إبراهيم غرايبة

ارتبط على نحو نمطي مفهوم الثقافة بأحد فروعها ومنتجاتها، وهو المتعلق بالقصة والرواية والشعر والغناء والموسيقى. وارتبط مفهوم المقاومة بمواجهة الاحتلال وخاصة بقوة السلاح، وهكذا فإن ثقافة المقاومة سيتشكل مفهومها تلقائيا بأنها الأعمال الفنية والأدبية التي تمجد وتتحدث عن البطولة والمقاومة والشهادة ومواجهة الاحتلال.

ثقافة المقاومة.. أي ثقافة وأي مقاومة 
ثقافة المقاومة في مواجهة ثقافة الهيمنة والاحتلال

ثقافة المقاومة.. أي ثقافة وأي مقاومة

ولكن كلا من الثقافة والمقاومة يعبران عن مفاهيم وحالات أكثر اتساعا بكثير، ويتداخلان مع الأنشطة والأعمال الحياتية الأخرى على نحو لا يمكن فصمه، فالثقافة تعني في أصلها العربي عمليات الترقي والوعي والتهذيب في الحياة والعلم والعمل.

وفي الحضارة الغربية لها مفاهيم عدة، والتعريف الأكثر شيوعا اليوم في الوطن العربي هو: أنها "المعارف والعلوم والآداب والفنون التي يتعلَّمها الناس ويتثقفون بها" وهي ترجمة سائدة للكلمة الإنجليزية "culture"، (وتعني حرث الأرض وزراعتها).

"
المقاومة ليست هدفا في حد ذاتها، ولكنها وسيلة لتحقيق أهداف المجتمعات وتطلعاتها إلى الاستقلال والتقدم والإصلاح، ذلك أن مقاومة الاحتلال لا تكون ولا تنجح إلا في حالة ثقافية عامة قائمة على الحرية والاستقلال
"

وفي عام 1871م قدم إدوارد تيلور تعريفًا لهذا المفهوم، فاعتبره "ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بصفته عضوًا في مجتمع"، وعرّفها كلايد كلوكهون بأنها "مجموعة طرائق الحياة لدى شعب معيّن في الميراث الاجتماعي التي يحصل عليها الفرد من مجموعته التي يعيش فيها"*.

والمقاومة وإن ارتبطت أساسا بمواجهة الاحتلال بالقوة والنضال السياسي والمدني فإنها تعنى أيضا حالة المواجهة مع الظلم والهيمنة والسعي للتحرر السياسي والاجتماعي سواء من الاحتلال أو من الاستبداد السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي، والسعي إلى حياة أفضل.

فالمقاومة ليست هدفا في حد ذاتها، ولكنها وسيلة لتحقيق أهداف المجتمعات وتطلعاتها إلى الاستقلال والرفاه والتقدم والتنمية والإصلاح، ذلك أن مقاومة الاحتلال لا تكون ولا تنجح إلا في حالة ثقافية عامة قائمة على الحرية والاستقلال.

وهنا تنشأ حالة من اللبس والاختلاف أيضا في التحليل والفهم لدى المفكرين والنخب ولدى المجتمعات أيضا. ففي الوقت الذي يمكن أن تحرك حالات وقضايا الاحتلال الشعوب والمجتمعات، فإن قضايا التحرر السياسي والاجتماعي ومواجهة الظلم والاستبداد والحريات العامة والديمقراطية، وقضايا التنمية والإصلاح والتقدم تكون أقل دافعية للتجمع والمواجهة والتحرك السياسي والثقافي، وربما تتفاوت الشعوب والمجتمعات في تقديرها لأولويات المقاومة وترتيبها.

ففي حين يشكل الاحتلال أو التغييب والتهميش للمجتمعات أو لفئة منها إجماعا، فإن الحريات العامة والديمقراطية يختلف شأنها. وفي الوقت الذي تحركت فيه المجتمعات على نحو أجبر كثيرا من الحكام على التنازل وإجراء انتخابات حرة، كما رأينا في دول شرق أوروبا والبلقان وإندونيسيا والفلبين فإن المجتمعات العربية وكثيرا من المجتمعات الإسلامية ما زالت تضع الحريات في مرتبة متأخرة أو أقل أهمية في سلم المقاومة.

وقد يفسر هذا كيف نجحت المجتمعات العربية والإسلامية في مقاومة الاحتلال والحصول على استقلالها، ولكنها تضحيات وجهود وأعمال أجهضتها دول الاستبداد والتفرد التي تشكلت على التضحيات والثورات والمقاومة.

والمفهوم الشامل للمقاومة -إن صحت التسمية لتشمل مقاومة الاحتلال والظلم والاستبداد- يشكل أهم محطات التاريخ الإنساني، مثل الثورة الإنجليزية في القرن السابع عشر، والثورة الفرنسية عام 1789، والثورة الأميركية عام 1776 التي أسست للديمقراطية والاستقلال، والثورة الدينية والعلمية في أوروبا التي أطلقت النهضة العلمية وأوقفت ظلم الكنيسة وتدخلها وجمودها، وحررت الشعوب والمجتمعات من الإقطاع والحرمان، وأطلقت العلم والبحث والعقل.

وقد دفع كثير من المتمردين حياتهم ثمنا للانتصار في هذه المعركة على الطبقية والإقطاع والاستغلال والجهل المبرمج، أو تعرضوا للاضطهاد والظلم، مثل كوبرنيكس الذي قال إن الشمس هي مركز الكون وليس الأرض، وغاليلو الذي أجبر على التراجع عن مقولة دوران الأرض حول الشمس حتى لا يحرق بالنار فظل يتمتم "ولكنها تدور حول الشمس"، وكاليفن ولوثر من رواد الإصلاح الديني، وابن المقفع الذي اختصر مواجهة الظلم والتسلط في قصص وحكم جميلة وخالدة، وأحمد بن حنبل الذي أمضى سنوات طويلة في السجن والعذاب في الجدل العلمي والديني حول خلق القرآن الكريم، وهي سلسلة طويلة لا تنتهي ويصعب حصرها من العلماء والمصلحين والمفكرين. وكان في العصر الحديث الأفغاني والكواكبي ومحمد عبده وغيرهم.

فالمقاومة بمفهومها الشامل تكاد تكون مدخلا لتفسير التاريخ، والعمل الإنساني المتراكم لأجل الحرية والإبداع والتغيير والاستقلال، وتتداخل مع العلم والهجرة والحضارة والإنتاج والحروب والحب والسلام، وتبدو الأكثر حضورا في الدين والأدب والفلسفة، وظهرت مرافقة للإنسان منذ بدء الخليقة وفجر الحياة، وكانت  بعدا جوهريا في الأساطير والتراث.

والسؤال بالطبع هو كيف نبني ثقافة المقاومة في ظل وضع عربي قائم على الاستبداد والتخاذل في مواجهة الاحتلال والهيمنة؟ كيف ستقاوم الشعوب والمجتمعات الاحتلال تحت وطأة الاستبداد والفساد؟

ثقافة المقاومة في مواجهة ثقافة الهيمنة والاحتلال

"
يفترض في ثقافة المقاومة أن تطالب بالديمقراطية والتنمية، وهي في الوقت نفسه ملزمة بمواجهة الاحتلال والاستلاب، وهنا يجب أن تأخذ ثقافة المقاومة أوضاعا جديدة وتخوض جبهات مختلفة، وألا تستدرج لتتحول إلى مواجهة التقدم والحداثة
"

يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري إن الرؤية الغربية الحديثة رؤية صراعية، بمعنى أنه لا بد أن يكون هناك عدو يصنع حالة من الصراع والاستنفار لمصالح السلاح ولتمرير الميزانيات الضخمة للدفاع، ولك أن تعرف أن ميزانية الدفاع في أميركا 500 مليار دولار وهي أكبر من ميزانيات الدفاع في العالم أجمع. وهذا الصراع كان موجهًا في السابق إلى الاتحاد السوفياتي وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي حل الإسلام في خانة العدو، والغرب لا يحارب الإسلام المهادن التابع، بل يحارب الإسلام المقاوم الذي يدافع عن أرضه ويشوّه صورته ويضعه في موضع الشيطان ويصفه بالشر!

إن الاحتلال في حقيقته وجوهره هو عملية ثقافية، فالمعرفة هي جوهر السلطة، والاحتلال باعتباره سلطة هو في الأساس عملية ثقافية ومعرفية أكثر مما هي عسكرية، وقد ارتبطت بالاحتلال والاستعمار الحديث علوم ومعارف وثقافات تطورت مصاحبة له، وكان للاحتلال بأشكاله وصيغة المختلفة المباشرة وغير المباشرة أدواته المعرفية والثقافية.

ومن ثم فإن مقاومة الاحتلال والهيمنة هي في الأساس عملية ثقافية مضادة، تسعى لتشكيل ثقافة بديلة، لأن الهزيمة ليست عملية عسكرية أساسا، ولكنها قبول المغلوب بالهزيمة، ولذلك يقال دائما إن المغلوب لا الغالب هو الذي يحدد نهاية المعركة.

وبالطبع فإنه حين يكون احتلال فلا بد من وجود مقاومة، وحين يكون ثمة ثقافة احتلال مصاحبة فلا بد من وجود ثقافة مقاومة، وهي ثقافة راسخة وحاضرة دائما في التراث والتجارب العربية والإسلامية، وقد رافقت عمليات النهضة والمقاومة ثقافة مقاومة أدت في معظم الحالات إلى غلبة الاحتلال ودحره.

وربما كان من أهم أدوات ثقافة الاحتلال تشكيل ثقافة ملتبسة يمكن تمريرها وتمتلك جاذبية ومصداقية، ومنها ما سمي ثقافة السلام وتمرير الهيمنة والتبعية مع الديمقراطية، ولكن الخلل في عملية التسوية أدى إلى هزيمة ثقافة السلام. فلم تنجح الاتفاقات الموقعة باعتراف أصحابها ومؤيديها في تحقيق أهدافها المفترضة بل إنها زادت الحالة سوءا، وفي الوقت نفسه تصاعدت عمليات مقاومة الاحتلال في فلسطين ولبنان والعراق.

لكن حالة الهزيمة والانكسار القائمة فرضت محاولات لطرح برامج أخرى، ولم تستثمر إنجازات المقاومة في برامج ومشروعات ثقافية كافية، وأتيح المجال للنخب الجديدة المعزولة عن اتجاهات المجتمعات ونبضها، لقيادة وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني. ورغم أن هذه النخب فشلت في نشر ثقافة سلام جديدة فإنها تحولت إلى مراكز قوى ومصالح اقتصادية ارتبط مصيرها ومكاسبها بعلاقاتها مع المشروعات الغربية.

ولذلك فإن خطة العمل الثقافي الحقيقية قائمة على تكريس الهيمنة بإنشاء طبقات جديدة تفرض على الشعوب والمجتمعات العربية، والمضمون الثقافي لهذه الخطط والمؤسسات ليس قائما على السلام والديمقراطية والتحديث كما يظن للوهلة الأولى، بل على المشاركة في الاقتصاد العالمي والانخراط في مكافحة الإرهاب كعنوان للصراع مع الإسلام والمسلمين، ولأجل ذلك يجب أن يكون ثمة إرهاب يبرر الوجود العسكري الأجنبي وغياب الديمقراطية والتنمية.

ومن هنا فإن مقاومة ثقافة الاحتلال ستكون على نحو ما مقاومة للتقدم والعدالة والحريات، ولكنها ديمقراطيات لا تتيح لغير النخب المفروضة والتابعة الوصول إلى مواقع التأثير والنفوذ، وبناء مؤسسات أكاديمية وثقافية وعلمية لا يملك غير أعضاء الطبقة الجديدة الوصول إليها، وإغراق ثقافي وإغداق مادي وأدبي وجوائز وإغواء إعلامي وأضواء تقدم لفئة من النخب التابعة، وحرمان وتجاهل ومطاردة وتصفية للآخرين.

وهنا ستكون ثقافة المقاومة في مأزق، فيفترض أنها تطالب بالديمقراطية والتقدم والتنمية، وهي في الوقت نفسه تجد أنها ملزمة بمواجهة الاحتلال والاستلاب والهيمنة التي تمرر عبر هذه المشروعات والبرامج، وهنا يجب أن تأخذ ثقافة المقاومة أوضاعا جديدة، وتخوض في جبهات مختلفة ولا تستدرج لتتحول إلى مواجهة التقدم والحداثة.
_______________
باحث أردني

* انظر: نصر عارف:  الثقافة مفهوم ذاتي متجدد
http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/mafaheem-18.asp
وانظر أيضا : الثقافة في الفكر الغربي
http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/mafaheem-18a.asp