء تبني الملك للمشروع، فإن الملك لم يكن ليخسر شيئا بعدم الإقدام عليه، خصوصا أن الوسط الخليجي لا يمثل عنصر ضغط أو دافعا للتغيير نحو الديمقراطية، وإنما يمثل أرضية جيدة للاتجاه المعاكس.

احتمالات الأداء البرلماني

لا يمكن أن يكون تقييم التجربة البحرينية مكتملا إلا بمعرفة ما ستسفر عنه انتخابات مجلس النواب المقبلة ومعرفة أداء المجلس الجديد، وفي هذا الصدد يمكن تصور ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول:
أن تفرز الانتخابات ممثلين حقيقيين للشعب، ومن ثم يكون مجلس النواب قويا ويأخذ مكانته داخل النظام ويطغى دوره على دور مجلس الشورى. والحقيقة أنه بحكم أن مجلس النواب منتخب فسوف يكون محط الأنظار، كما أن مجلس الشورى (المعين) سوف يكون أقل منزلة من المجلس المنتخب، وستكون النقاشات فيه أقل وأسلوب عمله وتشريعاته أدنى منزلة في الواقع الفعلي على الرغم من أن له ذات الصلاحيات. وفي كل دول العالم فإن المجلس المعين يكون أدنى درجة من المجلس المنتخب الذي يمثل سلطة التشريع الحقيقية، ومن ثم ففي الواقع العملي قد تتأكد أعراف ونظام عمل في العلاقة بين المجلسين غير مؤطرة بقانون.


اعتراض الملك على التشريعات ووقوفه أمام مجلس النواب يجعله مباشرة في مواجهة الشعب ونوابه، وهنا تبرز قيمة مجلس الشورى المعين للنظام السياسي

الاحتمال الثاني:
أن يطغى دور مجلس الشورى على مجلس النواب وأن يحظى بالقرب من الملك ومن ثم يعرقل عمل مجلس النواب، ويكون المجلس الأخير هامشيا وصوريا يبسط الرداء الشعبي على تشريعات الحكم، وبذلك يمثل مجلس الشورى "مصدات" ضد مجلس النواب وحزام أمان للملك في مواجهة معارضة سياسية جارفة ومتعطشة، إذ لا يكفي أن الدستور يمنح الملك سلطة التصديق على القوانين لأن اعتراض الملك على التشريعات ووقوفه أمام مجلس النواب يجعله في مواجهة مباشرة مع الشعب ونوابه، وهنا تبرز قيمة المجلس المعين (الشورى) للنظام السياسي.

الاحتمال الثالث:
أن مجلس الشورى سيكون مرحلة انتقالية حتى تتراكم خبرة سياسية في البحرين تمكن من قصر التشريع على مجلس واحد منتخب، وهذا الاحتمال قائم على افتراض أن مرحلة المجلسين المتساويين في سلطة التشريع هي مرحة انتقالية من الحكم المطلق إلى الحكم الدستوري، فهي مرحلة تناسب الفترة الانتقالية التي تمر بها البحرين حاليا، وحتى لا يتعرض النظام لاختلالات فجائية، فهي ليست مرحلة نهاية المطاف.

فالحكم بحاجة إلى فترة يوازن فيها الأمور ويعرف إلى ماذا ستؤدي به حركة الإصلاح، فالأمور لاتزال في حاجة إلى فترة حتى يتأطر العمل السياسي داخل المجلس وليس خارجه، لأن المجتمع لايزال حتى الآن هو ساحة العمل السياسي، وسيظل كذلك طالما بقيت قوى خارج المجلس. وقد ينتهي الأمر إلى تقسيم العمل بين المجلسين، أو بتعديلات دستورية تعزل بين اختصاصات المجلسين.

الطائفية والمشروع الاجتماعي

والسؤال المهم فعلا هو: ما تأثير قرار بعض الجمعيات السياسية مقاطعة الانتخابات على مستقبل العملية الديمقراطية؟ فلو انتهت المعارضة إلى الانزواء على جذورها الطائفية واكتسبت المقاطعة أبعادا طائفية فإن ذلك هو الخطر الأكبر، لأنه سوف ينجم عن ذلك تقوقع سياسي قد يستمر لربع قرن جديد. أما إذا لم تتجاوب الطائفية مع خطاب الجمعيات، فإن الجمعيات التي تمثل الروافد السياسية للمعارضة الحقيقية ستكون مهددة فعليا وسوف يتجاوزها الواقع السياسي.

ولا يبدو حتى الآن أن الأمور تكشف عن شيء في هذا الصدد، فالجمعيات المقاطعة تدعو غيرها للمقاطعة وتتماهى مع نزعات الطائفية في حين أن المؤيدين ينتقدون المعارضة على قرار المقاطعة. كما أن إدارة العلاقات بين قوى المجتمع لاتزال غير واضحة، إذ لا يكفي للمؤيدين اتخاذ مواقف من الرافضين ولا يكفي الرافضين اتخاذ قرار المقاطعة، لأن مجلسا بلا معارضة حقيقية هو مجلس غير فاعل ومع وجود مجلس الشورى سيكون أداء المجلسين نسخة طبق الأصل تقريبا.

المشكلة أن وراء المشروع السياسي للمعارضة في البحرين مشروعا اجتماعيا يسعى إلى تغيير أوضاع اجتماعية واقتصادية وطائفية قائمة ومستقرة من سنين، وما يستتبعه ذلك من تغيير في الاستحقاقات الخاصة بالعمالة والتوظيف والحصة في جهاز الدولة والمناصب المختلفة، وهذا هو سر الخلاف عليه والمشاحنات حوله. فلو أن مشروع المعارضة سياسي حرفي بحت يتعلق بتصحيح الممارسة الديمقراطية وأوضاع الحريات لكان الأمر سهلا، لذلك فإن أحد الأسباب التي دعت بعض الجمعيات للمقاطعة هو عدم تأكدها من أن مشاركتها ستمكنها من تحقيق بعض المطالب لدوائرها بما يضمن لها استمرار العضوية لدورات مقبلة في البرلمان.

إن الهدف الرئيسي للمعارضة هو تصحيح الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وتوازي خطوط الحرمان السياسي مع خطوط الحرمان الاقتصادي والاجتماعي ومع خطوط الطائفية هو الخطر الأكبر، وهو ما يعطي للمعارضة ولمقاطعتها الانتخابات أبعادا قد تنذر ببعض المشكلات.

البحرين كنموذج خليجي


يمكن النظر إلى تجربة البحرين على أنها "مرحلة الديمقراطية الوسيطة"، والنموذج الجامع بين كل التجارب الخليجية التي لاتزال كلها في مراحل انتقال تجمع بين سمات القديم الذي لا يريد أن يغادر وبين الجديد المهاجم والمبادر الذي يدق كالمطارق

ماذا تمثل تجربة البحرين في ضوء مقارنتها بالتجارب الخليجية؟ يمكن النظر إلى تجربة البحرين على أنها "مرحلة الديمقراطية الوسيطة"، والنموذج الجامع بين كل التجارب الخليجية التي لاتزال كلها في مراحل انتقال تجمع بين سمات القديم الذي لا يريد أن يغادر، وبين الجديد المهاجم والمبادر الذي يدق كالمطارق.

فمن السعودية والإمارات يأخذ النظام البحريني بوجود مجلس شورى (معين)، وهو مثل مجلس الشورى السعودي والمجلس الوطني الاتحادي في الإمارات ولكنه يختلف عنهما في صلاحيات المجلس، فمجلس الشورى في البحرين له صلاحيات تشريعية يتقاسمها مع مجلس النواب وليس دوره تقديم المشورة فقط للملك مثلما في مجلس الشورى السعودي، كما أن به ملامح من التجربة العمانية في وجود مجلسين هما "مجلس الشورى" و"مجلس الدولة" وإن كانا أقل صلاحية، كما أن به ملامح التجربة الكويتية في وجود مجلس للنواب منتخب مثل مجلس الأمة الكويتي له صلاحيات تشريعية.

لكن ما يجعل التجربة البحرينية فريدة هو في توزيعها سلطة التشريع على مجلسين ومنحها المجلس المعين نفس صلاحيات المجلس المنتخب، وهو نهج جديد على الساحة الخليجية يعني "التغيير في وضع الثبات"، وهذا النهج ابتكار بحريني قد تنهجه دول خليجية لاتزال مترددة. لكن ما يميز التجربة البحرينية هو في جو الحرية العام الذي لا ينافسه إلا الوضع في الكويت بين كل دول مجلس التعاون.

ماذا حقق المشروع الإصلاحي؟
ومع أخذ كل الجوانب السابقة في الاعتبار، يمكن إيراد العديد من الفوائد التي حققتها البحرين من انطلاق المشروع الإصلاحي:

أولا- دفق الروح في الحياة السياسية
فداخليا جاءت الإصلاحات بعد مطالبات شعبية استمرت لعقود مع وضع أمني وسلطوي مطلق، مما خلق أزمة مكتومة في الداخل كانت الإصلاحات المخرج المنطقي الوحيد منها. ولا شك أن ما تشهده البحرين من نقاشات ديمقراطية حرة وحية هذه الأيام يجعل هناك حالة من الانتعاش. البعض يرى أن الديمقراطية لا تتجزأ وأنها إما أن تكون أو لا تكون، ومن ثم يرى أن نظام الحكم يضع عراقيل في كل مرحلة بما يجعل الحركة السياسية عند نقطة الصفر دائما، فهذا لا يعكس تقدما سياسيا، لكن الحقيقة أن الديمقراطية طريق طويل، وهي لا تعني تحقق الآمال وإنما مرحلة جديدة من النضال.

ثانيا- إضفاء الشرعية على عهد جديد
فالمشروع الإصلاحي هو مشروع الملك الشاب الجديد وانطلاقا من رؤيته الذاتية، وهو ينقل البحرين من وضع الإمارة ذات الحكم المطلق إلى وضع المملكة الدستورية التي تتحدد فيها العلاقة بين الملك والحكم عبر دستور. ولو بقي الملك متمسكا بالشرعية التقليدية المتوارثة في الحكم، فإن البحرين كانت ستمر بمرحلة عصيبة لأن كل سوءات النظام السابق كانت ستنسحب على الوضع الجديد وعليه هو شخصيا.

ثالثا- اكتساب مكانة وسط التجارب الخليجية الأخرى


ملامح التقسيمات السياسية في البحرين موجودة والتيارات السياسية غير مفتعلة وليست صنيعة النظام، وذلك يمكن أن يجعل البحرين نموذجا خليجيا
رغم صغر البحرين فإنها شهدت حركة سياسية في القرن العشرين في وقت مبكر قبل كل دول الخليج الأخرى، وكان من المفترض أن تكون البحرين متقدمة لو نجحت التجربة البرلمانية ولم تتعرض لانتكاسة عام 1975، لكن التيارات السياسية لا تنتعش في بيئة سلطوية وأمنية، لذلك فإن فترة العقود الثلاثة الماضية نالت من التطور السياسي في تلك الدولة، غير أن القوى الفكرية والسياسية ظلت نابضة. لذلك فعلى خلاف دول أخرى فإن ملامح التقسيمات السياسية في البحرين موجودة والتيارات السياسية غير مفتعلة وليست صنيعة النظام، وذلك يمكن أن يجعل البحرين نموذجا خليجيا.

رابعا- المميزات الخاصة بالتجربة البحرينية
هناك جوانب في تجربة البحرين تجعلها متقدمة على سواها من دول الخليج، خاصة فيما يتعلق بإقرار الحق السياسي للمرأة كاملا بما فيه حق التصويت والترشيح والانتماء لجمعيات سياسية. بالطبع ليس هناك مجال للمقارنة بين البحرين وتلك الدول في المنطقة التي لم تشهد أي تطور نحو الديمقراطية، ولكن مقارنتها بدولة الكويت التي وصلت مستوى متقدما من الممارسة الديمقراطية يوضح مدى تقدم التجربة، فالكويت لم تقر بالأحزاب السياسية حتى الآن ولم تقر بالحق السياسي للمرأة ومازالت القضية مرفوعة أمام المحاكم بعدما رفض مجلس الأمة الكويتي إقرار هذا الحق.

لكن ما يعيب التجربة البحرينية فيما يتعلق بالمرأة –كما في كل دول مجلس التعاون- أنها كفلت الحق الدستوري لها في حين أن الموروث الاجتماعي مازال محافظا، لذلك فإن إقرار الحق في الترشيح لم يضمن وصول مرشحات إلى المجالس البلدية، ويبدو أن هناك صعوبة أيضا في وصولهن إلى مجلس النواب، وقد يقدم مجلس الشورى في البحرين بديلا من خلال تعيين القوى غير الممثلة ومنها المرأة.

خامسا- الظروف العالمية الراهنة
تكتسب التجربة البحرينية أهمية مضاعفة في ضوء أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، لأن مفهوم الأمن تغير ولن يظل يعتمد على الضمانة الخارجية بعدما سعى العامل الخارجي إلى رفع غطائه عن بعض النظم والتلاعب باعتبارات الأمن الداخلي للأصدقاء. إن مرحلة ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول تشهد التدخل في الدول بدعوى مواجهة الإرهاب، أو التدخل لخلع أنظمة وحكومات (أفغانستان والعراق). ومن هنا تنبع أهمية الخيار الديمقراطي، فالديمقراطية تقدم حصانة وتدعم النظام السياسي ولا تجعله محلا للابتزاز مرتين: مرة بممارساته السلطوية التي تكون مجالا للتشهير به دوليا، ومرة بتوسيع الفجوة بينه وبين شعبه ومن ثم الهجوم عليه. إذن هناك معادلة جديدة وأوضاع جديدة قد لا تجعل المسألة في الخليج تجري على النحو السابق.

نموذج مفتوح

خلاصة الموضوع أن التجربة البحرينية قد تقدم نموذجا مجتمعيا وسياسيا للحريات السياسية، ولكنها في إطار قيودها وضوابطها يصعب أن تقدم نموذجا في الممارسة الديمقراطية إلا إذا كان نموذجا للنظم وليس نموذجا للتطور المجتمعي العام، أي نموذجا قد تجد فيه نظم خليجية أخرى جوانب يمكن اقتباسها.

غير أن هذا النموذج يظل في مرحلة انتقالية يصعب الحكم عليه فيها، ومن المؤكد أن هذه المرحلة غير محصنة من الانتكاسات وغير محصنة من الناحية الدستورية، ومن ثم قد تقدم نموذجا جيدا للأداء البرلماني والتشريعي يخذل المقاطعين وقد تقدم أيضا نموذجا يؤكد حججهم.. إنها نموذج مفتوح والسبب هو عدم وضوح الرؤية وجوانب غير محددة في التوجه الديمقراطي.
_______________
* باحث سياسي، وحدة الدراسات، جريدة الخليج الإماراتية