أصبحت الأقاليم العراقية تتمتع باستقلال مالي بموجب الدستور العراقي الذي وزع إيرادات النفط بين هذه الأقاليم والحكومة الاتحادية. كما وضع مشروع قانون النفط والغاز المبادئ الأساسية لاستثمار الحقول النفطية بمختلف أنواع الاتفاقات مع الشركات الأجنبية بما فيها عقود مشاركة الإنتاج.
 
وهنا سيظهر توزيع آخر لإيرادات النفط بين الدولة وهذه الشركات يسير جنبا إلى جنب مع التوزيع القديم مما يعتبر تغييرا جوهريا في مالية الدولة والسياسة النفطية، وسوف يتم بسرعة فائقة وتحت ظل احتلال عسكري أجنبي وأزمة أمنية واقتصادية خانقة.

إيرادات مالية ضخمة

"
قسط لا يستهان به من عوائد النفط يدخل في حسابات بعض الجماعات دون المرور بميزانية الدولة بسبب تفشي ظاهرة الفساد الإداري والمالي
"
في العام المنصرم بلغت إيرادات النفط العراقي حوالي 38 مليار دولار، وفي حال إنتاج كمية تعادل تلك التي كان البلد ينتجها قبيل الحرب ضد إيران ستبلغ عوائد الصادرات 82 مليار دولار حسب الأسعار السائدة في الوقت الحاضر. وقد تصل إلى 204 مليارات دولار عند تصدير ثمانية ملايين برميل يوميا.
 
هذه الإيرادات الكبيرة ستوزع بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والشركات الأجنبية بغض النظر عن أن قسطاً لا يستهان به من العوائد يدخل في حسابات بعض الجماعات دون المرور بميزانية الدولة بسبب تفشي ظاهرة الفساد الإداري والمالي.

وعلى عكس النصوص الدستورية الصريحة المتعلقة باقتسام حصيلة الصادرات النفطية بين السلطة الاتحادية والسلطات المحلية، لم يشر بطبيعة الحال مشروع قانون النفط والغاز إلى توزيع هذه الحصيلة بين مختلف سلطات الدولة والشركات الأجنبية.
 
وستعتمد حصة كل طرف على حجم الحقول وكمية الإنتاج وطبيعة العقود وشروطها.
 
وبهذا الصدد وضعت المادة 16 من مشروع القانون عدة معايير وهي فيما يخص موضوع البحث ملكية العراق للمصادر البترولية، وتحقيق أقصى عائد وطني اقتصادي ومنح عائد مناسب للمستثمر.

يتبنى مشروع القانون عقود مشاركة الإنتاج التي تحقق للدولة إيرادات أكبر مقارنة بعقود الامتياز التي سادت في النصف الأول من القرن المنصرم حيث كانت شركة نفط العراق المتعددة الجنسيات تدفع إلى الحكومة مبلغاً مقطوعاً لقاء الإنتاج. وبالعكس، تحقق عقود الخدمة الفنية التي اتبعت بعد تأميم النفط إيرادات أكبر للبلد لأنها تقتصر على شراء خدمة من شركة أجنبية كالتنقيب أو التطوير لقاء مبلغ مقطوع يدفع لها.
 
التوزيع المبدئي للإيرادات

هي اتفاقات طويلة الأمد تجري بين الحكومة والشركة الأجنبية، على أن تقوم هذه الأخيرة باستثمار أموالها في عمليات نفطية محددة وفي حقول معينة لقاء حصولها على نفط الكلفة ونفط الربح. فعند بيع النفط المستخرج من قبل الشركة تقسم إيراداته وفق نسب محددة سلفاً في العقد. ويستمر هذا التوزيع حتى تسترد الشركة المبالغ التي أنفقتها في عملياتها. وبعد انقضاء فترة نفط الكلفة على هذا النحو تحصل الشركة أيضاً على أرباح بنسب يتفق عليها في العقد أيضا.

نظريا تبقي عقود مشاركة الإنتاج ملكية الاحتياطيات النفطية للدولة، وبالتالي فهي لا تتعارض مع معيار ملكية الدولة المذكور آنفاً والمنصوص عليه في المادة 16 من مشروع قانون النفط والغاز.
 
ولكن حال الاستخراج تصبح ملكية الخام مقيدة لارتباط حقوق الشركات بها، فهي في نهاية المطاف ملكية مرتهنة أو محتجزة طيلة فترة العقد التي قد تدوم أربعين سنة. لماذا إذن توافق بعض الحكومات على مثل هذه العقود؟

ويجد عقد مشاركة الإنتاج تبريراً منطقياً له في البلدان التي تتزامن فيها حالتان.
 
أولهما: ارتفاع كلفة الإنتاج كأن تكون الحقول عميقة جداً أو بحرية أو صغيرة الحجم.
 
وثانيهما: عدم وجود الاعتمادات المالية اللازمة لإنجاز العمليات النفطية بسرعة. عندئذ تقدم الشركة الأجنبية الأموال والخبرات الفنية للقيام بها.
 
عدم ملائمة عقود مشاركة الإنتاج

"
على عكس النصوص الدستورية الصريحة المتعلقة باقتسام حصيلة الصادرات النفطية بين السلطة الاتحادية والسلطات المحلية لم يشر مشروع قانون النفط والغاز إلى توزيع هذه الحصيلة بين مختلف سلطات الدولة والشركات الأجنبية
"
لا توجد في العراق حقول بحرية -كما تؤكد الدراسات- منذ فترة طويلة، على أن الكلفة الكلية للإنتاج في الحقول العراقية لا تتعدى دولارين للبرميل الواحد.
 
ولا تقتصر هذه الكلفة المتدنية على الحقول المنتجة حالياً التي تشرف عليها شركة النفط الوطنية العراقية بمقتضى الفقرة الثانية من المادة 13 من مشروع القانون، بل تشمل أيضاً الحقول غير المنتجة وغير المكتشفة التي ستوكل للشركات الأجنبية بموجب عقود مشاركة الإنتاج.

ومن المعلوم أن العراق يحتوي على 80 حقلاً مكتشفاً منها 17 حقلاً منتجاً. تمثل هذه الحقول المنتجة 40 مليار برميل.
 
أما باقي الاحتياطيات المؤكدة البالغة 75 مليار برميل فستكون من نصيب الشركات الأجنبية أي ستقع 65% من احتياطيات البلد تحت سيطرتها.
 
وستكتشف حقول جديدة يعادل حجمها على الأقل الاحتياطيات الحالية.
 
وعلى هذا الأساس سوف تسيطر الشركات الأجنبية على 83% من النفط العراقي، أي سيلغي مشروع قانون النفط والغاز قوانين التأميم والقانون رقم 80، وسيعيد السياسة النفطية العراقية إلى النصف الأول من القرن الماضي، عندئذ يصبح معيار ملكية الدولة للنفط حبراً على ورق.

أما المسألة المالية فقد اتخذها البعض ذريعة لتمرير عقود مشاركة الإنتاج حيث يقولون إن العراق يعاني من أزمة مالية ولا يستطيع رصد مبالغ ضخمة كي تتأهل صناعته النفطية بسرعة، وإن من الأولى تخصيص الأموال المتوفرة لديه لإشباع الحاجات الملحة للمواطنين من الخدمات الكهربائية والصحية والتعليمية والأمنية.

والواقع أن للعراق احتياطيات رسمية لدى البنك المركزي تفوق 20 مليار دولار نجمت عن ضعف أو عدم تنفيذ الكثير من المشاريع المدرجة في الميزانيات العامة للسنوات السابقة.
 
ويمكن استغلال هذه الأموال لتمويل العمليات النفطية حسب خطة مدروسة حتى وإن كانت طويلة الأجل. أما إذا أرادوا زيادة الإنتاج بصورة كبيرة وبسرعة (وهذا غير ضروري بل ومضر في الظروف الراهنة) فعليهم اللجوء إلى القروض الخارجية بدلاً من الاعتماد على عقود مشاركة الإنتاج، وسيجد البلد من يقرضه على الصعيدين الرسمي والمصرفي.
 
عندئذ يمكن لإيرادات النفط تمويل الخدمات وإيجاد فرص عمل للعاطلين وتعزيز القيمة التعادلية للدينار، وتحسين القدرة الإنتاجية للصناعة النفطية وسداد الديون المترتبة على القروض.

وانطلاقاً من هذه المعطيات لا تليق عقود مشاركة الإنتاج بالمركز النفطي للعراق، ولا تنسجم مع حالته المالية الحالية والمستقبلية. وستتمخض عن هذه العقود نتائج مالية خطيرة بسبب الشروط التي ستفرضها.
 
خسائر مالية فادحة

كلما كان نفط الكلفة مرتفعاً هبطت إيرادات الدولة خلال فترة استرجاع رأس المال المستثمر. ترى كيف ومن سيحدد كلفة العمليات النفطية؟
وما موقف الحكومة الاتحادية أو حكومات الأقاليم عندما تقدم شركة أميركية أو بريطانية عرضاَ يتضمن رصد مبالغ طائلة لا تتناسب مع الحاجة الفعلية للعمليات؟
 
هل يمكن حقاً تحت الاحتلال الأميركي البريطاني توقيع عقد مشاركة الإنتاج مع شركات روسية أو فرنسية تقدم تقديرات أقل لنفط الكلفة للقيام بنفس العمليات النفطية تطبيقاً للفقرة الثانية (باء) من المادة 15 من مشروع القانون التي تنص على دورات الترخيص التنافسية؟
 
هذه الأسئلة المحسومة سلفاً ناجمة عن رغبة الشركات الأجنبية في المبالغة في تقديرات الكلفة لزيادة أرباحها وتقوية مركزها أمام المساهمين فيها.

ونتيجة لحرب عام 1991 وما تلاها من حصار اقتصادي شامل لمدة 12 سنة توقفت الاكتشافات، وأهمل عدد كبير من الحقول المنتجة.
 
وإلى عهد قريب كانت  التقديرات تشير إلى ضرورة تخصيص مبلغ يتراوح بين 20 و 25 مليار دولار لإعادة بناء الصناعة النفطية العراقية بما فيها تأهيل الحقول. في حين برزت قبل بضعة أشهر تقديرات أخرى بمبلغ 70 مليار دولار على الأقل.
 
"
العراق يحتوي على 80 حقلاً مكتشفاً منها 17 حقلاً منتجاً تمثل هذه الحقول المنتجة 40 مليار برميل باقي الاحتياطيات المؤكدة البالغة 75 مليار برميل ستكون من نصيب الشركات الأجنبية أي ستقع 65% من احتياطيات البلد تحت سيطرتها
"
أضف إلى ذلك أن الشركات لا تنتظر طويلاً لاستعادة أموالها المنفقة بموجب نفط الكلفة. لذلك ستمارس ضغطاً لاسترجاعها خلال فترة قصيرة، فتهبط بشدة حصة الدولة من العوائد.

أما أرباح الشركات الأجنبية فستكون فاحشة بسبب الأحوال الأمنية والسياسة المضطربة. كلما تأزمت هذه الأحوال طلبت الشركات نسبة أعلى من الأرباح تعويضاً للمخاطر. الفوضى الشديدة في فترة إبرام العقود نقطة قوة للشركة لإملاء شروطها.
 
أما نقطة ضعف الحكومة الناجمة عن هذه الأحوال وطبيعة تشكيلها ووجود الاحتلال الأجنبي، فسوف تجعلها مضطرة للموافقة على هذه الشروط.
 
وإذا كانت الحكومة الاتحادية ضعيفة في مفاوضاتها فإن حكومات الأقاليم -وهي صاحبة الصلاحية حسب الدستور في توقيع عقود النفط- ستكون أضعف، ناهيك عن احتمال تنافسها لاجتذاب الاستثمارات الأجنبية وما يترتب على ذلك من ارتفاع نسبة أرباح الشركات.

بلا شك سيسترجع العراق قسطاً من هذه الأرباح عن طريق الضرائب المفروضة بمقتضى الفقرة الأولى من المادة 42 من مشروع القانون.
 
ويلاحظ أن هذه الضرائب تسري على الأرباح المحولة للخارج وليس على الأرباح المعاد استثمارها. وهذا باب من الأبواب الواسعة التي يمكن من خلالها لخبراء الشركات التهرب من أداء الضرائب بطرق محاسبية معقدة جدا. كما أن قانون ضريبة الدخل العراقي سوف لن يسري على الأرباح المحولة، بل ستجري اتفاقات لإنشاء نظام ضريبي خاص بالأرباح النفطية يمنح الشركات امتيازات كبيرة.

وإذا كانت عقود مشاركة الإنتاج بحد ذاتها تثير مشاكل مالية فإن الظروف غير المواتية ستزيد من خطورة هذه المشاكل، هذه العقود ليست جديدة على البلد فقد عرفها النظام السابق مع شركات روسية وصينية وبرازيلية، لكن الفرق يكمن في إبرامها مع مؤسسات تابعة لسلطات الاحتلال وما يترتب على ذلك من شروط تعاقدية لا تخدم المصالح الحيوية للبلد، كما كانت الجهة المفاوضة مركزية ثم أصبحت اتحادية تارة ومحلية تارة أخرى.

أما حجم الخسائر المالية فلا يمكن تحديده بدقة إلا بعد إبرام العقود، حيث تشير الدراسات إلى مليارات الدولارات سنوياً تبعاً لنسبة الأرباح وحجم الإنتاج ومستوى أسعار الخام في السوق العالمية.
 
وسيقود هذا الوضع إلى زيادة هائلة بالإنتاج المحلي بحيث تؤثر سلباً على سياسة أوبك، ولا يستبعد انسحاب العراق منها بعد أن كانت وليدة أراضيه، ويلاحظ  أن الفقرة الخامسة من المادة الثانية من مشروع القانون تنص على أن الهدف من هذا القانون "الوصول إلى أعلى مستوى من النمو في الاحتياطيات وفي الإنتاج" ولم يعر المشروع أية أهمية لتأثير ذلك على الأسعار أو على التزامات الدولة اللاحقة في أوبك.

ويتعين على المسؤولين العراقيين الاستفادة من تجارب الدول المجاورة خاصة السعودية والكويت وإيران التي أبرمت عقوداً نفطية تحقق أرباحاً مناسبة للاستثمارات الأجنبية دون منحها أي حق في الإنتاج، كعقود مخاطر الخدمة وعقود إعادة الشراء بدلا من عقود مشاركة الإنتاج التي لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من الاتفاقات النفطية على الصعيد الدولي.

ورغم أن الاستقلال المالي للأقاليم يعني خلق مناطق غنية وأخرى فقيرة، ورغم أن التوزيع المحلي للإيرادات النفطية لا يستند إلى مبادئ العدالة وضرورات التنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية، فستستفيد بعض شرائح المجتمع العراقي من هذه الوضع.
 
أما الشروط المجحفة للعقود النفطية فهي خسارة لكل العراقيين، ذلك لأن سيطرة الدولة على ثرواتها وتحقيق أقصى عائد ممكن من النفط على الصعيد الاقتصادي والإدارة السليمة للمالية العامة وبلوغ التنمية المنشودة لا تتم تحت احتلال عسكري أجنبي.
______________