شفيق شقير

تسببت أحداث الحادي عشر من سبتمبر بهبوب عاصفة إصلاحية على العالم العربي، بناء على أن ما حدث في أميركا مرتبط بدعمها لأنظمة دكتاتورية في المنطقة العربية.

وأعطت التحولات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط أولوية قصوى لنشر الديمقراطية التي تعتمد اعتمادا كبيرا على إقامة حياة حزبية صحيحة يتمثل الناس من خلالها من غير لبس ولا تزوير.

ومصر ليست استثناء من ذلك بل هي ابرز المرشحين لهذا التغيير، وهو ما عجل –برغم أولوية تداول السلطة-في فتح ملف قانون تشكيل الأحزاب  والمعيق لتطور الحياة السياسية المصرية ودور لجنة شؤون الأحزاب المنبثقة عنه.

حق تكوين الأحزاب
"للمصريين حق تكوين الأحزاب السياسية ولكل مصري الحق في الانتماء لأي حزب سياسي وذلك طبقا لأحكام هذا القانون".

هذا ما تقوله المادة الأولى من قانون الأحزاب المصري، ولكن الواقع وبقية مواد القانون تقول شيئا آخر.

يوجد في مصر 19 حزبا حاليا فقط في بلد يبلغ تعداد سكانه أكثر من 76 مليون نسمة، وبرغم أن العملية الإجرائية لتشكيل حزب جديد من المفترض أنها تتسم بالسهولة حيث أن ما يتطلبه الأمر هو الحصول على توكيلات 50 شخص من المؤسسين، يكون نصفهم من العمال والفلاحين، وأن يقدم "إخطار كتابي إلى رئيس لجنة شؤون الأحزاب السياسية.. عن تأسيس الحزب".

ولكن  اللجنة المشار إليها "لجنة شؤون الأحزاب" ، غالبا تعترض على تشكيل أي حزب جديد، وقد رفضت منذ تشكيلها في عام 1977 وحتى اليوم أكثر من 60 حزبا، ولم ترخص إلا لأربعة أحزاب، حزب الوفاق في عام 2000 وحزب الجيل الديمقراطي عام 2001، وحزبي  الغد والدستوري عام 2004.

فضلا عن قيامها بعرقلة نشاطات أحزاب قائمة بالفعل، كما هو الشأن مع حزب العمل وصحيفته "الشعب" على سبيل المثال لا الحصر، حيث أصدرت قرارا بتجميد نشاط الحزب ووقف صحيفته عن الصدور في مايو/أيار 2000.

لجنة منع الأحزاب

"
لجنة شؤون الأحزاب يتندر بها الناس ويسمونها "لجنة منع الأحزاب"

"

ويعزو المعارضون للحكومة سبب منع اللجنة لقيام أحزاب جديدة إلى هيمنة الحزب الوطني الحاكم على عضويتها، حيث أنها تتألف من رئيس مجلس الشورى رئيسا وعضوية كلا من وزير العدل ووزير الداخلية ووزير الدولة لشؤون مجلس الشعب، إضافة إلى ثلاثة من أعضاء الهئية القضائية يصدر قرار تعيينهم من رئيس الجمهورية، أي أن حكومة الحزب الحاكم والرئاسة هي الخصم والحكم في هذه اللجنة.

ولكن بحسب قانون الأحزاب فإنه يجوز لطالبي تأسيس الحزب حق الاعتراض على قرار اللجنة أمام الدائرة الأولى للمحكمة الإدارية العليا.

ويقول أبو العلا ماضي (1) وكيل مؤسسي حزب الوسط وأحد الذين رفضت اللجنة طلبهم بتأسيس حزب عن هذا الأمر إن المحكمة المذكورة لا ترخص إلا لأحزاب صغيرة وهامشية من باب الديكور فقط، وأنها كانت في السابق محكمة إدارية عادية وبدرجتين، ولكنها عدلت في عهد الرئيس مبارك إلى محكمة خاصة بالأحزاب وبدرجة واحدة –أي حكمها غير قابل للاستئناف- ويتكون نصفها من القضاة والنصف الآخر من رجالات المجتمع، "الذين هم في الواقع من طرف الحزب الوطني الحاكم".



ويضيف ماضي أنه في الأساس من المفترض وبحسب القانون أن إجراء إنشاء حزب يتمثل في "إخطار" لجنة شؤون الأحزاب فقط وليس الحصول على ترخيص منها كما هو الحال الآن، وأن اللجنة يتندر بها الناس ويسمونها "لجنة منع الأحزاب".

إلغاء لجنة شؤون الأحزاب

"
إذا تجاوز الرئيس المصري عنق الزجاجة وفاز في الانتخابات الرئاسية المقبلة سيستفيد من ذلك ليضفي شرعية شعبية على كل ما يصدر عنه أو عن حكمه
"
دعت أكثر من جهة مصرية سياسية وحقوقية لتعديل قانون الأحزاب وخاصة فيما يتعلق باللجنة وصلاحياتها حيث كثرت المطالبة بإلغاء اللجنة ورأت فيها المعارضة المصرية والقوى الحقوقية أداة بيد الحزب الوطني الحاكم لمنع قيام أحزاب أخرى قد تقود البلاد نحو التغيير.

وكررت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان شكواها من القانون مرارا وأصبحت شكواها تقليدا تضمنه كل عام تقريرها السنوي عن "حالة حقوق الإنسان في مصر"، ودعت في أكثر من مناسبة إلى تعديل قانون الأحزاب بما يؤدي إلى "إطلاق حرية تشكيل الأحزاب تحت رقابة القضاء الطبيعي وحده."

خاصة أن قانون الأحزاب يتضمن العديد من المواد أو الشروط التي تعطي اللجنة سلطة استثنائية اتخذت منها مدخلا لمنع الترخيص عن الأحزاب، أبرزها شرط التميز، حيث يشترط لتأسيس أو استمرار أي حزب سياسي "تميز برنامج الحزب وسياساته أو أساليبه في تحقيق هذا البرنامج تميزا ظاهرا عن الأحزاب الأخرى".

وبسبب تضرره مرارا من هذا الشرط -كما هو الشأن مع الأحزاب الأخرى التي منعت-  دعا حزب الوسط إلى ضرورة إلغاء هذا الشرط الفضفاض أو "تعريفه بطريقة محددة وواضحة يمكن قياسها بشكل عملي."كما دعا إلى إلغاء اللجنة أو على الأقل تشكيلها من شخصيات قضائية فقط.

وحتى الآن ليس من المتوقع أن يستجيب الحكم المصري لمطالب المعارضة بإلغاء لجنة شؤون الأحزاب أو أن يدخل تعديلات في صلاحياتها تصب في صالح الأحزاب الجديدة، بل هناك من يحذر من حصول العكس، وأن حديثا يدور عن إجراء تعديلات على قانون الأحزاب باتجاه تشدد أكبر، بحيث يشترط زيادة عدد المؤسسين إلى 1000 بدلا من خمسين، وأن يضاف ثلاث شخصيات عامة بدلا من وزير العدل إلى عضوية اللجنة.

وفي حال تبدل الظروف الدولية الضاغطة على الحكم المصري فمن الممكن أن يشهد قانون الأحزاب تعديلات أكثر قسوة من المطروحة حاليا، خاصة إذا ما تجاوز الرئيس المصري عنق الزجاجة وفاز في الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستجري بين أكثر من مرشح، والتي سيستفيد من نتائجها ليضفي شرعية شعبية على كل ما يصدر عنه أو عن حكمه.




__________________
الجزيرة نت

المصادر:
1- أبو العلا ماضي هو وكيل مؤسسي حزب الوسط الذي تقدم للجنة شؤون الأحزاب عام 1996 للحصول على موافقتها لكنها رفضت طلبه، ثم حوكم  عسكريا وسجن بتهمة التحايل للحصول على ترخيص بإنشاء حزب يكون واجهة لحركة الإخوان المسلمين، وتكرر رفض اللجنة الترخيص للحزب في عام 1998، وكذلك في عام 2004.
2-  أرشيف الجزيرة
3- تقرير "حالة حقوق الإنسان في مصر" الصادر عن المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أعوام 2002-2003-2004.
4- بيان صادر عن حزب الوسط الجديد بتاريخ 15/3/
2005