رئيس تركمانستان قربان قلي بردي محمدوف (يمين) ورئيس روسيا فلاديمير بوتين (يسار)

بعد وفاة رئيس تركمانستان صابر مراد نيازوف في يناير/ كانون الثاني 2007 أصبح مستقبل العلاقات الروسية التركمانية موضع نقاش حيث تكثر التكهنات الخاصة بمصير الغاز الطبيعي المستخرج من تركمانستان الذي بدأ إنتاجه عام 2005 بكمية تقدر بنحو 58.57 مليار متر مكعب.

علاقات برغماتية مستقرة
"
لأسباب براغماتية تجنب الكرملين إثارة المسألة الحساسة المتعلقة بوضع الروس والناطقين باللغة الروسية في تركمانستان
"
كانت العلاقات الروسية التركمانية تتميز على الدوام بدرجة عالية من الاستقرار. وأبدت روسيا دائما تفهما للسياسة الداخلية التي انتهجها تركمان باشا وتحاشت إدانة النظام الاستبدادي الذي أقامه ولم تتدخل في قضايا حقوق الإنسان.. إلخ. ولم تلق روسيا بالا لمحاولات المعارضين التركمان الذين استقروا في موسكو وحاولوا جذب انتباه السلطات الروسية لأوضاع بلادهم الداخلية.
 
وتجنب الكرملين إثارة تلك المسألة الحساسة المتعلقة بوضع الروس والناطقين باللغة الروسية في تركمانستان الذين حرموا على نحو متزايد من حقوقهم وإمكانياتهم في الاحتفاظ بهويتهم الثقافية وفي نهاية المطاف حرموا عمليا من إمكانية مغادرة البلد بمحض إرادتهم.

وكان ولا يزال السبب الرئيسي لعدم المبالاة التي تبديها موسكو نحو المواطنين الروس في تركمانستان (تسمح تركمانستان بازدواجية الجنسية) يكمن في كون تركمانستان لم تشكك قط في قضية توريد الغاز إلى روسيا.
 
إذ كان ولا يزال الجزء الأكبر من الغاز التركماني يمر عبر أراضي روسيا، وهو ما يسمح بوجود شراكة إستراتيجية اقتصادية تحتاج أولا إلى شراكة سياسية، ومن المفيد التذكير هنا كذلك بأن تركمانستان أعلنت الحياد مبدأ رئيسيا لسياستها الخارجية.

العلاقة بعد تغير القيادة التركمانية
أما عن احتمالات تطور العلاقات الروسية التركمانية بعد وفاة نيازوف فمن المرجح أن الرئيس الجديد كربان قلي بردي محمدوف لن ينتهج سياسة عنيفة في بداية حكمه سواء على صعيد السياسة الداخلية أو الخارجية، وسيتمسك هو وأنصاره بالنهج السياسي السابق خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع روسيا.

في الوقت نفسه سوف يترك ما يتنبأ به معظم الخبراء من "ذوبان جليد مؤقت" أثر في نهج السياسة الخارجية، وسوف يغري "الذوبان" دون شك شركاء تركمانستان المحتملين في الغرب ويحفزهم لمزيد من النشاط الدبلوماسي.

وفضلا عن ذلك بدأ نيازوف بفترة قصيرة قبل وفاته يتحدث عن إمكانية تنويع اتجاهات خطوط الأنابيب التركمانية قاصدا بالدرجة الأولى "المشروع الصيني" الذي يراعي مد خط أنابيب غاز عبر الشطر الجنوبي من آسيا بما فيه أفغانستان وإيران وباكستان إلى أحد أقاليم الصين.
 
"
لا يجوز استبعاد إمكانية نشوب صراع على السلطة في تركمانستان وفي هذه الحال لن يكون في مقدور روسيا أن تقف على الحياد
"
ويواجه تنفيذ هذا المشروع صعابا جمة مثل النفقات المالية الطائلة والمشاكل الأمنية واحتمال عدم كفاية الغاز التركماني لملء الأنبوب (تدعي عشق آباد بأنها ستنتج مع حلول العام 2010 من الغاز 120 مليار متر مكعب في حين يفترض الخبراء المستقلون أن إنتاجها لن يتجاوز حدود 70–105 مليارات متر مكعب).
 
ومع ذلك أثبتت تجربة السنوات الأخيرة إمكانية تنفيذ أكثر المخططات جرأة، ولا تنوي القيادة التركمانية الحالية التخلي عن هذا المشروع.

يمس هذا المشروع، ولا شك، مصالح روسيا التي تحرص على عدم تغير مسار الغاز التركماني، ومن المتوقع أن تدخل موسكو وعشق أباد في مفاوضات صعبة في هذا الصدد.
 
ففي حال تحقق هذا المشروع يصبح تنفيذ اتفاقية توريدات الغاز التركماني عبر شركة غازبروم والمقرر لها أن تستمر إلى العام 2028 موضع شك.
 
وكانت موسكو على الدوام تصور هذه الاتفاقية على أنها إنجاز هام ورئيس على صعيد العلاقات مع تركمانستان، رغم أن الأخير تمكنت من سعر الغاز التركماني من 38 دولارا إلى 100 دولار للألف متر مكعب، لذا فإن الصراع من أجل الغاز التركماني بعيد كل البعد من أن يكون له نهاية قريبة.

على أي حال سوف يشتد حول تركمانستان التنافس بين القوى الخارجية ما يتطلب من روسيا بذل الجهود من أجل الاحتفاظ بنفوذها هناك.

وفضلا عن ذلك لا يجوز استبعاد إمكانية نشوب صراع على السلطة في تركمانستان وفي هذه الحال لن يكون في مقدور روسيا أن تقف على الحياد متظاهرة بأن الفائز في صراع عشق أباد أيا كان سوف يتمسك حتما بنهج الموالاة لروسيا، خاصة أنه من المنطقي أن نفترض أن القوى المتنافسة داخل القيادة التركمانية قد تلجأ إلى الولايات المتحدة والصين وتركيا أو ما سواهم.