*بقلم/ محمد المحفوظ

لا شك في أن بناء دولة مؤسسية تعتمد المؤسسات والأطر والهياكل الإدارية العصرية والحيوية وأبناؤها يتنافسون بسلاح الكفاءة والإمكانات في سبيل إعلاء شأنها وتحقيق غاياتها، يعد من الأهداف النبيلة التي يسعى إليها المواطن الواعي بمصالح حاضره ومستقبله والمدرك لمتطلبات النهوض المتكامل في هذا العصر. دولة تتجاوز كل نقاط التوتر الطائفية والعرقية والقبلية والمناطقية من أجل بناء وحدة وطنية حقيقية قوامها القانون الذي لا يفرق بين مواطن وآخر اتكاء على عرقه أو قبيلته أو مذهبه وانتمائه التاريخي، بل هو قانون يستوعب كل هذه التنوعات والتعدديات ويجعل كل مواطن ينتمي إلى الدولة ومؤسساتها المختلفة بلا وسيط قبلي أو مناطقي أو مذهبي أو ما شابه.

وإن غياب هذه المحددات يؤسس على الصعيد الواقعي حالة عجز عميقة عند المواطنين مفادها تقلص الشعور بأنهم ينتمون إلى وطن واحد وهوية وطنية مشتركة.

رؤية وطنية جامعة

محمد المحفوظ
تطور الوطن مرهون بمدى القدرة النظرية والعملية على بلورة رؤية أو نظرية وطنية تستوعب كل الخصوصيات المذهبية والقبلية والمناطقية وتدفع بإرادتها تجاه البناء الوطني الشامل. فالوطن في المحصلة النهائية هو إرادة جميع الخصوصيات في العيش المشترك. وبجهد الدولة النوعي في تعميق أسس السلم المجتمعي والتعايش الوطني يتسع الوطن لمدارسه وخصوصياته المتعددة وتباشر كل واحدة منها دورا أساسيا في تكريس هذه الأسس وتمتين أواصر الوحدة الوطنية.

وإن ضامن التنوع المجتمعي والتعدد الثقافي والمذهبي في الإطار الواحد هو القضية والمشروع الوطني الذي ينبغي أن يتسع للجميع وينتظر الإثراء والفعالية من مختلف دوائر التنوع والتعدد. وعلاقات المواطنة وحدها تكفل للتعددية مضمونا صحيحا، إذ هي حاصل إعادة توزيع أفراد المجتمع وفئاته داخل الكل الاجتماعي على قاعدة الولاء للوطن والولاء للنظام المدني، فتتوزع الحقوق تبعا لذلك على مواطنين يكون وازع السياسة والتمثيل لديهم خدمة الحق العام لا حيازة حق العصبية وتجديده من طريق هضم حقوق عصبيات أخرى. وبالتالي فإن الدور المؤمل من الدولة في الإطار الوطني السعودي هو توفير المناخ الوفاقي والتعايش بين مكونات المجتمع السعودي وحمايته من كل الأخطار التي تهدد مسيرة التعايش في المجتمع، وذلك عبر تطوير الوعي والفكر والحوار والتفاهم والتعاون، وتطوير وسائل الإدارة والتنظيم الاجتماعي، وترشيد الطاقات، وعقلنة التوجهات، والتحسين بالتالي من آليات تحقيق الوحدة الوطنية والمجتمعية.

تمايز الانتماء والولاء


الانتماء إلى أي دائرة مذهبية أو قبلية هو معطى موروث لا كسب حقيقيا للإنسان فيه، بينما الولاء هو خيار يتخذه الإنسان
ولعل من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الكثير حين قراءة الملف الشيعي في المملكة أو في غيرها من البلدان هو المساوقة بين الانتماء والولاء وكأنها حقيقة واحدة، مع العلم أن الانتماء إلى أي دائرة مذهبية أو قبلية هو معطى موروث لا كسب حقيقيا للإنسان فيه، فالإنسان لا يتحكم في القبيلة التي ينتمي إليها، كما أنه ليس بمقدوره أن يمتنع من الانتماء إلى عائلة محددة أو مذهب معين، لأن كل هذه الأمور هي معطى موروث يولد مع الإنسان، لذلك فلا دخل له به.

بينما الولاء هو خيار يتخذه الإنسان ويرتب على ضوئه بعض المواقف والسلوكيات والفعل والالتزام، فالإنسان يولد في عائلة ومن دين لا يختارهما، في حين أنه يلتزم بوطن أو مدرسة فكرية أو سياسية، فالانتماء وضعية طبيعية لا تتحول إلى وضعية سياسية إلا إذا انتقلت من حالة الانتماء إلى حالة الولاء.

فالانتماء إلى عائلة لا يتحول إلى نظام عشائري إلا عندما يلتقي الأفراد على الولاء للعائلة، والانتماء إلى المذهب يصير مشروعا سياسيا طائفيا عن طريق الولاء، والانتماء إلى الوطن يحتاج إلى الولاء لإنتاج نظام وطني ودولة. ويمكن للإنسان أن تتعدد انتماءاته لكنه من الضروري أن يتوحد ولاؤه، ولا تناقض بين تعددية الانتماء وواحدية الولاء.

لهذا من الضروري على الصعيد الوطني العناية بموضوعية الأسباب الوطنية والمجتمعية الكفيلة التي تجعل مفهوم الولاء مفهوما بناء ومتناسقا مع جوهر الانتماء التاريخي للمواطن. وإن أي خلل في دائرتي الانتماء والولاء يعني على المستوى العملي التأسيس لمجموعة من المشاريع -إما مشاريع حروب أو مشاريع ضياع- وفقدان البوصلة الناظمة لاتجاه الحركة الاجتماعية والوطنية.

والدولة هنا ليست أداة في يد فئة أو شريحة أو طبقة، بل هي دولة العقد الاجتماعي. بمعنى أن الدولة كمؤسسة قائمة في كيانها ووظائفها وأدوارها المتعددة على قاعدة الرضى والتوافق وكل مقتضيات العقد الاجتماعي.

التمييز الطائفي.. مشكلة وطنية


الكثير من تصرفات ومواقف المؤسسات الرسمية ودوائر الدولة المختلفة من الشيعة هي وليدة منطق حرب وقطيعة وتعصب أعمى
وعلى ضوء هذا الإطار النظري المذكور أعلاه نحن نتعاطى مع شأن المسلمين الشيعة في المملكة.. وإن ما يتعرضون له من تمييز وإقصاء وتهميش ليس مشكلة خاصة بالشيعة وإنما هي مشكلة وطنية شاملة، إذ إن تداعيات هذه الممارسات ومتوالياتها لا تنحصر في الوجود الشيعي في المملكة، بل تتعداها لتصل إلى مجمل البناء الوطني بكل تعبيراته ومجالاته.

فالانتماءات المذهبية واقع موضوعي في مجتمعنا المعاصر، وليس بمقدور أي إنسان أو أية جهة تغيير هذا الواقع الموضوعي أو التشكيك في وجوده وآفاقه. وباستمرار هذه الانتماءات المذهبية تباشر دورها الإيجابي في إثراء الوحدة الوطنية ومفهومها السياسي والاجتماعي إذا كان التعامل السياسي والثقافي مع هذه الانتماءات تعاملا حضاريا بعيدا عن كل مفردات التعصب وحقائق القطيعة والإلغاء والتشكيك التاريخي والمعاصر، كما أنها تتحول إلى خط دفاع عنيد عن الذات إذا كان التعامل سيئا وبعيدا عن كل أبجديات الحضارة والعصر.

وهذا يدفعنا إلى الاعتقاد بأن بلورة مشاريع ذات مضمون وطني جاد بعيدا عن التوترات السياسية والمجتمعية هو الأسلوب الأمثل لإيجابية الانتماءات الموضوعية في الدائرة الوطنية. لذلك فإن المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق الدولة في المملكة هو توفير مناخ ومقتضيات التعايش بين مختلف مكونات المجتمع السعودي، وذلك لأن الشيعة في المملكة حقيقة تاريخية لا يمكن تجاوزها. وإن أي تعسف في العلاقة مع هذا الوجود يؤدي إلى تأسيس مشاريع عدة للوطن والدولة تتصارع مع بعضها، ويكون الخاسر الأكبر في المحصلة النهائية هو الوطن الذي يشمل الجميع ويستوعب كل التنوعات في أطر وطنية فعالة.

فالمسلم السني الذي لا يستطيع العيش مع المسلم الشيعي لن يتمكن أيضا من العيش المشترك مع نظرائه في الانتماء المذهبي والعكس. ولهذا فإننا نرى مفهوم التعايش السلمي مفهوما حضاريا لا يؤسس للعلاقة بين التنوعات السياسية والثقافية في داخل المجتمع فحسب، بل يؤسس للعلاقة السليمة في داخل الإطار الواحد أيضا. والعلاقة السيئة مع مكونات المجتمع التاريخية والمذهبية لا تصنع مشاريع وطنية بقدر ما تسقط مشاريع وخيارات، فهي علاقة تشكل ظروفا ذاتية وموضوعية لإسقاط مشاريع دون أن تمتلك القدرة على إنتاج مشاريع بديلة.

ولا شك في أن المطلوب على الصعيد الوطني وبالذات في هذه اللحظة الحرجة التي تمر بها المنطقة على مختلف الصعد، هو تجديد نمط العلاقة بين مكونات المجتمع والوطن على قاعدة التعايش السلمي.. وللوصول إلى ذلك من الأهمية بمكان تأكيد العناصر التالية:

  1. ضرورة وجود وبلورة البرنامج الوطني الناضج الذي يبلور خيار التعايش ويعمق قواعده في الوسط الاجتماعي، وهذا بحاجة إلى قوى اجتماعية وطنية ترى في خيار التعايش والوفاق الوطني مشروع حاضرها ومستقبلها.
  2. ضرورة تغيير منطق التعامل والنظر إلى الأمور والقضايا من كل الأطراف والقوى الرسمية والأهلية، إذ إن من الأخطاء الجسيمة التي قد يرتكبها البعض أنه يتعامل مع شأن السلم المجتمعي والوفاق الوطني بمنطق القطيعة وتصادم المشروعات والمكونات. لذلك يبقى موضوع السلم المجتمعي جافا ومجردا وبعيدا عن الواقع، لأنه يمارَس ليل نهار تصرفات ويتخذ مواقف وينظر إلى أشياء وقضايا بعين ومنطق بعيد كل البعد عن منطق السلم الأهلي والتسامح المجتمعي. لذلك فإن المطلوب وبالذات من المؤسسات الرسمية ودوائر الدولة المختلفة تغيير منطق النظر والتعامل مع الوجود الشيعي في المملكة، إذ إن الكثير من التصرفات والمواقف وليدة منطق حرب وقطيعة وتعصب أعمى. وإن البوابة الأساسية لإشاعة السلم الأهلي ومتطلباته هي إيجاد منطق سلمي في التعامل مع قضايا الوطن وتعبيراته المتعددة. وإن الشيء الذي يجب تجاوزه من قبل المؤسسات الرسمية هو منطق الإلغاء والتهميش.
  3. خلق البدائل الوطنية التي تتجاوز كل صعوبات الواقع وتخرج تناقضاته إلى رحاب المعالجة الموضوعية والسليمة، إذ إن النظرات الخاطئة التي تحملها الأطراف المذهبية عن بعضها البعض هي من العوامل الأساسية للتباعد والتناقض الواقعي بين التنوعات الموضوعية المتوفرة في الوطن. ولا بد أن يتم اختيار وسائل التعبير والتعريف الصحيحة التي تجعلنا نرسم صورة واقعية عن ذواتنا والآخرين، ولا بد أن نبدع جميعا أساليب سلمية ديمقراطية لتطوير مستوى التعايش الوطني ومجالاته. والتعايش ليس حقيقة ناجزة ومغلقة أو مكتفية بذاتها وإنما هو إطار مفتوح تثريه كل الخطوات والمبادرات والإبداعات الإنسانية التي تتجه إلى إعلاء المشترك الوطني والإنساني.

قواعد السلم المجتمعي/الوطني


  • حينما تنمو الخصوصيات في محيط اجتماعي متعصب يلغي التنوع وحقائق التعدد المذهبي، فإن هذه الخصوصيات تمارس دورا إجهاضيا لكل مشروع عام
    الاعتراف بوجود التنوعات والانتماءات المذهبية المتعددة في الجسم الوطني، إذ إن شعب المملكة يتوزع مذهبيا على سبعة مذاهب إسلامية.. فيتوفر في المملكة أتباع المذاهب الإسلامية السنية المعروفة (الحنبلية والحنفية والمالكية والشافعية) وأتباع المذاهب الإسلامية الشيعية (الإمامية/الجعفرية والزيدية والإسماعيلية). وإن جميع هذه المذاهب تشكل حقيقة اجتماعية وتاريخية وثقافية لا يمكن نكرانها.. وإن البداية السليمة لتوطيد أركان السلم والاستقرار الوطني هو الاعتراف بهذا التنوع الخلاق الذي لو أحسنا إدارته والتعامل معه لتطورت حياتنا الوطنية على مختلف الصعد والمستويات. فالتنوع المذهبي في المملكة ليس سيئا أو نقطة ضعف، بل هو حقيقة تثري واقعنا الوطني وتوفر له روافد عديدة لإثراء مضامينه وثوابته العليا. والوحدة الوطنية في بلادنا لا تتوطد بإلغاء الخصوصيات المذهبية والمناطقية، بل بالانفتاح عليها واحترام مقتضياتها الذاتية والموضوعية.
    ويمكننا القول في هذا الإطار إنه بقدر ما تنمو الخصوصيات في وطننا بشكل سليم وفي محيط اجتماعي ديمقراطي وبعيد عن التعصب وعمليات النبذ والتهميش، يتعزز دور هذه الخصوصيات في بناء الوطن الواحد ويكون دورها إيجابيا في هذا السياق. وبالعكس حينما تنمو الخصوصيات في محيط اجتماعي متعصب يلغي التنوع وحقائق التعدد المذهبي المتوفرة في الوطن ويقمع الرأي الآخر، فإن هذه الخصوصيات تمارس دورا إجهاضيا لكل مشروع عام. والسبب يرجع إلى أن هذه الخصوصيات ستدرك أن هذا المشروع العام ما هو إلا تطوير لمفهوم الإلغاء والنفي والنبذ.
  • إن تغييب الحرية على المستوى السياسي والثقافي يؤدي إلى ممارسة آليات التحريض على الآخر فكرا ووجودا ويصبح الأفق المطروح على الصعيد الوطني مع أي مسألة خلافية هو استخدام القوة والعسف ونصب الكمائن وتصعيد الأخطاء والتوتر واستنفار كل العصبيات والغرائز. وما يزيد الأمر تعقيدا أنه في غياب الاحتكام للآلية الديمقراطية يشهر المتنازعون في ما بينهم أسلحة الإكراه والعسف بقصد الإلغاء المتبادل، ويستنفرون في سبيل ذلك كل العصبيات العميقة إما للقهر والغلبة بواسطتها أو الاحتماء بظلالها، وبهذا يضعف النسيج الاجتماعي وتتداخل الغرائز والأحقاد التاريخية، وبهذا تتحول كل جماعة بشرية إلى جماعة مغلقة على ذاتها، وتقاس كل الأمور والقضايا وفق هذا المقاس.
  • تجديد الذات الوطنية، إذ إن ركام السنين الغابرة بأحداثها المختلفة وتعقيداتها المتعددة أوجدت ذاتا وطنية مشوهة ليست واضحة المعالم أو صريحة البنيان والهيكل. لذلك فإننا بحاجة إلى أن نعيد صياغة الذات الوطنية على قاعدة المصالحة الوطنية الشاملة بحيث نصل في المملكة إلى واقع وطني جديد يعتمد التنوع ويحترمه دون أن يفرط بحبل الوحدة وقدسيتها وضرورتها الملحة. وحدة وطنية لا تعسف فيها ولا إسفاف، وحدة الوطن الواحد والمصير المشترك، وحدة البناء والتطوير، وحدة المواطن من أقصى الوطن إلى أقصاه بصرف النظر عن منبته المذهبي ومدرسته الفكرية أو تشكيله التاريخي.
  • وإن قيم الشراكة الوطنية هي التي توفر الظروف الذاتية والموضوعية لإنهاء الانغلاق الداخلي وتحبط مؤامرات الخارج التي تسعى نحو التفتيت والتقسيم. وإن الوطنية الحقة تبدأ بالقبول النفسي والعقلي والسلوكي بالآخر المغاير على قاعدة الوطن الواحد والمصير المشترك. وهذا القبول بدوره يبلور صيغ التفاعل والتضامن مع الآخر اجتماعيا وسياسيا وثقافيا ووطنيا. لهذا فإن كل تعبئة دينية سياسية اجتماعية للنيل من الشيعة في المملكة -تحت أي مبرر أو عنوان كان- هو في حقيقة الأمر تعبئة مضادة للوطن ومصالحه الإستراتيجية. وإنه آن الأوان بالنسبة إلى الدولة لاتخاذ إجراءات حازمة ضد كل أشكال التعبئة والتحريض ضد المواطنين من الشيعة، لأن هذه الأشكال تضر بشكل عميق بحاضر الوطن ومستقبله.
    وجماع القول إن مفهوم الوطنية والمواطنة في مجتمع التعدد والتنوع كالمملكة يعني قبل كل شيء آخر الانتماء إلى أسلوب في العيش قائم على التبادل والتعارف والحوار والتزام المساحة المشتركة على الدوام، وإن ما نشهده من حولنا يحتم علينا الارتفاع بمقولة السلم الأهلي والوفاق الوطني إلى مرتبة المقدس الوطني.

ماذا يريد الشيعة في المملكة


لا يكتمل عقد العدالة إلا بالعمل على صيانة حقوق الشيعة عبر مؤسسات وقوانين تتجاوز استقطابات اللحظة وتؤسس لسياق وطني شامل
على المستوى التاريخي والمعاصر نجد أن أحد الأسباب الرئيسية لسقوط الإمبراطوريات وتداعي الكيانات السياسية الكبرى كان بفعل غياب الحريات النوعية الناظمة للعلاقة والمصالح بين مجموع التعبيرات والأطياف المتوفرة في المجتمع. وإن هذه الإمبراطوريات والكيانات والدول بدأت الانحدار حينما ساد التمييز بين القوميات والإثنيات وغاب التضامن الداخلي على قاعدة المواطنة الواحدة.

وفي المقابل نجد أن الديمقراطية بكل آلياتها ومؤسساتها ومقتضياتها هي التي تعمق خيار الوحدة الداخلية وتبنيه على أسس متينة وقواعد حضارية صلبة. فالتعدد الثقافي واللغوي في سويسرا -حيث هناك ثلاث مجموعات ثقافية لغوية كبرى- لم يمنعهم من بناء وحدة داخلية حضارية تعطي لكل مجموعة حقوقها دون أن تنعزل وتنحبس هذه المجموعة عن المحيط العام ومتطلبات الوحدة الوطنية. كما أن الديمقراطية الهندية هي التي سمحت لأربعين جماعة ثقافية لغوية ببناء دولة مقتدرة ومجتمع ديمقراطي يمتلك تجربة تاريخية متواصلة في الحرية والتسامح بين المجموعات المتعددة التي يتشكل منها المجتمع الهندي.

فالتعدد المذهبي والتنوع الاجتماعي لا يمنعان الاندماج والوحدة الوطنية. والذي يمنع كل هذا هو غياب العدالة والمساواة. من هنا فإن الشيعة في المملكة لا يحملون مشروعا خاصا بهم أو أجندة مغلقة على ذواتهم، وإنما هم يتعاملون مع قضيتهم بوصفها قضية وطنية ويطالبون بمعالجة مشاكلهم في إطار وحدة الوطن وثوابته.
وهم من هذا المنطلق الوطني العميق يتطلعون ويعملون بكل تعبيراتهم وتجلياتهم من أجل الآتي:

  1. نبذ كل أشكال التمييز والإقصاء والإلغاء واعتبارها من القضايا الرئيسية التي تهدد وحدة الوطن وأمنه. فحقائق التنوع والتعدد بشكل موضوعي لا تهدد الوحدة ولا تلغي حالة التعايش، ولكن الذي يهدد الوحدة الاجتماعية والوطنية ويلغي مستويات التعايش في الدائرة الوطنية هو التأسيس الظالم على هذه التنوعات والتعدديات عبر ممارسة كل أشكال التمييز ضد كل تنوع أو تعبير. فالشيعة في المملكة ينشدون العدالة ويتطلعون إلى المساواة، وذلك بإلغاء ومنع كل أشكال ومستويات التهميش والإقصاء. وهنا يتطلب من الجميع في الإطار الوطني الوقوف بحزم ضد المغرضين والمتعصبين الذين يسعون إلى تشويه سمعة وعقائد وقناعات الشيعة في المملكة، واعتبار كل ذلك تعريضا لكل مكاسب الوطن ووحدته الداخلية للكثير من المخاطر والأزمات.
  2. تكافؤ الفرص الوظيفية والإدارية والسياسية والثقافية، فلا يعقل أن تمنع كفاءة من خدمة وطنها من موقع تخصصها وتميزها بفعل انتمائها المذهبي أو الاجتماعي أو السياسي. إن مقتضى العدالة أن تكون جميع الفرص متاحة للجميع، والأكفأ هو الذي يتحمل المسؤولية.. فلا عدالة حقيقية إذا منعت بعض المواقع والمناصب والمسؤوليات عن بعض الفئات والشرائح من المواطنين.
  3. صيانة الحقوق الدينية والسياسية والثقافية، فلا يكتمل عقد العدالة إلا بالعمل على صيانة حقوق الشيعة الدينية والسياسية والثقافية عبر مؤسسات وقوانين تتجاوز استقطابات اللحظة, وتؤسس لسياق وطني يصون حقوق الشيعة كسبيل لتوطيد موجبات الوحدة الوطنية والاجتماعية.
  4. تطوير النظام السياسي الوطني وإرساء دعائم ومتطلبات الإصلاح والديمقراطية فيه، وذلك لأن الداء الأكبر الذي يعرقل الإصلاحات ويعمق الفروقات الأفقية والعمودية في المجتمع هو توقف عجلة الإصلاح والتطوير. فلابد من توسيع بنية النظام السياسية والاجتماعية حتى تتسنى الظروف المفضية إلى صيانة حقوق الجميع ومشاركتهم الفاعلة في بناء الوطن وتطوير الأمة. ومن المهم أن يدرك الجميع أن تسفيه مشاعر وعقائد الآخرين لا يقود إلى التضامن والوحدة، بل إلى الشقاء والمحنة. وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال التشريع للكيانات الخاصة والمشروعات الضيقة وإنما يعني ضرورة توفير كل مستلزمات احترام الخصوصيات الدينية والثقافية لأنها الطريق الحضاري لخلق وحدة في الاجتماع الوطني والسياسي.

مسؤولية الدولة


التقدم السياسي باتجاه الحريات هو الذي يعالج مشكلة الشيعة في المملكة وينهي العناصر النابذة والنافرة في العلاقة بين الطرفين
الحقائق التاريخية عنيدة، ومشروع الاستقرار لا ينجز على أنقاضها. وتعلمنا التجارب أن كل المحاولات التي بذلت لتدمير هذه الحقائق التاريخية كشرط للوحدة والاستقرار باءت بالفشل، وذلك لأن هذه الحقائق متجذرة وأصيلة وتمتلك امتدادات عميقة في الجسم الاجتماعي والوطني. لذلك نستطيع القول إن طريق الوحدة والاستقرار لا يمر عبر محاربة هذه الحقائق، وإنما عبر احترامها وتوفير الحرية اللازمة لها. فالمشترك الوطني لا يعني إلغاء الخصوصيات المذهبية والثقافية، وإنما يتطلب احترامها وفسح المجال لها لكي تمارس دورها ووظيفتها في إثراء مفهوم الوحدة بمضامين حضارية تتجاوز الرؤية الآحادية والنهج الإقصائي.

لذلك فإن مسؤولية الدولة تتجسد في تطوير مفهوم الشراكة السياسية والاقتصادية في بناء الوطن وإدارته، والذي يقتضي بطبيعة الحال إلغاء كل أشكال الإقصاء والتمييز والشفافية في الإدارة وتسيير الشؤون العامة ووجود عقد اجتماعي سياسي ينظم العلاقة بين مختلف الدوائر والقطاعات والمكونات حتى تنتظم جميع الكفاءات الوطنية في مشروع البناء والعمران.

فالتقدم السياسي باتجاه الحريات هو الذي يعالج مشكلة الشيعة في المملكة، بمعنى أن عدالة العلاقة وديمقراطيتها بين الأغلبية والأقلية هو الذي ينهي العناصر النابذة والنافرة في العلاقة بين الطرفين.
ـــــــــــــــ
* باحث سعودي