إحدى تظاهرات المعارضة في العاصمة القيرغيزية بيشكيك في أبريل/ نيسان 2006

شهدت السنوات الممتدة بين العامين 2003 و2007 تسرب "الثورات الملونة" إلى آسيا الوسطى، ويقصد بالثورة الملونة تلك الانتفاضات الشعبية المنظمة التي تحمل أعلاما وشارات ذات لون مميز تعرف به. 
 
وقد حملت الثورات الملونة ثلاثة ألوان رئيسية، حمراء بلون الورد في جورجيا عام 2003 وبرتقالية في أوكرانيا عام 2004 وصفراء بلون زهرة الخزامي في قرغيزستان عام 2005، ورفعت هذه الثورات شعارات الحرية ونادت بالنموذج الليبرالي.
 
الثورات ونتائجها
في قرغيزستان أطاحت الثورة الخزامية في ربيع 2005 بنظام الرئيس عسكر عكاييف الذي كان مواليا لروسيا. وأخرجت المعارض كرمان بك بكاييف من السجن ونصبته رئيسا للبلاد. ثم في شتاء 2006 عاد الثوار فانتفضوا ضد الرئيس الجديد مطالبين إياه بمزيد من الإصلاحات السياسية وتبني برامج ترفع المعاناة عن الفقراء.
 
لم تختلف الثورات الملونة التي شهدتها قرغيزستان عن غيرها في بقية أرجاء الاتحاد السوفياتي السابق، واكتشف الناس أن هناك قدرا كبيرا من حلول الوسط ميز العلاقات السياسية التي انتهجها الثوار الذين وصلوا إلى الحكم تجاه كل من روسيا والغرب.
 
بل إن نتائج الثورات الملونة قد حملت بعضا من الأخبار السيئة التي صدمت المواطنين في "براءة" الثورة بما تم الكشف عنه من أنها كانت مدعومة من الغرب بالمال والعتاد، كما أن بعضا من هذه الثورات قد أفرزت ممارسات جديدة من الفساد الذي جاءت الثورة نفسها لتحاربه.
 
"
باستثناء قرغيزيا تعيش دول آسيا الوسطى احتكارا سياسيا من قبل النظم الحاكمة وتعاني تضييقا سياسيا لا يترك لها ولو هامشا على المشهد السياسي، ولا تبدو أي علامات تؤشر على نية هذه الدول لإحداث إصلاح سياسي
"
ومن المهم الإشارة إلى أن نجاح الثورات السلمية في آسيا الوسطى لم يتحقق سوى في قرغيزستان التي كانت الأكثر ديمقراطية، بينما كان التأخر الديمقراطي والبناء القبلي للنظم الحاكمة وما ورثته من استبداد عن البناء الشيوعي السابق سببا في الحيلولة دون بلوغ المعارضة حدا من النشاط يمكنها من تحقيق إصلاح سياسي. ولعل العنف الدامي الذي قابلت به حكومة أوزبكستان "مشروع" الثورة الملونة في أحداث أنديجان في مايو/ أيار 2005 مثالا على ذلك.
 
ويفرق البعض بين آسيا الوسطى المتأخرة ديمقراطيا والدول الشيوعية سابقا في أوروبا الشرقية التي قطعت شوطا على خطى النهضة والاستقرار. ويعلق هؤلاء ذلك التأخر في عنق الثقافة الإسلامية التي تفرض –بزعمهم- قيودا على حرية الفرد وتتعامل بسلبية مع المنجزات الحضارية الغربية.
 
وباستثناء قرغيزستان تعيش بقية دول آسيا الوسطى احتكارا سياسيا من قبل النظم الحاكمة وتعاني تضييقا سياسيا لا يترك لها ولو هامش على المشهد السياسي.
 
ولا تبدو أي علامات تؤشر على نية دول آسيا الوسطى (عدا قرغيزستان) لإحداث إصلاح سياسي، حتى إنها لم تعد تنشغل بالتقارير السنوية الصادرة عن هيئات دولية تنتقد فيها الانتخابات المزيفة وتمديد الفترات الرئاسية.
 
العامل الخارجي
ومما يستدعى الإشارة أن روسيا تمكنت من تقديم الدعم الكافي للوقوف في وجه الثورات الملونة التي تسربت إلى "حديقتها الخلفية"، بعد أن كادت عدوى الثورة تنتقل إلى العمق الروسي. وأسهم انشغال الدول التي ساندت الثورات الملونة سابقا (الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا) بصعوبة الموقف في أفغانستان والعراق في صرف الانتباه عما يجرى في هذه الدول التي تتمتع هذه السنوات بصفة "الأنظمة المسكوت عنها".

النتيجة أن النظم الحاكمة في آسيا الوسطى – باستثناء قرغيزستان- باتت آمنة من التهديد في ظل غياب تحرك شعبي لمواجهة الفقر والاستبداد. وقد دفع ذلك بعض المؤرخين الى تقديم مقارنة بين ما شهدته دولة مثل كزاخستان من حراك شعبي في بداية العهد السوفياتي وما تعيشه اليوم، ففيما بين العامين 1929 و1931 شهدت كزاخستان 372 حالة تمرد وثورة اعتراضا على أوضاع الفقر والتسخير الجماعي، بينما لا تستطيع المعارضة اليوم حشد أكثر من بضع عشرات من المتظاهرين.